الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » اليمن.. القاعدة الجديدة للحرب على الإرهاب

اليمن.. القاعدة الجديدة للحرب على الإرهاب

اللغة الأمنية ولهجة «الوعيد والتهديد» التي استخدمها الرئيس الأميركي باراك أوباما للتعليق على «تزايد خطر القاعدة» في اليمن الذي تمثل في محاولة النيجيري عمر فاروق عبد المطلب تفجير طائرة ركاب أميركية، واعتراف الأخير بأنه يعمل لحساب التنظيم وأنه حصل على المتفجرات في اليمن، أعادت لفت الأنظار إلى هذا البلد، والسؤال ما إذا كان سيصبح «الجبهة» الجديدة في الحرب على الإرهاب بعد أفغانستان والعراق، خصوصا ان دولا عدة أخرى زادت اهتمامها بما يجري هناك، وبدأت تتشاور لتحديد ماذا يمكن أن تقدم لليمن أكثر مما تقدمه الآن!

رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون دعا الى عقد مؤتمر دولي (مقرر نهاية الشهر الجاري) لتقديم الدعم اللازم لليمن الذي أصبح،حسب براون، «حضانة وملاذا آمنا للإرهاب»، وإنه بذلك «يشكل خطرا على الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي»، فيما دعت الرياض الى دور خليجي «صلب وحاسم» لتحسين وضع اليمن اقتصاديا وتنمويا. فالفقر والجهل، بحسب المراقبين، يسهل على القاعدة شراء الدعم الشعبي والسيطرة على اليمنيين.
بدوره، وبعد تعرضه لانتقادات من قبل بعض معارضيه السياسيين، الذين اعتبروا أن موقفه لم يكن حاسما إزاء محاولة تفجير طائرة ركاب أميركية ليلة الخامس والعشرين من ديسمبر الماضي، لجأ الرئيس الأميركي، إلى استخدام لغة التهديد، ليتوعد بالقضاء على القاعدة أينما كان. وبدورها، اعتبرت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أن ما يحدث هناك «يشكل خطرا على الأمن الإقليمي والعالمي». وأكدت التزام واشنطن بتقديم الدعم للجهود التي تبذلها حكومة صنعاء في مكافحة الإرهاب، وهو ما أكده أيضا الرئيس أوباما، بتشديده على التزام بعيد المدى بـ»استئصال، وتفكيك، وهزيمة» القاعدة، قائلا «أمتنا تخوض حربا ضد شبكة واسعة النطاق من العنف والكراهية، وسنستخدم جميع الوسائل اللازمة لحمايتهم (في إشارة إلى الجنود الأميركيين في العراق وأفغانستان) وحماية بلدنا».
تهديد مبالغ فيه
اليمن، ورغم تأكيده أنه «لن يتهاون مع الإرهاب» ولن يقبل «تحول جباله إلى تورا بورا»، في إشارة إلى معقل القاعدة وطالبان في أفغانستان، نفت مصادر مسؤولة أي دور للطيران الأميركي في ضرب مواقع القاعدة. كما اعتبر مسؤولون يمنيون وصف التهديد الذي يشكله القاعدة في بلدهم بأنه «مبالغ فيه» ويصب في «استهداف اليمن»، كما حدث مع أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر، حيث كان اليمن ضمن الدول المستهدفة (باكستان، أفغانستان)، غير أن الرئيس علي عبد الله صالح «زار واشنطن وأوروبا، ونقل بلاده من مركز الاستهداف إلى موضع الشراكة في تلك الحرب.وفي الوقت نفسه برزت تصريحات رسمية تصب في إطار مختلف تماما، إذ حذر مسؤولون من تطور كبير في خطر التنظيم، وتمدده للدول المجاورة، بحسب قائد جهاز الأمن القومي، علي الأنسي.
