السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » لقاء مع معالي وزير الشؤون الإسلامية بخصوص الأحداث

لقاء مع معالي وزير الشؤون الإسلامية بخصوص الأحداث

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
معالي الشيخ ، الأحداث الأخيرة التي حدثت في بلادنا أوجبت لنا فتح العديد من الملفات وتبيينها للناس ، فأولاً هذه الأسئلة التي قد تتبادر إلى الذهن : هل هذه الأحداث وهذا العنف الذي يقع سواء في بلادنا أو في غيرها من البلاد الإسلامية يكون وراءه أفكار معينة ، أم أنه يهدفون من ورائه إلى إصلاح القضايا الأخرى ؟
الجواب : بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه .
أما بعد ..
فلا شك أن تاريخ الانحراف في تاريخ المسلمين قديم ، هو ابتدأ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج رجل يتهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يعدل في قسمته ، آل الأمر إلى خروج طائفة تسمى ( طائفة الخوارج ) يتعبدون الله جل وعلا بالقتال غير المشروع للمسلمين ولغير المسلمين ، هذه الطائفة ترمي إلى ـ بحسب معتقدها وحسب ظنها وحسب ما تريد ـ ترمي إلى إحقاق الحق ، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكان من ذلك في ظنهم قتل عثمان بن عفان وقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، وهما صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وممن شهد لهما النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ، فقتلوهما يريدون من ذلك الأجر والثواب .
فأحياناً يأتي الشيطان إلى المتلبس بالدين الراغب في نصرة الدين ، يأتيه من هذه الجهة ، من جهة غيرته ، من جهة ديانته ، من جهة حبه للإسلام ، للمسلمين ، حبه لكتاب الله ، فيحرفه من هذه الجهة فيقوده إلى الغلو والانحراف .
فإذاً هذه الأحداث الأخيرة ليست جديدة في الواقع على الأمة الإسلامية ، وإن كانت في تصويرها وهيئتها وشكلها وعنفها فيها بشاعة كبيرة ربما قل أن مرت على الأمة الإسلامية ، لكن أساساتها وهي الفكر المنحرف الغالي الخارج عن طريقة أهل السنة والجماعة ، الذي ينحو إلى التكفير ، تكفير المسلمين ، أو تكفير أصحاب المعاصي ، أو تكفير الحكام ، أو تكفير الدول ، وينحو إلى الغيرة غير المنضبطة بضوابط الشرع ، هذا الانحراف الكبير والجرم أدى إلى مثل هذه الأعمال الكبيرة . فنحن حينما ننظر إليها ننظر إلى تاريخ لأمثال هؤلاء ، وليست وليدة اليوم ولا البارحة .
سؤال : أحسن الله إليكم معالي الشيخ ، يعني ترون من الأسباب التي كان بسببها هذه التفجيرات هي قضية أن بعض من فعل هذا يحمل فكر التكفير يا شيخ ؟
الجواب : لا شك أن الأحداث هذه سبقتها أحداث في الرياض من سبع سنوات، وقد قابلوا بعض الذين فجروا في الرياض من سبع سنوات ، وبينوا أنهم يدينون بالتكفير ، حتى تكفير العلماء فضلاً عن تكفير غيرهم ، هذا الأمر مستقر وإن لم يظهروه ؛ لأن كون الإنسان يقدم على مثل هذه الأعمال الإجرامية البشعة لابد أن يكون عنده دافع يبرر له ما فهم ، وهذا التبرير لا يكون إلا بتكفير الناس أو تكفير بعضهم ؛ لذلك يؤول إلى عدم قبول كلام العلماء ، وعدم الرضا عن المجتمع ، أو الرغبة في الجهاد بحسب ظنه الجهاد غير المكتمل الشروط الشرعية .
سؤال : وهذا ما يفسر معالي الشيخ حينما كنتم نائباً لوزير الشؤون الإسلامية في عقد دورة بعد أحداث الرياض في مدينة الرياض عن التكفير والوسطية ؟
الجواب : هذا صحيح ؛ لأن موضوع التكفير دائماً متجدد في الأمة ، وهو مرتبط بفكر الخوارج على العموم ، والنبي صلى الله عليه وسلم حينما تحدث عن الخوارج قال : (( لا يزالون يخرجون حتى يقاتل آخرهم مع الدجال )) فظهور الخوارج ليس مقتصراً على الزمن الأول ، فلا يزالون يخرجون لكن في أثواب جديدة ، ويجمعها أنهم يذهبون إلى الغلو ، الغلو في مجالات ومنها قضية التكفير .
فمسائل التكفير هذه هي السب الذي يقنع به الشباب هؤلاء أو من ينحو هذا المنحى يقنع به نفسه أن تصرفه سليم ، فهو ينحو إلى شيء يريد تبريراً له ، وهذا الذي نحا إليه هو من نفسية يكون إما من جهة واقع المجتمعات الإسلامية ، أو تسلط غير المسلمين على المسلمين في أنفسهم أو في بلادهم ، أو من حيث كثرة المنكرات الموجودة أو من حيث تعطل بعض أنواع الجهاد ونحو ذلك .
سؤال : أحسن الله إليكم ، معالي الشيخ مسائل التكفير هي واضحة وبيّنة في كتاب الله وسنة رسوله ، وفي مناهجنا التعليمية الحديث عن هذا الموضوع وخطورته ، لكن مع هذا كله وقع بعض الانحراف ، إذاً ما هو السبب يا معالي الشيخ ؟

الجواب : أولاً أحب أن أُقدم بأن التكفير حكم ؛ لأن التكفير معناه أن تُكفر مسلماً ، والتكفير أتى في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، تكفير  من كفّره الله جل وعلا ، أو تكفير المسلم الذي ارتد عن دينه ، هذا حكمه موجود في الكتاب والسنة ، يقول الله جل وعلا : {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} (74) سورة التوبة ، وقال : {كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} (86) سورة آل عمران ، وقال : {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (54) سورة المائدة  ، والنبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن من المرتدين التارك لدينه المفارق للجماعة . فإذاً حكم التكفير موجود ، ومنهج أهل السنة والجماعة أن الردة قد تعرض على المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، إما بقول أو فعل أو اعتقاد أو شك . وهذا هو الذي دونه أهل العلم في كتب التفسير وكتب العقائد وكتب الفقه من أتباع المذاهب الإسلامية جميعاً ، لكن هذا الأمر الذي هو موجود في التفاسير  ، موجود في الأحاديث ، موجود في الشروح ، وموجود في كتب الفقه ، حتى لا يكاد لا يوجد مذهب إلا وهناك باب خاص في هذا الأمر اسمه ( باب حكم المرتد ) .
هذا التكفير مع صعوبته وكونه من أواخر أبواب الفقه خاض فيه من لا يعرف أحكام الصلاة التفصيلية ولا أحكام الزكاة التفصيلية ، وهو أصعب الأبواب من جهة الفهم وجهة التطبيق ، باب التكفير على العموم لا يليه أفراد الناس ، إذا كان الحكم في مسائل البيوع الموجودة في كتب الفقه يليه أو يتولاه من هو متخصص في البيوع ، أحكام الشركات من هو متخصص في الشركات ، أحكام الأوقاف والوصايا والمواريث من هو متخصص في الفرائض والوصايا والمواريث ، الجنايات من يحكم أن هذا يُقتل وهذا يُقتص منه وهذا يُعطى دية وهذا .. إلى آخره من الأحكام الشرعية من هو مختص من أهل القضاء أو من أهل الفتوى ، فكيف بالحكم على مسلم في الردة ؟ لا شك أن هذا الأمر من أصعب ما يكون من جهة الفتوى ومن جهة الحكم ؛ ولذلك الحكم فيه ليس للأفراد ، وليس هو مما يُطالب كل مسلم أنه يُطبقه أو إنه يقول أنا أحكم على فلان وفلان بحسب ما أرى ، هذا مرتبط بوجود شروط ووجود موانع ووجود أحكام تفصيلية له ، ولهذا أهل العلم يجعلون أبواب التكفير موكلة إلى القضاة فقط ، وليست إلى عامة الناس ولا حتى أفراد طلبة العلم أنه يقول فلان ارتد وفلان خرج من دينه أو فلان هذا كافر .. ونحو ذلك ، هذا حكم مختص بالقاضي ، القاضي هو الذي يحكم أو المفتي الذي اجتمعت فيه شروط القضاء ، المفتي الذي يحسن القضاء يعني إثبات الشروط وانتفاء الموانع .
