الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » مِن مُغالطات دعاة (الفكر التكفيري)

مِن مُغالطات دعاة (الفكر التكفيري)

مِمّا لا يخفى على ذي نَظَر : أنّ الغَلَط من طبائع البَشَر، بل إنَّ الإصرارَ عليه يكادُ يكونُ – في أحيانٍ ما -طبعاً آخَـرَ مِـن طبائِعهم الإنسانيّة الناقصة التي لا ينجو منها إلا من رحم اللهُ – تعالى – .

لكنَّ ثمّـةَ فـرقـاً بَيِّناً بـين (الــغَلَط) و(المغالطة): فالغَلَطُ سببُهُ الجهلُ، أو عدم إدراك الحقائقِ على أصلها؛ أمّا المُغالطةُ : فإنّها تحملُ معنى الجهلُ المركّب، والتمادي في الغَلَط إلى مُنتهاه، بحيث تكادُ تُغلق على صاحبها أبواب الرجوعِ، أو حتى التفكير به!

ولستُ – هاهنا – في مجال الردّ على أغلاط (الفكر التكفيري) وشبهاتِه – تفصيلاً – والنقض على دعاوى أدعيائِه ودُعاتِه – تأصيلاً -؛ وإنّما وَكْدي كلُّه: الردُّ على بعض مُغالطاتهم الّتي يموّهون بها على الجهلاء، فيحسبونهم – بذلك – بُرآء!! وأنظم ذلك في نقاطٍ -قرأتها لبعض جَهَلَتهم – قريباً – :

أولاً: قولهم : (الفكر التكفيري ليس له وجود)!! وهذه أشدُّ المُغالطات ظُلماً، وأعظمُها إثماً : فالفكر التكفيري لا يزال مستمرّاً منذ فجر التاريخ الإسلامي إلى هذه السّاعة، بل سيخرُجُ بقايا أتباعه مع الدّجّال الأكبر في آخِر الزمان – كما ثَبَتَ وصحّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أشراط الساعة الكُبرى- .

وما يزالُ المسلمون – فضلاً عن غيرهم – يكتوون بظلام جهلهم، ونار فعلهم!! وإنكار المحسوس مكابرةٌ للحقّ والواقع – ما لها من دافع – .

ثانياً: وأمّا قولُهُم عن فكرهم ( ! ) – هذا مُستنكرين – : (وهو من فكر الصهيونية)!! فهذا إمعانٌ في المُغالطة، وزيادةٌ في التغليط، فالفكر الصهيوني – بطرقهِ وأساليبهِ – لم يَعُدْ خافياً – في ظل الثورة الإعلامية التي نعيشها – حتى على صبيان المـدارس؛ فلم كل هذه المُكابرة ؟!

ثالثاً: وأمّا قولهُم : (نحن مسلمون نؤدي عبــادات وطاعـات)!! فهذا شأنٌ لا ننكِره منهم وفيهم، بل هو مِن الأوصاف التي بيّنها لنا النبيّ -صلى الله عليه وسلم-  في أحاديثِه الشريفةِ المُحذِّرة من الخوارج، وأفكارهم، وأفعالهم؛ منها قولُـهُ -صلى الله عليه وسلم-  : «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»!!

بل حالُهُم هذا – عباداتٍ وطاعاتٍ – مِن أشدِّ أسباب تغرير العامة بهم، واغترار الشباب بتلبيساتهم !! وإلاّ ؛ فلو كانوا فُسّاقاً ظاهرين – للعبادات تاركين، وللطاعاتِ غيرَ فاعلين – لَمَا وجدوا لهم مُتَّبعين، ولا مؤيّدين!
رابعاً: وأمّا قولهُم: (ولم نُكفِّر أيَّ مسلمٍ، ولا نستبيح مالَ وعِرضَ أيِّ مسلم) فهو التفعيل التطبيقي لمغالطتهم الكبرى 

-الأولى- مِن إنكار وجود (الفكر التكفيري)؛ فهم – حقّا ً- لا يُكَفِّرون مَن يعتقدونهم مُسلمين، فضلاً عن استباحة أموالهم، أو استحلال قتلهم وأعراضهم!!! وإنمّا حالُهُم -ضمن ذلك التلبيس الشيطاني الشديد – أنَّهم يعتقدون المسلمَ كافراً – ضمن شبهات جهلهم، وتُرّهات ضلالهم -؛ فيستبيحون أموالهم، وأعراضهم، ونفوسَـهم؛ عـلى اعتبارهم كافرين، لا أَنّهم مُسلمون!!

خامساً: وأمّا قولُهُم : (نحن لا نُكَفِّرُ أحداً على الإطلاق، والكُفّار لَدينا هم الذين ورد وصفهم بالأحاديث النبويّة الشريفة)!! فهو دليلٌ ظاهرٌ على جهلهم البشع – من جهة -، ومُغالطتهم الشنيعة – مِن جهةٍ أُخرى -؛ فهل كُلُّ مَن ورد وصفُهُ في الأحاديث النبويّة الشريفة أنه ( كَفَرَ)، أو ( كافر ) : يكون كافراً على الحقيقة؛ بمعنى أنّه مرتدٌّ عن دين الله، خارجٌ مِن ملّة الإسلام ؟!

فعلى هذا؛ ما معنى قول النبيّ -صلى الله عليه وسلم-  مُخاطباً الصحابة – رضي الله عنهم – : «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضربُ بعضُكم رقابَ بعض»؟! فهل يصفُ هؤلاء الجهلة التكفيريون صحابةَ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بالكفر – بسبب سوء فهمهم لهذا الحديث – ؟!