التباين في الآراء اليمنية جاء بعد يوم واحد من قرار واشنطن منح اليمن زيادة كبيرة في المساعدات العسكرية والاقتصادية على غرار ما تفعل مع باكستان وأفغانستان (من 40 مليون دولار عام 2004 إلى 63 مليونا في العام المالي 2010)، بهدف مكافحة الخطر المتزايد الذي يشكله تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية. كما جاء عقب تعهد أوباما بمؤازره الرئيس اليمني لتضييق الخناق على القاعدة، بقوله «وضعت على رأس أولوياتي تعزيز شراكتنا مع الحكومة اليمنية، في مجالات تدريب وتجهيز قواتها الأمنية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والعمل معها لقصف مواقع الإرهابيين }.
«جاذبية» اليمن للقاعدة
لم يستغرق القاعدة- فرع اليمن- وقتا ليتباهى متبجحا بدوره في محاولة تفجير طائرة «نورث ويست 253»، فهل كان هذا كافيا لتركيز الاهتمام الأميركي وتوجيه كل تلك الأنظار الدولية والإقليمية الى تلك الدولة الفقيرة، التي باتت تظهر وكأنها أفغانستان الجديدة؟!
مراقبون ومحللون يرون أن اليمن أصبح بالفعل إحدى جبهات الحرب ضدالقاعدة منذ أكتوبر 2000، حينما فجرت القاعدة المدمرة الأميركية كول في ميناء عدن. فقد أثبتت التقارير أن شراء المتفجرات تم من اليمن، وكان أغلب المتآمرين وشركائهم يحملون الجنسية اليمنية. كما أن اليمن كان مرتبطا بحوادث إرهابية قبل تفجير المدمرة كول. فقد سافر أغلب المتورطين بحوادث تفجير السفارات الأميركية في افريقيا عام 1998 عبر اليمن أو كانوا يحملون جوازات سفر يمنية مزورة. بالإضافة الى أن مقاتلي القاعدة في اليمن ساعدوا في هجمات 11 سبتمبر.
في تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، نشر الأسبوع الماضي، يفسر الكاتب علي صوفان «جاذبية» اليمن بالنسبة للقاعدة، بعدة أسباب. إذ أن موقع اليمن في جنوب شبه الجزيرة العربية يمكنه من الوصول إلى مراكز اهتمام القاعدة، وبينها السعودية والصومال والعراق وأفغانستان. كما أن الحدود ليست مؤمنة، بينما تسيطر القبائل المتعاطفة مع القاعدة على العديد من المناطق مما يسهل على الإرهابيين دخول البلاد والخروج منها والتحرك حولها، وكذلك تتوافر الأسلحة والمتفجرات في سوق السلاح اليمني.
ويضيف الكاتب أن طبيعة اليمن القبلية تجعله مكانا يسهل على القاعدة العمل داخله، بالإضافة إلى ضعف الحكومة المركزية مقارنة بقوة القبائل الإقليمية التي تعمل كحكومات مصغرة لا تخضع للحكومة المركزية.
القاعدة أم صراع قبلي؟
لذا، يرى مراقبون ومحللون أن البيانات الصادرة، سواء عن القاعدة أو الحكومة اليمنية، قد جعلت ملف التنظيم في اليمن وتهديداته يزداد غموضا. فكما تؤكد التقارير الاستخباراتية فان التنظيم يتغلغل في اليمن بسبب تركيبته القبلية والأمنية الهشة. والاشتباكات المسلحة التي خاضتها قبائل الارحب الاسبوع الماضي مع الاجهزة الامنية والاحتجاجات الضاخبة التي نظمتها على ما اعتبرته {انتهاكات بحق ابنائها} تعيد تلك التطورات إلى الأذهان بيان القاعدة الشهر الماضي، عقب الضربة الجوية التي استهدفته في منطقة «أبين»، حيث أشاد التنظيم بما قال إنه «وقوف مشرف» لقبيلة أرحب في كسر وصد الحملة العسكرية التي تقدمت عبر مناطقها لضرب التنظيم، بحسب التقرير نفسه.
هروب إلى اليمن
أما أبرز الأسباب التي تجعل من اليمن مشروع جبهة أساسية للحرب على الإرهاب، فهو أن «تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية»، يتخذ اليمن مقرا رئيسيا ويرأسه يمني، هو ناصر عبد الكريم الوحشي، مساعد بن لادن، وكان فر اخيرا من سجن صنعاء.