لهذا نقول إن التسارع الذي حصل في هذه المسائل أنا لست مع من ينفي هذا الحكم الشرعي ، لا شك أن هذا خطورة أن نقول إنه لا يوجد باب اسمه باب ردة ، ولا يوجد إن المسلم ممكن يرتد ، ولا يصح أن نُكفر ، حتى هناك من قال : لا تكفروا اليهود والنصارى ، لا تكفروا غير المسلمين !! هذا مناقضة لأحكام الله جل وعلا في كتابه ، وأحكام النبي صلى الله عليه وسلم . لكن المسألة الحكم موجود في الكتاب والسنة ، لكن من يلي هذا الحكم ؟ أهل العلم ذكروه ، من يلي هذا الأمر ؟ هنا يأتي ضبط المسألة .
فإذاً المسألة من جهة فقهية من جهة عقدية موجودة ، المسألة تُعرض لها في كتب العقائد مسائل التكفير  ، تُعرض لها في كتب العقائد وعرضها في كتب العقائد من جهة الاعتقاد لا من جهة الحكم ؛ لأن الأحكام على الواقع هذه مرتبطة بالفقه أن تحكم على …، لكن العقيدة موجود فيها بعض أحكام التكفير لتعتقدها ، يعني من هو الذي يكفر ، ما هي الأعمال المكفرة ، ما هي الأقوال المكفرة ، ما هي صفة الكفر حتى يحذر منها المسلم ويعتقد ما قاله الله جل وعلا وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم .
من هنا بدأ الخلل من بعد التفجيرات التي ذكرتها السابقة في الرياض ، وعلى إثرها عقدنا في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد عدة محاضرات ودورات تتعلق بإيضاح مسائل الغلو والدعوة إلى الوسطية وإيضاح مسائل التكفير ، ومنها الدورة التي ذكرتها في مطلع السؤال .
هذه الدورات تهدف إلى بيان ما يتصل بهذه المسألة وتحذير الشباب من أن يتعاطوا هذه المسألة ، وأنا بحكم قربي من طائفة كبيرة من الشباب وطلبة العلم من قديم أجد أن كثيراً من الشباب يرومون الخوض في هذه المسائل ويأنسون لها ، وهذا خلاف ما يجب عليهم ، الواجب عليهم أن يدخلوا ويبحثوا عن المسائل التي تنفعهم في دينهم ، أما المسائل التي هي من اختصاص القضاء أو من اختصاص المفتي أو نحو ذلك ما فيه أحكام كبيرة ، هذا ليس من الحسن أن يدخل فيه أفراد الناس ، بل يسبب ضلالاً وانحرافاً في الطريق .
الحظ أيضاً أن دخول الناس في هذه المسائل سيؤول إذا لم يُحد منه إلى أن يُكفر بالهوى ، يعني شخص ما أعجبه تصرفات شخص آخر ، أو قال هذا التصرف يلزم منه أنه يكره الدين ، هذا التصرف يلزم منه أنه يفعل كذا ، فيُكفر باللازم ، وهذا وُجد في بعض البلاد الإسلامية بعض الفئات والجماعات تُكفر باللازم ، يعني يقول : يلزم من كلامه أنه يكون كذا وكذا وكذا. وكما يقول أهل العلم من الأصوليين وغيرهم : لازم المذهب ليس بمذهب وناقل الكفر ليس بكافر ، فقد يكون هناك بعض الكلام الذي يؤاخذ صاحبه عليه لكن لا يبلغ به هذا المبلغ .
من المسائل أيضاً التي أدت إلى فكر التكفير بشكل عام الخوض في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله ، وهذا الحكم بغير ما أنزل الله معروف تفاصيل الأحكام عليه في كتب أهل العلم في العقيدة والحديث والفقه والتفسير أيضاً ، منذ القديم تكلم فيه ابن عباس رضي الله عنهما وتكلم فيه أئمة الإسلام ، لكن الآن تجد الشاب بعض الفئات خمسة عشر سبعة عشر سنة ، عشرين خمس وعشرين سنة ما عرفوا أحكام الفقه ولا أحكام العقيدة تجده أنه يجادل في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله ، فجُعلت هدفاً لإحياء قضايا التكفير عند بعض الجماعات والفئات .
سؤال : السبب معالي الشيخ ، يعني لماذا هؤلاء الشباب في هذا السن يتركون العلوم الواضحة البينة ويقدمون على مثل هذه الأشياء ؟
الجواب : أتصور أنا أن نفسية الشاب ، وحبذا أيضاً في هذا المقام لو يُستعان بالأطباء أطباء النفس ـ طبيب متخصص طبيب نفسي ـ في عرض وجهة النظر في لماذا يجنح الشاب إلى أصعب الأمور إلى التكفير إلى قتل نفسه ، إلى .. إلى .. هذه المسائل التي فيها انحراف والجرم كبير ، لماذا يلجأ إليها ؟ لكن أنا في تصوري من واقع التجربة أن الشاب عنده رغبة في إثبات نفسه وإثبات غيرته على الدين ، وعنده رغبة في أن يقول للصح صح وللغلط غلط بمنظوره هو ، فيندفع في وجهته بأن هذا صح وهذا غلط يؤديه إلى أن هذا إيمان وهذا كفر ، فالشاب يريد الإثبات ، يريد التميز ، فالآن تصرفات الشباب بشكل عام حتى الشباب الذي عنده تصرفات شهوانية أو أشباه ذلك في ملابسه مثلاً أو في سلوكه أو في أعماله أو في هيئاته أو نحو ذلك ، هو يبحث عن التميز ، هذا صراع نفسي في ذاته ، يبحث عن التميز ولفت النظر .. إلى آخره ، هذه قد تلبس أيضاً ثوب الدين فيذهب إلى هذه المسائل الصعبة التي يبرز فيها بحسبه وأنه يترك المسائل التي تنفعه في دينه لأنها لا تبرزه ، تجعله شخصاً غير صاحب رؤية مثلاً أو كذا؛ لأنه يتكلم إذا بحث عن مسائل العقيدة العامة في الإيمان وأركان الإيمان ونحو ذلك، مسائل الصلاة ، العبادة ، الطهارة ، العبادات ، أحكام بعض المعاملات ، العشرة ، التعامل ، الاجتماعيات ، البر ، طريقة التعامل ، الصلة ، الحقوق ، حقوق نفسه عليه ، حقوق والديه ، حقوق أقاربه ، حقوق ولاة الأمر ، حقوق أهل العلم ، حقوق المسلمين ، يجد أن هذه المسائل تفرض عليه أشياء لكن لا تعطيه تميزاً ، فلذلك يجنح إلى شيء يثبت به صحة إيمانه وغيرته على الدين وصحة محبته لأهل الإسلام ، فيجنح إلى أشياء صعبة مثل قضايا التكفير أو الجهاد الذي لم تكتمل شروطه الشرعية .
سؤال : أشرتم معالي الشيخ في لقائكم فيما يتعلق بالتكفير أن هناك شروط وموانع ، يعني كون الإنسان قد ينتقل من الإسلام إلى الكفر هذا ثابت كما في كتب الفقه ، لكن ما هي الشروط التي يأخذ بها القاضي أو الفقيه أو العالم حتى يحكم على إنسان بالكفر ؟
الجواب : أولاً نعرف أن أحكام الشريعة في تحقيقها منوطة بشروط ومنوطة بموانع، والأصوليون يجعلون من الأحكام الوضعية السب والشرط والمانع إلى آخره ، فهي مرعية في جميع الأحكام ، إذا نظرنا إلى الطهارة نقول : شروط صحة الوضوء كذا ، الصلاة : شروط الصلاة كذا ، النواقض في الوضوء : هذه مبطلة للصلاة في عدة أشياء ، وهكذا في الحج ، في الزكاة ، في مسائل ، حتى البيوع له شروط ، والنكاح له شروط وأركان ، إلى آخره ، فكيف هذه المسألة العظيمة مسألة إخراج مسلم من دينه أو الحكم على إنسان بأنه ليس بمسلم ليس بمؤمن ؟ هذا ما فيه شك أنه يحتاج إلى قواعد شرعية ، فالشريعة إذا كانت المسائل مسائل العبادات التي لا تؤدي إلى صراع بين الناس جعلت لها قواعد وشروط وموانع ، فكيف بهذه المسألة العظيمة ؟
لهذا أهل العلم قالوا إنه لا يجوز إخراج ، لا يحل إخراج مسلم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله من دينه إلا ببينة في الوضوح بمثل البينة التي دخل بها إلى الإسلام . هو دخل بشيء واضح : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . إخراجه من هذه الشهادة لابد أن يكون بشيء واضح في ذلك ؛ ولذلك جعلوا هناك شروط وهناك موانع لابد من الانتباه لها .