وأيضاً؛ ما معنى قول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- :  « من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»: هل يُكَفِّرون كُلَّ حالفٍ بغير اللهِ – تعالى -، ويخرجونه من ملّة الإسلام ؟!  … وهكذا في أحاديث نبويّة كثيرة، اتفق عُلماءُ السنّة، وأهلُ الحديث على فهمها فهماً واحداً، لا ثاني له : أنّها تحمل معنى الكفر الأصغر، الذي هو من الكبائر، لكنّه ليس مُخرجاً من الملّة؛ إلا بشروط دقيقة جدّاً لا يُـدْركُها إلا أكابر العلماء، دون حدثـاء الأسنان، سفهاء الأحلام.

ومحلّ بيان ذلك في مقالي التالي (ضوابط شيخ الإسلام ابن تيمية في التكفير) -ردّاً على بعض الكُتَّاب الذين أخطؤوا في هذه القضيّة بالغَلَط الواضح الصَّريح-…. إذن؛ هؤلاء (التكفيريُّون) -المتلاعبون- يُكَفِّرون المسلمين، ويُخرجونهم من دين الإسلام : بناءاً على جهلهم بهذه الأحاديث، وضوابط فهمها الدقيقة جدّاً؛ فهم عندهم
-لتكفيرهم إياهم بالباطل- ليسوا مسلمين !!

سادساً: مِن الغريب جدّاً – والعجيب – ما كتبته صحيفة حزبية إسلامية ( ! ) حول بعض رؤوس التكفيريين الكبار، ناسبةً إليه أنّه (يرفض تكفـير المجتمع أو الدولـة )!! متناسيةً أو غافلةً أو جاهلةً أنّ له كتاباً مشهوراً سائراً سمّاه : «الكواشف الجلية في كفر الدولة …» -وسمّاها- !!! فأيّ تناقض هذا بين الدعوة والدعوى!؟!

سابعاً: ما أعلنه بعضُ هؤلاء التكفيريين من استعدادهم لمناظرة مَن يتّهمهم بأنّهم تكفيريّون : لعبةٌ سياسيّة ماكرةٌ، يُريدون مِن ورائها دغدغة عواطف العوام ّ، وإثارة حماسات الجهلة الطغام، وإظهار أنفسهم بثوب العلم والمعرفة وهم منها خواءٌ …

ولقد جرّبنا مناظرةَ بعضٍ منهم -قديماً وحديثاً-: فما وجدنا إلا الجهل، والمُكابَرَة، والإعراض، وتسفيه العُلماء العارفين، والطعن بأئمّة الدين، والغمز الباطل بمخالفيهم؛ تارةً بالإرجـاء، وتارةً أخرى بالعمالة، وهكذا …
ثامناً: تسميةُ هؤلاءِ التكفيريِّين لاثنين مِن رؤوس دعاة الفكر التكفيري – المشاهير! – على اعتبار أنّهما (مرجعيتهم في هذا الإطار)  – التكفيري-!! تدلُّ على شيئين :

الأول: أنّهم مقطوعو الصلة بأهل العلم الربّانيّين، وأئمّة السنة والعقيدة والدين – المُتَّفق على مكانتهم، والمُجْمَع على إمامتهم -؛ فلم يذكروا عالماً مُعتبراً واحداً، سوى هذين الرأسين !!! ورسولُنا صلى الله عليه وسلم يقول : «إنَّ مِن أشراط الساعة أن يُلتمس العلم عند الأصاغر» .

الثاني: أنّ حُجَجَهم في تكفيرهم الحَلَزوني للمسلمين – ممّا لا يعدّونه هم تكفيراً لمسلم -واهية واهنة!!
ذلكم أنّ لهذين الرأْسَين المذكورَين مؤلَّفاتٍ عدةً، وكتابات مُتعدّدة – معروفة، ومنشورة – أفرغوا فيها آراءهم، وجمعوا فيها شبهاتهم : فلم نَرَ فيها – بعد التأمل والدراسة الدقيقة – إلا التمويه، والتسفيه، والتشويه؛ ملفوفاً ذلك كلُّه بثوب العُجبِ، ورداء التعالُم، فضلاً عمّا فيها من مخالفاتٍ ظاهرة كبرى لنصوص العُلماء، وأقوال الأئمّة الكُبراء؛ الذين لايقيمون لهم وزناً، ولا يرفعون لهم رأساً .

تاسعاً: نصيحةٌ صادقةٌ، نابعةٌ مِن قول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «الدين النصيحة … » أوجِّهها لهؤلاء :
أن يتقوا اللهَ – تعالى – في أنفسهم، وفي المسلمين، وأن يتوبوا من آرائهم الغاليةِ المتطرّفة – تلك -، وأن يعودوا إلى العُلَماء الربّانيين ليأخذوا عنهم، ويستفيدوا منهم؛ بدلاً من الطعن الباطل فيهم، والإنكار الفاشل لإمامتهم ومكانتهم، وأن يفيئوا إلى أُسَرِهم، وبيوتهم، ومجتمعاتهم، وأوطانهم : ليكونوا صالحين مصلحين؛ بدلاً من هذا الفساد والإفساد الّذي يصدّرونه – جهلاً وإصراراً – باسم ( الإسلام )، وهو مِن ذلك براءٌ …

-- بقلم: الشيخ علي الحلبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*