الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » الجهاد مسؤولية الدولة لحماية أمن المواطنين ومصالحهم

الجهاد مسؤولية الدولة لحماية أمن المواطنين ومصالحهم

أكد الدكتور عبدالرحمن الوابلي المختص في التاريخ العسكري أن الجهاد مسؤولية الدولة، لحماية أمن الوطن والمواطنين، والحفاظ على مصالحهم في مختلف المجالات.
وأوضح أن دعم جهود الحكومة في مجالات البناء والزراعة والصناعة والتموين والتطبيب، ومساندة الحراسات المدنية ورجال المطافئ، وغيرها من المهمات التي تخفف أعباء الدولة – يمكن أن تشكل أنواعاً من الجهاد.
وتناول الدكتور الوابلي  تطور عمليات الحروب منذ القرنين السادس عشر والسابع الميلاديين، وصولا إلى العصر الحاضر، أو ما يسميه “زمن الاحتراف العسكري”.
يقول الدكتور عبدالرحمن الوابلي: عندما أخذت الدولة الوطنية الحديثة تتشكل في أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، كانت الجيوش الحديثة المحترفة هي نواة تشكيل الدولة، وظلت رمز سيادتها والمحافظة عليها حتى وقتنا الحالي.
ويضيف أنه من أهم أسباب تشكيل الجيوش المحترفة، اختراع الأسلحة النارية من بنادق ومدافع، وتحولها إلى أسلحة مهمة لا يستغني عنها أي جيش في الحرب. ويشير إلى أن هذا المخترع الحربي الجديد الحساس والخطير أدى إلى ظهور الحاجة لمحترفين يتعاملون معه بمهنية ودقة عالية، إضافة إلى ظهور الحاجة لمصانع ومعامل متخصصة في صناعة البارود والأسلحة، عالية وباهظة التكاليف لا يستطيع تمويلها وإدارتها والصرف عليها غير الحكومات الرسمية.
ويلفت إلى أن وجود هذه الأسلحة المتطورة والخطرة آنذاك تطلب وجود مخازن خاصة بها، ورجال متخصصين في عملية التخزين والحفاظ عليها. أما عملية نقلها وتحريكها من مكان لآخر وموقع حربي لآخر، فأحدث تطورا هائلاً في علم إدارة الحرب وهو ما يسمى “باللوجستية”. أي أصبحت إدارة تحريك الجيوش من مكان لآخر ومن موقع حربي لآخر جزء لا يتجزأ من علم أو فن إدارة الحرب.
ويقول إن هذا التطور النوعي في الأسلحة المستخدمة في الحرب، وفي إدارتها، حتم البحث عن رجال يتمتعون بقدرات نوعية للتعامل بدقة واحترافية معها، ولذلك تم فتح المدارس العسكرية واستقطاب من لديهم قدرات تتماشى مع متطلبات الحرب الحديثة وتعقيداتها الجديدة، وتدريسهم إياها، وتدريبهم تدريباً مكثفاً، بدنياً ونفسياً عليها؛ ليتم تحويلهم من مدنيين لعسكريين.
وهنا تشكلت الجيوش الوطنية المحترفة وأصبح لها مدارسها الخاصة وإدارتها الخاصة، وميادين تدريباتها الخاصة، وحتى مدنها وقواعدها الخاصة، المعزولة عن المدن المدنية. وهكذا أصبحنا نفرق بين العسكري والمدني، حيث أخذت تختلف الحياة العسكرية عن الحياة المدنية، وأصبحت مهنة الحرب هي مهنة العسكر الخاصة بهم، لا بغيرهم.
ويضيف الدكتور عبدالرحمن أنه بعد هذه الثورة في تقنية أسلحة الحرب، لم تعد الحرب هي الحرب التي كانت تخاض قبلها. وقد عمق هذه الثورة في الحرب وأكدها، تقدم التقنية في صناعة الأسلحة العسكرية وتعقدها يوماً بعد آخر.
وهذا مما جعل الحرب أكثر شراسة وتدميراً وتوحشاً عن سابق عهدها، وعليه أبعدها أكثر حتى عن تصور ٍأو تخيل المجتمع المدني (غير العسكري). مما زاد الشقة بين المجتمعين، وأدى إلى إبعاد غير العسكريين عن الإسهام بخوض الحروب مباشرة. وظهر لدينا ما يعرف بالجبهة الخلفية (المدنية) والجبهة الأمامية (العسكرية)، وأصبحت مهمة الأولى دعم الثانية بالتصنيع والتموين والتطبيب، وما شابه ذلك من دعم للجهد الحربي، في حال طالت فترة الحرب أكثر من ما يجب، أو طال قصفها وتدميرها المنشآت الاقتصادية والحيوية للدولة.
ويمضي الدكتور عبدالرحمن قائلاً: قبل ثورة تقنية الحرب الحديثة، كانت الحرب في أوروبا تخاض بواسطة السيوف والرماح وأدوات الحرب التقليدية، حتى التي كانت البارود البدائية من ضمنها، وكان كل رجل قادراً على حمل السلاح وتموين نفسه يتحتم عليه المشاركة فيها للدفاع عن وطنه.