من الشروط : أن يكون فيما أتى من قول قاصداً للقول ، قاصداً للفعل ، أن يكون عنده علم بما يقول ، يعني ما يكون مثلاً جاهلاً ، ما يكون نشأ في مكان بعيد لا يعرف الأحكام ، ما يكون عنده شبهة . أيضاً لابد من إزالة الشُبه التي عنده في الحكم عليه ؛ لأن احتمال عنده تأويل ن احتمال عنده فهم خاطئ ، احتمال احتمال احتمال، فإذا وردت الاحتمالات على قول أو فعل أو سلوك فلابد إذاً من أن يكون هناك مرجعية أو قاضي يستفسر منه ـ لأن فيها إثبات ـ أو المفتي منه يستفسر منه ويجاوب.
كذلك أنه يكون التكفير بمجمع عليه ، التكفير ما يكون بالمسائل الخلافية ، يعني إذا كان هناك مسألة اختلف فيها العلماء من المسائل ، شخص يقول إن هذا الأمر مكفر، والآخر يقول لا ، ولا دليل واضح من الكتاب أو السنة ينصر أحد القولين ، فإذاً المسألة صارت اجتهادية في الحكم على مسألة بالردة ، فهذا لا تكفير فيها ؛ لأن المسألة التكفير إخراج من الدين فلابد أن يكون بشيء واضح مجمع عليه متفق عليه ، أما المسائل المختلف فيها فكما أنه معلوم أنه لا تكفير بذلك .
العلماء ، علماء الدعوة السلفية بشكل عام ، خاصة فيما تأصل من المدرسة ، يعني شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والإمام محمد بن عبد الوهاب ، ومن تبعهم رحمة الله على الجميع ، لحظوا هذا في توسع الكتب الفقهية في أحكام الردة ، فإذا نظرت مثلاً إلى كتب فقهاء السادة الحنفية تجد أن باب حكم المرتد هناك طويل وفيه تفصيلات ، حتى إنهم يحكمون بالكفر على من صغر المصحف فقال مصيحف ، أو صغر المسجد فقال مسيجد ، أو قال لفظاً أو عمل عملاً يوهم أو يظن منه امتهان أو إهانة للإسلام أو عدم تعظيم الواجب .
كذلك فقهاء السادة الشافعية ، كذلك فقهاء السادة المالكية ، وفقهاء الحنابلة ، رحمة الله على الجميع توسعوا في أبواب الفقه في هذا الأمر ، جاءت أئمة الدعوة السلفية لحظوا هذا الأمر وهم الآن يأتون ـ يعني بعض من لا يفهم حقيقة المذاهب وحقيقة أئمة الدعوة السلفية وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن تبعهم ـ يظنون أنهم هم الذين وسعوا التكفير ، وفي الحقيقة هم الذين ضيقوه ؛ لأن إذا وجدت شروطاً تجد الذي فصّل في الشروط والموانع تجد فيها شيخ الإسلام ابن تيمية ، حتى إنه نفى أن يكون هناك تكفير لمتأول، أو يكون هناك تكفير بما ليس بمجمع عليه ، هنا لما جاء الفقهاء وجعلوا من نواقض الإسلام من شك في كفر الكافر ، جاء بعض الناس وقالوا : كفر الكافر هذا يعني إذا حكمت على واحد بالكفر وشك في كفره أحد فالذي شك هو كافر ، بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وأئمة الدعوة بيّنوا على أن الكافر الذي أراده العلماء بهذه اللفظة هو الكافر الذي كفره الله وكفره رسوله صلى الله عليه وسلم بالنص ، أو كان تكفيره مما هو مجمع عليه مما معروف ومعلوم من الدين بالضرورة ، أن يكون خارجاً من الملة ، أما من كان اجتهادياً الحكم عليه ، أو حكم عليه البعض وترك البعض فهذا ما يدخل في مثل هذه القواعد .
فإذاً علماء الدعوة ضيقوا هذه الدائرة ، إذا نظرت مثلاً لكتاب العلامة ابن حجر الهيثمي الشافعي ، فقيه شافعي معروف وله كتب مشهورة ، وكان مفتياً في مكة له كتاب خاص بالمكفرات كبير جداً ، عنوانه : ( الإعلام بقواطع الإسلام ) تكلم فيه عن المكفرات وعن أنواع النواقض ، لكن لما أتى علماء الدعوة ضيقوا ذلك في المشهور وبعد وجود الشروط وانتفاء الموانع ، وذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب . طبعاً ابن حجر الهيثمي في القرن التاسع الهجري ، التاسع والعاشر . بعد ذلك بينوا أن المسألة لابد أن تضيق ، ليست لكل أحد .
فإذاً موجود في تراث الفقه الإسلامي وفيما نص عليه الفقهاء موجود سعة فيما يكون به المسلم مرتداً ، جعلوا التكفير بالقول ، بالفعل ، بالاعتقاد ، بالشك ، في أشياء كثيرة ، لما أتت الدعوة السلفية ولاحظت هذا الأمر وكان مقصدها الأصل هو في توحيد العبادة ، وتوحيد العبادة عبادة الله جل وعلا وحده ، عدم صرف الدعاء لغير الله جل وعلا ، أو الاستغاثة بغير الله أو الذبح لغير الهة ، أو نحو ذلك ، أتوا إلى مسائل مشابهة فوجدوا أنه يُخشى من التوسع في هذا الأمر وضيقوا الخناق .
بعض الأتباع نجدهم في بعض البلاد الإسلامية أو حتى هنا فيما مضى ربما نحوا إلى هذا المنحى فيردهم أهل العلم ، فلذلك أهل العلم الراسخون المتحققون بفهم الكتاب والسنة وبفهم ما كان عليه سلف الأمة لا يوسعون دائرة التكفير ، بل يضيقونها لأجل أن إثباتها ليس بالسهل .
سؤال : تترتب عليه أحكام ؟
الجواب : تترتب عليه أحكام شرعية في إقامة الحكم عليه وفي أحكام أهله ، إلى آخره ، حتى أنه وُجد من يجعل بعض المسائل الخلافية تترتب عليها الأحكام . مثلاً مسألة ترك الصلاة ، ترك الصلاة كما هو معروف عندنا الراجح من أقوال أهل العلم أن تارك الصلاة تهاوناً أو كسلاً أنه يكفر لأجل الحديث : (( من تركها فقد كفر )) ، المسألة خلافية فالشافعية لا يكفرونه وهناك مناظرة ، وكذلك الحنفية وغيرهم ، هنا أتى من طرد هذا الأمر إلى أن قال : من ترك الصلاة فإنه ينفسخ نكاحه تلقائياً ، رتب عليه أحكاماً ، وهذا ليس بجيد ؛ لأن الأحكام تترتب إما بمجمع عليه أو بحكم حاكم شرعي ، بحكم قاضي ، هو الذي يرتب ؛ لأنه ينبني على الحكم أنه لابد أن يزيل عنه الشبهة ، ولذلك الفقهاء حتى فقهاء الحنابلة رحمهم الله حينما تكلموا عن مسألة تارك الصلاة متى يكفر ومتى يُحكم عليه ، جعلوها قالوا : يستتاب ويُدعى إلى الصلاة فإن أصر حتى ضاق وقت الثانية عنها ، ثم قالوا : يدعوه إمام ويستتيبه ثلاثاً فإن تاب وإلا قُتل . إذاً المسألة هنا واحد يجلس ثلاثة أيام ويقال صل وإلا .. جُليت عنه الشبهة ، وليس عنده تأويل ، ثم بعد ذلك صل ثلاثة أيام وإلا ترى السيف ، أو أنه يُحكم عليك ، ثم يختار هذا الأمر الصعب على الصلاة ، فهنا يرجع إلى شيء في نفسه بيّن أنه يكره هذا الأمر أصلاً أو يجحده أو إنه لا شبهة عنده وإنما هو استكبار وعدم التزام بالحكم الشرعي .