وكان هذا التنظيم تشكل في عام 2009 باندماج فرعين من التنظيم في كل من السعودية واليمن، بهدف مهاجمة منشآت النفط والأجانب وقوات الأمن بهدف «الإطاحة بالعائلة الملكية في السعودية والحكومة اليمنية لإقامة خلافة إسلامية في المنطقة». وطوال السنة الماضية، أعلن التنظيم الجديد مسؤوليته عن عدد من الهجمات على البلدين. وتمت العملية الأولى للتنظيم خارج البلاد في المملكة، عندما حاول اغتيال الأمير محمد بن نايف، مساعد وزير الداخلية السعودي لشؤون الأمن، في أغسطس الماضي، استخدم منفذ الهجوم جهازا يحمل مادة شديدة التفجير وأخفاه في سرواله وهي الطريقة ذاتها التي استخدمها النيجيري عبد المطلب المتهم بمحاولة تفجير طائرة الركاب الأميركية في ديترويت.
النظام مستفيد
أحد أصعب المهام التي ستواجهها واشنطن ستكون التعامل مع الرئيس اليمني الذي يمثل تحديا مألوفا لإدارة أوباما، لا يختلف عن وضع أفغانستان وباكستان، «فالرئيس صالح مستعد لقبول المساعدات الأميركية، ولكن رغبته في محاربة القاعدة مشكوك فيها لأنه لا يراها عدوه الأساسي.. ولأنه يولي جل اهتمامه لتعزيز سلطة أقاربه في الحكومة».، بحسب نيويورك تايمز. ومن هنا لا يجوز تجاهل استفادة النظام في صنعاء من هذه التطورات، ومن التشابك الحاصل بين المواجهات الثلاث التي يعاني منها البلد مع الحوثيين في الشمال والانفصاليين في الجنوب وبالطبع مع القاعدة. وبالتالي فان تصاعد الحديث عن القاعدة سيضطر العالم للوقوف الى جانب الرئيس صالح ودعمه للانتهاء من التمرد الحوثي، ومحاصرة التحرك الإنفصالي الذي بات مرتبطا- في الشكل على الأقل- بتحرك القاعدة {خوفا} من تحول الجنوب الى {أفغانستان جديدة}،
وبحسب تقرير لمراسل «بي بي سي» في صنعاء، خالد عز العرب، فان الحراك الجنوبي يضم عناصر إسلامية كانت مرتبطة تاريخيا بما أصبح يعرف بالقاعدة. كما أن بعض الضربات التي وجهتها الحكومة لما تقول إنها معسكرات للتنظيم الإسلامي أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين في الجنوب، فتحول ذلك بدوره الى وقود يشعل غضب الأهالي هناك ضد صنعاء، الى جانب ما يشير لوجود تحالف ما بين الحوثيين والقاعدة.
بدورها، تأسف صحيفة واشنطن تايمز لأن التعزيزات (التي أصبحت في طريقها إلى اليمن) هي «إرهابية»، في إشارة الى عزم إدارة أوباما مواصلة إرسال معتقلي غوانتانامو إلى اليمن (ثلث المعتقلين المتبقين في المعتقل يمنيون). كما أن 74 من بين الـ530 معتقلا المفرج عنهم عادوا لممارسة النشاط المتطرف الذي كانوا يمارسونه قبل الاعتقال، بحسب تقرير وكالة استخبارات الدفاع الأميركي.
من جهة ثانية، سيكون على واشنطن وحلفائها، ومن أجل هزيمة القاعدةـ مواجهة المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الحرجة التي تواجه اليمن وتجعلها على وشك الانهيار. فاليمن أفقر دول المنطقة (البطالة 40%). ومع تناقص مخزون النفط.، ونضوب المياه، قلت الموارد المتاحة للرئيس صالح، وأصبحت سيطرة حكومته شبه قاصرة على العاصمة، مما ينذر بتحول البلاد الى «دولة فاشلة» في المستقبل القريب على غرار ما يحدث في أفغانستان والصومال. كما أن محاولة تفجير الطائرة الأميركية تحذير يوضح أهمية مواجهة الفوضى في اليمن. إذ أن آخر ما يريده العالم هو معقل آخر للقاعدة هناك.

-- منى فرح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*