وبنفس الآلية والكيفية كانت تدار الحرب في عالمنا العربي والإسلامي قبل ظهور الجيوش المحترفة. فالدولة كانت لا تمتلك السلاح لوحدها، بل هو موزع بين مناطقها وقبائلها. فعند حدوث أي تهديد للدولة من عدوان خارجي، يقوم الملك أو السلطان أو الأمير، بإعلان الجهاد، فينادى في المساجد، حي على الجهاد، فيستنفر الناس، لتشكيل فرق محلية تتحرك تحت راية قائدها المحلي، وتنظم مع جيش ولي الأمر للدفاع عن حياض البلد أو مساندة بلد مسلم آخر معتدى عليه.
ويشير إلى أن كل جندي أو مجاهد في الجيش يجهز نفسه بالسلاح والمركب، وحتى في كثير من الأحيان بمؤونته ومؤونة مركبه، حتى نهاية الحرب، فإذا كان النصر حليفهم يتم توزيع الغنائم على أفراد الجيش لتعويضهم عن ما صرفوه في الحرب، وقد يربحون قليلاً أو كثيراً بحسب وفرة الغنائم التي حصلوا عليها، مع أجر ومثوبة من الله، لا يوازيها غنائم الدنيا كلها، ومن ثم كل واحد يذهب ليمارس حياته الطبيعية من حيث أتى سعيداً بما حققه في سبيل الله. وكانت الحياة آنذاك شبيهة بطبيعتها القاسية وخشونة ظروفها، لأي معسكر حربي حديث، حيث كانوا مجهزين وجاهزين طبيعياً لتحمل عناء ومشقة الحرب وخوض غمارها، زيادة على أن الأسلحة المستخدمة آنذاك هي أسلحة تقليدية، لا تحتاج إلا لقليل من التدريب، والتي تعودوا أصلاً على حملها في حياتهم العادية، لحراسة أنفسهم والدفاع عنها ضد اللصوص وقطاع الطرق. أي بأن حياتهم العادية، كانت تؤهلهم لخوض غمار الحروب في زمنهم.
ويشدد على أنه بعد أن امتلكت الدولة وحدها شرعية حمل السلاح واستخدامه، أخذت على عاتقها مهمة حماية أمن مواطنيها والوطن بشكل عام؛ واتسعت الهوة بين قدرة المواطن العادي وتمكنه من حمل السلاح واستخدامه، وزادت هذه الهوة أكثر فأكثر، بدخول أدوات الرفاهية والدعة للحياة المدنية، من جهة ومن جهة أخرى، تعقدت أسلحة الحرب ووسائلها وأصبحت أكثر تعقيداً وتوحشاً وتدميراً؛ حيث ظهر الفرق واضحاً وجلياً بين كل ما هو مدني وكل ما هو عسكري. ويتوقف أمام قضية مهمة بقوله: إن الاحتراف العسكري لم يلغ شعيرة الجهاد بل وسع من مجالها ليعم كل مواطني الوطن؛ بشرط ظهور فقه جديد للجهاد يتماشى وطبيعتها وتقسيماتها الحديثة، وذلك بتقسيم الجهاد إلى قسمين: جهاد (الجبهة الأمامية) القتال الفعلي الذي تقوم به وتؤديه الجيوش المحترفة فقط، تحت قيادة وتوجيه الدولة.. وجهاد (الجبهة الخلفية) دعم مجهود الحكومة الحربي المدني والذي يؤديه المجتمع عامة من رجال ونساء وحتى من الصبية، وذلك بإعادة سريعة لبناء ما يتهدم من قصف يطال الجبهة الداخلية، والقيام بأعمال الزراعة وتصنيع الذخيرة وإعداد الطعام والملابس وما شابه ذلك من دعم للمجهود الحربي، حتى لا تصبح الجبهة الداخلية عبئا على المجهود الحربي. ومن ذلك القيام بعمليات النقل والتطبيب وبناء الطرق والجسور المتضررة، ومساندة الحراسات المدنية ورجال المطافئ إلخ من مهمات تخفف عن الدولة عبء القيام بها، حتى تركز جهدها، بقدر المستطاع، على دعم وإدارة جبهة القتال الأمامية والعمل الديبلوماسي الخارجي الدؤوب في زمن الحرب. ويضيف أن الحرب أصبحت – كما سماها الجنرال الأمريكي جرانت – جهنم. وتم تعريفها بإدارة الفوضى، فالجيش الذي يخوضها، ليس بحاجة لفوضى أكثر من ماهي عليه من فوضى، ولذلك تترك الحرب لمحترفيها من عسكريين يديرونها ويتعاملون مع فوضاها بطريقتهم الاحترافية.
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من جهز غازياً فقد غزى”، ليشمل من دعم وسند غازياً فقد غزى. وهنا يعم خير وفضل الجهاد جميع أفراد المجتمع، بشرط تحريم التدخل المدني بقرار وإدارة الحرب، من ناحية ومن ناحية أخرى، تحريم محاولة التواجد المدني بالجبهة الأمامية أو بالقرب منها، حيث يربك هذا المجهود الحربي العسكري ويؤثر عليه سلباً، حيث يلقي عليه مهمة حماية المدنيين ويشتت جهده الذي يجب بأن يتركز وينصب على قتال الأعداء.

-- الدكتور عبدالرحمن الوابلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*