أنا أقصد من هذا المنحى أن المسائل الشروط والموانع هذه الذي فصّل فيها علماء الدعوة السلفية بشكل خاص ، وهم الذين بينوا الكثير من الضوابط على أحكام الفقهاء ؛ ولهذا لابد من الانتباه إلى أن ما يُنسب إلى دعوة الإمام المصلح الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى والتي يسميها أعداؤه بالدعوة الوهابية ، هذه الدعوة هي التي ضيقت ما هو موجود في كتب الفقهاء من أتباع المذاهب الأربعة ولم توسعه في مسائل التكفير ، وإنما نظرت إلى ما هو متفق عليه بين أئمة المذاهب دون ما هو مختلف فيه ، والشيخ محمد بن عبد الوهاب له رسالة في هذا الأمر ، كذلك الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب له رسالة ، وعلماء الدعوة بشكل عام ، وشيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله تعالى ورحم علماء المسلمين جميعاً أيضاً لهم تفاصيل في هذا الأمر.
فإذاً هناك شروط وهناك موانع لابد من استيفائها ، لا تكفير إلا بمجمع عليه ، المتأول الذي له تأويل سائغ لا يُكفر ؛ لأن المقابل له يرى أن فعله أو قوله أو تصرفه أنه كفر ، لا .
الآن الخوارج على شدة ما قاموا به قتلوا عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وقتلوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وحاربوا المسلمين وأحدثوا فتنة إلى اليوم ، العلماء اختلفوا في تكفيرهم ، للعلماء في تكفيرهم قولان . لما سُئل عنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه أكفار هم ؟ قال : من الكفر فروا ، يعني رأى التأويل الذي لديهم في هذه المسألة .
فتلخيص الكلام أن هذه الشروط والموانع لابد من وجودها ، لابد من استيفاء الشروط للحكم بالتكفير وانتفاء الموانع ، وهذه ليست لآحاد الناس إنما يقوم بها القاضي أو المفتي الذي ولي القضاء ، أو يصلح أن يلي القضاء .
سؤال : فيما يتعلق بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ذكرت أنها ضيقت قضية التكفير مع اعتنائهم الشديد بالتوحيد ، ما هو السبب ؟
الجواب : السبب التوحيد تخليص النفس من عبادة غير الله جل وعلا ، والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى له في موضعٍ كلام ، يقول حينما سُئل : هل تكفرون من يعبد البدوي أو يعبد من هو عند قبة الكواز ، أو .. أو .. يعني من يعبدون غير الله ، قال : لا نكفرهم لأجل عدم وجود من ينبههم ، ونفى أن يكون حكم عليهم بالكفر . ولما سُئل : أنت تحكم على الناس بأنهم كفار وكذا ، قال : سبحانك هذا بهتان عظيم . فهم من أهل العلم الذين جعلوا هذه الدائرة فيما نص عليه في الشرع، بحكم الله جل وعلا ، حكم رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما أجمع عليها أهل العلم ، أما ما اختلفوا فيه فإنهم لا يُكفروا ، بل هناك مسائل أقل ذكرها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله مثلاً في موضع ـ وأنا أطلت هنا عن الدعوة لأجل كثرة ما يقال عنها في هذا الزمن مما هو متصل بهذا الموضوع ـ لما أتى إلى بعض المسائل مثل بعض مسائل التوسل بالأحياء أو التوسل بالجاه أو بالحرمة أو نحو ذلك ، قال : أنا ما تكلمت في هذه المسائل ـ في أول دعوته رحمه الله ـ قال أنا ما تكلمت في هذه المسائل ، أنا ما تكلمت إلا فيما أجمع علماء المسلمين على حرمته ، أما المسائل المختلف فيها فأنا ما تكلمت فيها . وهذا من فقهه رحمه الله في أول دعوته حتى يبين للناس أن ليس كل ما نرومه في الدعوة أنا نقوله في كل مكان وفي كل زمان ، الدعوة لابد أن تترتب بحسب فقه الأولويات وبحسب المكان والزمان .. إلى آخره ، فليس كل مسألة هي حق في نفسها أن تقال في كل زمان وفي كل مكان ، فلابد من ترتيب الأمور .
مسائل التكفير لاشك أن الدعوة بحكم دراستي لها ومعرفتي للدعوة السلفية بالعموم أنها ضيقت ما في كتب المذاهب ، والمجال مفتوح للباحثين والدارسين أن ينظروا إلى كتاب واحد ( الإعلام بقواطع الإسلام ) أو باب حكم المرتد في كتب الحنفية رحم الله الجميع ، وينظروا هل الدعوة وسعت أو ضيقت في هذا الصدد .
سؤال : يا شيخ بعض الشباب يقولون : أنتم الآن تقولون لا تشتغلوا بالتكفير وما يتعلق به مع أن من الأشياء المقررة عندنا أن قضية أنه لا يتم تحقيق التوحيد إلا بالكفر بالطاغوت ، فأنا حتى يتحقق توحيدي لابد أن أكفر بالطاغوت وأن أبين كفره للناس ، فكيف الجواب عن هذا ؟
الجواب : أولاً ما هو الطاغوت ؟ الطاغوت هناك شيء ـ معنوي نعبر عنه بما يناسب المقام ـ وهناك ذاتي . الطاغوت هو عبادة غير الله جل وعلا ، {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} (256) سورة البقرة. فمن يكفر بالطاغوت : هذا معنى لا إله ، ويؤمن بالله : هذا فيها الإثبات إلا الله ، فمن يكفر بالطاغوت يكفر بعبادة غير الله ، يعني لما تأتي لهذه القضية قل : ما تقول في عبادة الأوثان ؟ ما تقول في عبادة الأصنام ؟ ما تقول في التوجه إلى بشر أو حجر أو جني أو إنسي بالعبادة من دون الله جل وعلا ؟ لابد أن نقول : نكفر بعبادة غير الله جل وعلا، هذا هو الكفر بالطاغوت .
الطاغوت هذا لابد من الكفر به ، هذا هو المعنوي ، أو المعنى ، ما يُكفر به معنى.
ما يُكفر به ذاتاً : من دعا ـ مثل ما ذكر الأئمة قالوا الطواغيت كثيرون ورؤوسهم خمسة ـ من دعا إلى عبادة نفسه ، واحد يقول للناس تعالوا اعبدوني ، هناك من دعا إلى عبادة نفسه ، أو دعا إلى عبادة غير الله جل وعلا ، قال : اعبدوا الصنم هذا اعبدوا الوثن ، اعبدوا فلاناً من الناس ، اعبدوا الجني ، إلى آخره . أو من الطواغيت ـ مثل ما يذكر الأئمة في هذا ـ الحاكم الجائر المغير لأحكام الله جل وعلا ، أتى حاكم في بلد ما وقال : لابد أن أمسح آيات الربا من القرآن ، يغير حكم الله ، أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تتكلم عن حرمة الزنا أنا أريد أن أشطبها ، التي تتكلم عن حرمة الربا في القرآن ، ما فيه كلام في القرآن عن اليهود أنا أريد أن أحذفها ، كيف؟ بيخرج لنا القرآن مختصراً ؟! فهذا مغير لأحكام الله جل وعلا ، لاحظ كلمة مغير ، مغير لأحكام الله يريد أن يلغي حكماً من أحكام الله جل وعلا الذي هو في القرآن .
أما من يأتي ويقول : أنا والله أعرف أن هذا حكم لكن أنا بأعمل غيره . هذا ما صار مغيراً . ما قال أنا ألغي هذا الحكم ، يعني هو يقول أنا لن أغيره هذا حكم موجود لكن يأتي يتأول ويقول الزمن فيه كذا وأنا بأعلم كذا ، والظروف تقتضي أني لا أعمل بهذا أو أن أؤجله ، أو إنه صعب الآن عليّ تطبيقه أو نحو ذلك ، فهذا يدخل في منحاً آخر قد يكون فيه معذوراً وقد لا يكون معذوراً بحسب الحال .
أقصد من هذا الكلام أن الإيمان بالله والكفر بالطاغوت هذا عقيدة نفسية قلبية ، فأنت تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء خيره وشره ، أليست هذه أركان الإيمان ؟ فإذاً الإيمان بهذه الأركان الستة يتحقق به الإيمان ، فنأتي إلى الكفر بالطاغوت أيضاً هو كفر بما يُعبد ، بعبادة غير الله ، لا إله ، يعني لا إله لا معبود مستحق للعبادة إلا الله جل وعلا ، المعبودات كثيرة ، منهم من عبد الشمس والقمر ، ومن عبد الإله الفلاني والإله الفلاني ، أو الشيخ فلان ، أو حتى الأنبياء وبعض الملائكة ونحو ذلك كما هو معروف في التاريخ وفي الواقع ، لابد أن يكفر بكل معبود سوى الله جل وعلا ، بعبادة غير الله جل وعلا ، يعني من أتى إلى أنه يعبد يقال له أن تؤمن أو تُسهل في عبادة غير الله ، إذا قال لك: والله ما في مانع الناس يعبدون كل واحد ما يبغى ، هنا لم يؤمن حقيقة الله ولم يكفر بالطاغوت ، والله جل وعلا بيّن في كتابه هذه المسألة أتم بيان سيما في سيرة إبراهيم الخليل عليه السلام ، كما قال جل وعلا في سورة الزخرف : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (26ـ 28) سورة الزخرف . هذا الأمر هو المنوط بكلمة التوحيد لا إله إلا الله .
سؤال : معالي الشيخ ذكرتم في أكثر من مناسبة أنه عند الاختلاف في قضية من القضايا يُرجع إلى الأمر العتيق وإلى كلام السلف قبل أن تقع الفتنة ، يعني الشباب يدخلون في قضية الولاء والبراء وهي جانب من جوانب التي أيضاً أنشأت قضية التكفير في التعامل مع الآخر ، مع اليهود ومع النصارى ونحو ذلك ، يعني يكون هنا ما نرجع إلى كلام العلماء كلام بيّن وواضح في قضية من والى المشرك ومن والى اليهودي أو النصراني ، يعني هل بالفعل يا شيخ الكلام واضح وبين فيما يتعلق بمسألة الولاء والبراء ؟
الجواب : وهذا الولاء والبراء قضية تحتاج إلى جلسة طويلة وإلى حلقة مستقلة ؛ لأن أهل العلم يفهمون هذه المسألة بلا شك ، وهي مفصلة في الكتاب والسنة وفي كلام أهل العلم ، لكن الناس خاضوا فيها من قبيل الغيرة ، فرأوا الواقع فأثر الواقع عليهم فضخموا أو اعتقدوا أشياءً أكثر مما أذن بها الشرع .
فمثلاً : مسألة الولاء والبراء هذه ، الولاء ما هو والبراء ما هو ؟ أولاً : لفظ الولاء والبراء موجود في الكتاب والسنة ؛ لأن بعض الناس يقول إن هذا مُحدث جاء من الخوارج ، ثم جاء في الدعوة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب . هذا موجود في الكتاب والسنة {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ} (55) سورة المائدة ، {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } (26،27) سورة الزخرف . الولاء والبراء موجود لكن الولاء ما معناه ؟ الولاء للدين يعني أن تعطي محبتك ونصرتك وولاءك الداخلي لدين الله جل وعلا ، لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، هذا أصل الدين أن تعطي ولاءك لله جل وعلا ، محبتك ونصرتك ، ما معنى أنك أسلمت وآمنت ؟ ولاءك ومحبتك وانتماءك لهذا الدين .
البراء : هو كرهك وبغضك لما ينافي هذا الدين من الاعتقادات الكفرية والمذاهب الكفرية والضالة ، فهنا تتبرأ من عبادة غير الله جل وعلا وتوالي أو تعطي الولاء لعبادة الله جل وعلا . فإذاً الولاء والبراء ، أو الحب والبغض ، أو المولاة والمعاداة ، هذه ألفاظ يستعملها العلماء في هذا المقام وهي متساوية ، الولاء والبراء ، الحب والبغض ، الحب في الله والبغض في الله ، المولاة في الله والمعاداة في الله ، وهناك رسائل وكتب كثيرة في هذا الموضوع .
راجعة في الأساس إلى حب الدين وبغض الكفر ، يعني عقيدة ، الولاء معناه موالاة الدين لله جل وعلا ، حب الله جل وعلا ، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، وبغض الكفر . يتضمن ذلك أنه يحب من أحب الله جل وعلا ، ويبغض من أحب الكفر ومن أبغض الله جل وعلا ، فيتضمن عقيدة أنك تحب الله وتكره الكفر ، تكره عبادة غير الله أنك تحب من أحب الله جل وعلا ، وتكره من يكره الله جل وعلا، أو يحب الطواغيت أو عبادة غير الله جل وعلا ، أو ما أشبه ذلك . فإذاً هذه متضمنة .
أما مسألة الموالاة لغير  المسلم هذه لها تفصيلات كثيرة ، ليست كل علاقة أو معاملة مع غير المسلم أو مع اليهودي أو مع النصراني أنها تعتبر موالاة ، النبي صلى الله عليه وسلم حبس النصارى أو أتاه النصارى واستضافهم في المسجد ، أتى اليهودي وزاره ، أو قبل دعوة اليهودي في بيته ، ولما مرض غلاماً يهودياً كان يرجو عليه الصلاة والسلام إسلامه زاره في بيته . فإذاً المسألة مسألة التعامل لها أحكامها التفصيلية .
كذلك مسألة الإجارة ، مسألة أنه يعمل أو تستأجر غير المسلم ، هذه لا علاقة لها بالموالاة . من تزوج امرأة غير مسلمة ، يعني كتابية فأحبها ، علمنا من الشريعة أباحت أن يتزوج المسلم غير المسلمة بشروطها المعروفة في كتب أهل العلم ، والآية في سورة المائدة كما هو معروف . هل من أحب امرأته النصرانية يعتبر موالياً لدين النصرانية ؟ أو والى النصارى أو نحو ذلك ؟ لا .. لأن هذه المسائل محبة طبيعية ، عامل تاجراً من التجار ونفعه في بلاد من أي ملة كانت ، نفعه وصار في قلبه له شيء من المودة الدنيوية ، في قلبه ؛ لأنه نفعه ، طبيب أنقذ بفضل الله جل وعلا مسلماً فتعلق به، هذه مسائل التعامل ليست قادحة في الولاء والبراء ، بل هذه من المقتضيات الطبيعية ، لكن إذا كانت المودة راجعة للدين فهذه هي القاعدة ، يعني يود اليهودي ليهوديته ، يحب امرأته النصرانية لا لأنها معه أو لأنها جميلة أو لأنها يرتاح معها ، لا .. لأنها نصرانية ، لنصرانيتها ، فإذاً رجع هذا من محبة لشيء إلى محبة للدين . فهنا إذا دخلنا في الأمور الدينية العقدية دخلنا في أمور الموالاة والمعاداة الشرعية أو الدينية .
سؤال : وهذا يفسر كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في النواقض ، حينما ذكر أن من نواقض الإسلام الموالاة للمشركين ونحو ذلك ؟
الجواب : هذه لها تفصيل ، معاونة المشركين ، في كلامه في الناقض الثامن من نواقض الإسلام عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب لها تفصيل آخر ، نحن قصدنا هنا التعامل ، نوعية التعامل كيف تكون ، هذه لا علاقة لها بالنواقض . انظر مثلاً إلى قصة حاطب رضي الله عنه ، حاطب لما سمع بأن النبي صلى الله عليه وسلم سيذهب إلى مكة غازياً كتب بسر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ، كتب بالسر أن محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام سيأتيكم فخذوا حذركم ، الآن أعد العدة بيأتيكم ، هذا نوع موالاة ، ما فيه شك موالاة لهم ، لكن هل هذه صارت مكفرة له أو اعتبر أعان المشركين على المسلمين إعانة كفرية ؟ هنا نأتي إلى الحديث : لما اُكتشف أمره أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال عمر : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا فإنه قد نافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا حاطب ، ما حملك على هذا ؟ المسألة فيها اشتباه أن يكون لقصد الدنيا أو لقصد الدين ، إذا كان هو أفشى بالسر رغبة في الدين أو لحماية دين المشركين أو لحماية ملتهم أو لحماية بلدهم أو نحو ذلك ، هذا له شأن ، إذا كان له قصده نفسه أنه ينقذ نفسه أو دنياه أو ماله أو نحو ذلك فهذا له شأن ، النبي صلى الله عليه وسلم استفسر منه ، فدل على أن مثل هذه المسائل حتى في موالاة المشركين الظاهرة تحتاج إلى استفسار ، وليست كفراً كما يظن بعض الناس أن كل أنواعها كفر ، لا .. تحتاج إلى استفسار .
فقال هنا : يا حاطب ما حملك على هذا ؟ فقال : يا رسول الله والله ما حملني على هذا محبتي للكفر بعد الإسلام ، ولكن ما من أصحابك أحد إلا وله يد يدفع بها في مكة عن أهله وماله ، وليس لي يد فأردت أن يكون بذلك لي يد أدفع بها عن مالي في مكة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدقكم . ثم قال : إن الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .
نزلت فيها أول سورة الممتحنة كما هو معروف ، في قوله جل وعلا : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} (1) سورة الممتحنة في حاطب ، فهنا الحظ في الآية أنه قال : {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء}فأثبت أن فعله نوع موالاة ، ثم قال : {تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} تلقون إليهم ، فهذا الذي فعله حاطب إلقاء بالمودة ، لكن مع ذلك قال أهل العلم والمفسرين وعلماء التوحيد ، قالوا : ناداه باسم الإيمان ، قال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ ……} الآيات .
فإذاً لم يمنع هذا الفعل من بقائه على اسم الإيمان ، فهو لازال مؤمناً في ذلك ؛ لأجل الاستفصال الذي استفصل منه النبي صلى الله عليه وسلم .
فإذاً مسائل التعامل ، الولاء البراء ، ما يصلح الخوض في التكفير بها ؛ لأنها مسائل تفصيلية وتنبني على مقاصد ولابد من القصد كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في قصة حاطب ، استفصل منه ، الاستفصال ما فائدته ؟ الظاهر معروف ، الاستفصال لأجل القصد ، ما الذي حملك على هذا ؟ هذا سؤال عن النية والقصد في ذلك ، إذا كان ينوي دفع ماله ، ينوي حماية نفسه ، ينوي كذا وكذا ، فضعف من هذا الباب ، هذا له حكم من أحكام المولاة والمودة لا تخرجه من الدين .
سؤال : البعض يا شيخ يقول أنك لو رأيت فلان يفعل هذا العمل الكفر والعلماء أيضاً لا يشكون في أن هذا العمل كفر ومع ذلك يقول العلماء أن فاعل الكفر قد لا يكون كافراً ، هل هذه القاعدة على إطلاقها يا معالي الشيخ ؟
الجواب : هناك ثنائية معروفة عند أهل العلم في الأصول وفي العقائد وفي الفقه ، في أصول الفقه والفقه والعقائد ، وهي ثنائية الكفر والكافر ، الكفر والتكفير ، الفسق والفاسق ، البدعة والمبتدع ، فليس كل من قام به الكفر كافر ، وليس كل من قامت به البدعة مبتدعاً ، وليس كل من قام به الفسق فاسقاً ؛ لأن إثبات هذه الأحكام هذه قضية ثانية . وهناك الآن قول أو فعل أو شك … إلى آخره مما يعمله الإنسان فيقع في البدعة أو يقع في الفسق أو يقع في الكفر ، يعني فيكون فعله بدعة أو يكون فعله فسقاً أو يكون فعله كفراً . هنا من يرتب الحكم ؟ هذا يحتاج مثل قلنا إلى اجتماع الشروط وانتفاء الموانع ، فيأتي واحد يعمل ببدعة لكن ما يعرف أنها بدعة ، أو عنده تأويل فيها ليس مطّرحاً ، تأويل قد يكون مقبولاً ؛ لأن التأويلات مثلاً في البدع منها ما هو مقبول ومنها ما هو مطّرح ، مثل مثلاً التعريف يوم عرفة ، التعريف في الأمصار ، قال به بعض الصحابة وقال به بعض التابعين ، ما معنى التعريف ؟ أن نجلس في المساجد يوم عرفة والناس في عرفة نحرم ونجلس في المساجد مشاركة لهم ، مشاركة للحجاج ، عامة أهل العلم على أنه بدعة ، لكن قال به البعض مشاركة في ذلك متأولاً في هذا ، لكن هو حقيقته أنه بدعة لكن ما نحكم على من قال به من الصحابة والتابعين والأئمة أنه بدعة ؛ لأجل وجود بعض الاشتباه في هذا .
مثل قيام ليلة النصف من شعبان ، عندنا مثلاً الصحيح أنه لا يسوغ لأنه محدث ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدين ، لكن فعله بعض التابعين، وهنا نقول : الصحيح أنه بدعة ، لكن هل كل من فعله أنه مبتدع ؟ لا ..
فإذاً هناك مسائل غير متفق عليها التأويل فيها سائغ ، وهنا يختلف الأمر ، يعني مثلاً بعض مسائل الفسق ممكن ترك النوافل ، شخص مستديم على ترك النوافل ، طائفة من أهل العلم يقولون : من استدام على ترك النوافل فهو فاسق . كيف يستديم دائماً على ترك نوافل العبادات ، لا يصلي الصلوات الراتبة لا يصلي الوتر ، لا يصوم صيام التطوع ، هو دائماً لا يفعل أي شيء تطوعاً ، بعض العلماء قال : من استدام ترك النوافل هذا من الفسق . لكن هذا فيه نظر أيضاً ، طائفة من أهل العلم يأخذون بحديث الأعرابي الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال لما علمه الفرائض الخمس ، قال : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أفلح إن صدق . فدل على عدم اعتبار مثل هذا الكلام . طبعاً العلماء الذين قالوا بهذا الأمر يريدون التحذير من ترك النوافل .
لكن هنا إذاً ثنائية بين الفسق والتفسيق ، فهناك مسائل لو نطرد فيها ـ نطرد يعني نجري فيها ـ أن كل ما قال فيه أهل العلم أنه كفر فمن قام به فهو كافر ، أو أنه فسق فمن قام به فهو فاسق ، أو أنه بدعة فمن قام به فهو مبتدع ، هنا لم يستقم لنا شيء لأجل كثرة خلاف العلماء في هذه المسائل ، ولكن هنا يُركز على أشياء :
أولاً : أن يكون الكفر مجمعاً عليه ، أو أن يكون الخلاف فيه مطرحاً لا اعتبار له عند عامة أهل العلم .
الثاني : أن يكون الفسق مجمعاً عليه ، أو أن يكون الخلاف فيه مطرحاً لا اعتبار له ، أو في مناقضة الدليل .
الثالث : أن تكون البدعة متفق عليها ، أو أن يكون الخلاف فيها مطرحاً لأجل عدم وجود ما يدل عليه من فعل السلف الصالح .
طبعاً ما نرى هنا ما انتشر في القرون الأخيرة من هذه المسائل نرى في الخلاف والوفاق فيما كان القرون المفضلة ، أما ما أُحدث بعد ذلك على غير مثال سابق فهو يدخل في حد البدعة وما شابه ذلك .
سؤال : معالي الشيخ في التعاطي مع الأزمة ، أنا معي هنا فتوى هيئة كبار العلماء حول حادث التفجير الذي وقع في الرياض ، ووقع عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في حينه ، يعني يقول : فإن الهيئة تقرر أن هذا الاعتداء آثم وإجرام شنيع ، وهو خيانة وغدر وهتك لحرمات الدين ، ولا يفعله إلا نفس فاجرة مشبعة بالحقد والخيانة والحسد والبغي والعدوان وكراهية الحياة والخير ، ولا يختلف المسلمون في تحريمه . يعني تعاطي يا شيخ مع هذه الأحداث بمثل هذه الكلمات ، يعني البعض يقول : أين نحن من قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إخواننا بغوا علينا؟ فماذا عن هذا يا شيخ ؟
الجواب : أولاً إذا وقعت مثل هذه الأحداث ومثل هذه الجرائم فلا يجوز أن يكون دفعها بأمر سهل لا يوازي شناعة الفعل ؛ لأنه إذا صارت الكلمات التي تنكر بها على هذا الفعل أو على الفاعلين إذا كانت خفيفة فإن هذا يُغري الآخرين بالتساهل في الأمر أو يوقعهم في شبهة بأن هذا الفعل فيه تأويل ممكن أنه يكون من جهة أخرى ، فواجب أهل العلم أن يبينوا هذا العمل ومن قام به هل هو عمل إصلاحي أو إجرامي، كونه يكون إصلاحي هذا له شأن ، وكونه يكون إجرامي هذا له شأن ؛ لذلك أهل العلم فيما وقع من أحداث من قديم تجد أن عباراتهم شديدة ، مثل هذا مثل كلام مجموعة من أهل العلم في هيئة كبار العلماء وكان رياستها في ذلك الوقت لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى . لابد أن يكون الرد قوياً ، أما الذي يأتي ويقول : والله نحن نتكلم عن الفعل ولا نتكلم عن الفاعل ، أو نقول إن هذه أفعال سيئة وأن فيها اعتداء ولكن من فعلها يريدون الخير ويريدون كذا . هذا ليس طريقة أهل العلم وليس فقيهاً ولا عالماً من يستعمل هذا الأسلوب ، وإنما هذا عنده شبهة في نفسه فيجب عليه أن يزيل الشبهة عن نفسه أولاً ، ثم يجب عليه ألا يغش المسلمين بألفاظه الهينة السهلة . هذه جريمة ، ما حصل جريمة ، وكما قالوا هنا : لا يفعلها إلا نفس مشبعة بأمور من الكبائر والمنكرات .
الذي حصل جمع أنواعاً من الموبقات :
أولاً : فيه قتل للنفس ، قتل نفس الإنسان الذي فجر نفسه ليقتل المسلمين ومعهم غير مسلمين ، قتل نفسه لأجل ذلك ، هو قتل نفسه والله جل وعلا حرّم قتل النفس ، قال : {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (29) سورة النساء ، {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (195) سورة البقرة ، إذا كان هذا في الإنفاق فكيف بقتل النفس صراحة ؟ وقتل النفس: (( من قتل نفسه بحديدة عُذب بها يوم القيامة )) .
الأمر الثاني : أن في هذا الفعل قتلاً للمسلمين ، وقتل المسلم كبيرة من الكبائر العظيمة ، يعني بعد الشرك بالله قتل النفس قتل المسلم ، والله جل وعلا يقول : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} (93) سورة النساء ،يقتل مؤمناً وهو يعرف أنه سيقتل مؤمناً متعمداً ، فهذا ذكر الله جل وعلا قال : {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}، هذا النوع الثاني قتل المسلمين .
الثالث : قتل لمن لا يستحق القتل شرعاً من المعاهدين ، أو المستأمنين ، أو أهل الذمة ، أو من لهم أمان بتأمين ولي الأمر لهم أو بتأمين المسلمين لهم ، أو قدموا لغرض ، والمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم فضلاً عن من أمنته الأمة أو أمنته الدولة أو أمنه ولي الأمر ، أو جاء بكفالة أو نحو ذلك ، هذا لا يسوغ الاعتداء عليه ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة )) ، كذلك حكم المستأمن والذمي والمعاهد ، فمن بيننا وبينه عهد يجب أن نوفي بالعهد {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} (1) سورة المائدة ، وقال جل وعلا : {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} (34) سورة الإسراء ، حينما قدم هل هو قدم على أنه سيقتل ؟ لو علم هذا ما أعطانا هذا الأمر ، لكن أعطيناه عهداً أنه سيأتي لعمل أو يأتي لشيء فهو سالم، فلا يجوز لمسلم ولا يحل له أن يخلف العهد ، وخيانة العهد من خصال المنافقين ليست من خصال المسلمين ، فآية المنافق ثلاث ومنها : (( وإذا عاهد غدر )) فالغدر في العهد هو ليس من سمات المسلم بل من سمات المنافقين .
الرابع : كذلك فيها اعتداء على أموال المسلمين ، الآن هذه الأموال التي أُزهقت، وهذه الأرواح التي أُزهقت ، والأموال التي أُتلفت ، ونحو ذلك ، لمن هي ؟ هي للمسلمين ، في دور مستأجرة لمسلمين .. إلى آخره ، فأصابها ما أصابها من الدمار. وحرمة المسلم في دمه وماله وعرضه معروفة ، وأكدها النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم عرفة : (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا )) كما في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله عنه .
الخامس : كذلك فيها سلب للأمن ورفع للأمن الذي جعله الله جل وعلا من مقاصد الشريعة ، من مقاصد الالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة تحقيق الأمن في حياة الناس ، وهذه منّ الله جل وعلا بها على عباده في قوله تعالى في سورة النور : {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} ثم جاء بالنتيجة : {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} (55) سورة النــور .فإذاً تحقيق الأمن مقصداً من مقاصد الشريعة ، الشريعة جاءت لتحقيق الأمن الذي ينتج عنه عبادة الله وحده لا شريك له ، وينتج عنه الخيرات وإزالة المنكرات وانتشار الدعوة وانتشار الخير والإصلاح ونماء الأمة وقوة الأمة ، وما أشبه ذلك .
لهذا الحظ في قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( والله ليتمن الله هذا الأمر حتى تسير الظعينة من العراق إلى مكة لا تخشى إلا الله )) لاحظ أنه علق الأمن بإتمام الأمر : (( والله ليتمن الله هذا الأمر حتى)) النتيجة إيش ؟ هي الأمن ؛ لهذا جاء حد الحرابة في الشريعة ، الحرابة ، نقول حد الحرابة ، كثير من الناس ما يفهم ليش سمي حد الحرابة، الله جل وعلا يقول : {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ … }الآية : (33) سورة المائدة ، لماذا جُعل الإفساد في الأرض ، إخافة السبيل ، تنظيم جماعة من الناس على فعل ما ، جُعل حرابة ؟ لماذا كان بنص القرآن حرباً لله جل وعلا ولرسوله ؟ لأنه حرب للأمن الذي هو هدف ومقصد من مقاصد الله ورسوله في إنزال الشريعة ، فهو حرب للأمن ، ومحاربة الأمن حرابة لمن ؟ لمن جعل الأمن مقصداً وهو الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فإذاً حد الحرابة سمي حد الحرابة ، يجيء واحد مثلاً في طريقك ، يقول والله أنا أوقفت سيارة بالقوة وأنزلت صاحبها وضربته وأخذت منه بعض المال ، فكيف أنا أصير محارباً لله ولرسوله ؟ نقول : نعم هو محارب لله ولرسوله ؛ لأن مقصد الشريعة هو الأمن ، الأمن في إيش ؟ الأمن على الناس في دمائهم ، في أعراضهم ، في أموالهم ، ونحو ذلك.
فإذاً هذه الأفعال الإجرامية يجب أن تُصد بقوة كبيرة جداً في اللفظ وفي المعنى وإيضاح أحكام الشريعة دون مواربة ، فأنا في الحقيقة أنتقد ـ انتقاد شرعي ـ بعض من تعرض لهذا الموضوع بعبارة خافتة باهتة ، مثل من يقول : هذا الفعل سيء لكن الفاعلين متأولين ، أو يقول مثل هذه العبارات الباهتة التي لا تدل على علمه بكتاب الله جل وعلا وبكتاب رسوله صلى الله عليه وسلم وبقواعد الشريعة وأحكام الفقه . أو يقول : لا يصلح لنا أن نستجر هذه المعركة إلى بلاد المسلمين أو نحو ذلك من الألفاظ التي ليست ألفاظاً شرعية . هذه مسائل فيها إجرام كبير وخيانة عظيمة ، مثل هذه التفجيرات وأشباهها ، تكون عبارات بعض طلبة العلم وبعض الدعاة باهتة خافتة في الإنكار ، هذا لا شك يغري ولا يحقق مقصود الشارع في إنكار هذه المنكرات والموبقات العظيمة .
سؤال : معالي الشيخ أخيراً فيما يتعلق الآن بكلمة توجيهية للشباب ، يعني البعض يقول هو محب لعلمائه ، ولكن يقول حينما أقرأ بعض الأشياء في الإنترنت وكتب وأشرطة ونحو ذلك ، يعني يقول ـ سبحان الله ـ يعني أحد الأخوة من طلبة العلم يقول : قرأت موقعاً في أحد المنتديات في الإنترنت فأحسست بشيء في قلبي تجاه العلماء ، ثم استغفر الله سبحانه وتعالى . كيف يحصن الشاب نفسه وهو يرى هذه الفتن وهذه الأحداث العظيمة ؟
الجواب : أولاً الإنترنت وسيلة من الوسائل التي حدثت كغيرها من الوسائل فيجب أن تُستثمر في الخير ، ويجب أن لا نجعلها حجة علينا ؛ لأن هذه منة من الله جل وعلا من استخدمها في سيء فعليه وزره ومن استخدمها في حسن فله أجره مثل أي وسيلة من الوسائل .
ما يُنشر في الإنترنت يفتقد الكثير من الآداب الشرعية ، إذا نظرت للحوار الذي يجري في الإنترنت ، الواحد كونه يبدي ما في نفسه طيب ، ما فيه شيء تبدي ما في نفسك أو تنتقد بعض الأشياء أو تستفسر ولو كان الاستفسار فيه غلظة ، هذا ليس فيه إشكال من هذه الجهة ، لكن يتأدب بآداب الشريعة ، يأتي واحد ينتقد وضعاً لكنه يهاجم عالماً من علماء المسلمين ، أو يستعدي الناس على واقعها أو على علمائها أو على دولتها ، أو يصم بأوصاف الكفر ونحو ذلك ، هذا كله خوض في أمور بلا علم ، والله جل وعلا يقول : {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} (36) سورة الإسراء ، فإذا كان الذي يكتب يكتب بدون ظن منه أنه سيلقى الله جل وعلا ويحاسب على ما كتب هذه مصيبة عظيمة ، وإذا كان يكتب أو يشارك في الإنترنت وهو يعلم أنه محاسب وليس كحديثه مع زميل له ، أنت الآن تنشر ليقرأها آلاف من الناس أو  مئات الآلاف ، أو ربما أكثر ، فكيف إذا كان بسبب كلمة قلت إنه حصل كذا وهو ما حصل ، أو قلت إن فلاناً فيه كذا من الأفعال وهو ليس فيه ، أو سمعت كلاماً ونشرته على أنه حقيقة وأنت ما تثبت منه وانتشر بين الناس على أنه حقيقة ثابتة ، مثل ما عُزي إلي في الإنترنت ما قال : أن فلان ـ صالح آل الشيخ ـ يقول : لا يجوز الدعاء على اليهود والنصارى ، وطنطنوا عليها وكفروا . هل يقول أحد من أهل العلم أو ممن عرف بعض أحكام الشريعة فضلاً أن يكون عرف كثيراً منها وعلم كثيراً منها أن يقول بهذا الإطلاق لا يجوز الدعاء على اليهود والنصارى ؟ ما في أحد ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في آخر حياته قال : (( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) واللعن : الطرد والإبعاد من رحمة الله جل وعلا ، وهو الدعاء عليهم . فنُسب هذا الأمر مع أن كلامي أنا في هذا الموضوع كان قبل سبع سنوات ، نقله أحد من لا يفهم ويعرف هذا ، نقله نقلاً خطئاً من أحد الدروس ثم أُوّل أو صُنف على ذلك ، والكلام إنما كان في قضية ـ أنا أستطرد في هذا لأجل المناسبة ـ كان في قضية محددة وهي : ألا نعارض حكمة الله جل وعلا في وجود الكفار ، وجود اليهود ووجود النصارى ، ندعو عليهم مثلاً بالهلاك العام بالاستئصال، نعلم أن اليهود والنصارى بيبقون إلى آخر الزمان ، فيأتي واحد ويقول : اللهم أبدهم الآن أجمعين ، أنت تعارض حكمة الله جل وعلا ، تعارض ما أخبر الله جل وعلا في كتابه ، فمن دعا بدعاء نعلم أنه مستحيل أو أن الشرع أخبرنا بخلافه أو نعلم أنه لن يكون هذا اعتداء في الدعاء من أسباب رد الدعاء .
وشيخ الإسلام ابن تيمية ذكر في الفتاوى ، كما ذكره غيره ، أن من أسباب الاعتداء في الدعاء ورد الدعاء أن يدعو بدعاء نعلم من الشريعة أنه ليس متحققاً . فنعلم أن اليهود والنصارى بيبقون إلى زمن عيسى بن مريم ، ويأتي واحد يدعو عليهم بالهلاك جميعاً الآن ، أو يدعو على جميع الكفار الآن ، أو يدعو على أطفالهم وعلى نسائهم ، هذا الدعاء العام بالاستئصال والهلاك العام هذا ليس من الشرع لاشك ، وهو اعتداء في الدعاء  في هذا الأمر لمناقضته لحكمة الله جل وعلا ولما أخبر الله جل وعلا في كتابه ، قال سبحانه : {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا} (61) سورة الزخرف . فسيكون ، فأولوا الأمر وصار المسألة على أن فلاناً لا يجيز الدعاء على اليهود والنصارى بهذا الإطلاق ، وجاء أناس آخرون وعلقوا وسبوا وشتموا ، وليس عليّ وحدي فقط بل على كثير من أهل العلم وعلى كثير من الولاة ، نُسبت أقوال أحياناً وأفعال لم يفعلها الإنسان البتة ويستغرب كيف جاء الافتراء ثم جاء الانتشار بعد ذلك . أيضاً هناك مسائل تتعلق بالإنترنت في آداب الحوار .
سؤال : لو سمحت يا معالي الشيخ ، فيما يتعلق بالدعاء بالهلاك يبدو أن هذا هو أيضاً هدي السلف ؟
الجواب : هذا يكاد يكون ـ ما أعلم أن أحداً نص على الإجماع ـ لكن يكاد يكون فيه خلاف أصلاً .
سؤال : مثل اللهم عليك بكفرة أهل الكتاب ؟
الجواب : هذا من الدعاء : الذين يقاتلون أولياءك ويصدون عن سبيلك ، يعني الدعاء المقيد .
آداب الإنترنت والنشر على الإنترنت لها آداب وأخلاق لأنه حوار ، والسلف وضعوا آداب البحث والمناظرة ، كيف تبحث مع إنسان وترد عليه . هذا يسب هذا وهذا يشتم هذا ، بل أتوا إلى أشياء ـ هداهم الله ـ إلى أشياء شخصية ، يتكلم عن الإنسان في عائلته ، يتكلم عنه في بيته ، طيب من تلقى كيف يثبت له أن هذا صحيح أو غير صحيح ؟ والناس عندنا مولعون بشيء هو من تركيبة المجتمع العربي بعامة ، مولعون بالشك ، الأصل عندهم دائماً ليس السلامة ، الأصل عندهم الشك ؛ لذا يأتون يقولون واحد والله فعل هذا الفعل ، يصدقوه ؛ لأن الأصل عندهم الشك ، وهذا مرتبط بالبيئة القبلية أو البيئة البدوية ن أو لظروف قديمة نمت عند الناس الحذر والشك في أي تصرف من التصرفات ، لكن هذا ليس شرعياً ، الأصل في المسلم السلامة . واحد يأتي ويقول قولاً في الإنترنت يتهم فيه فلاناً أو يذكرون أشياءً في الأسر أو يتعلق … هذه أمور سيئة ، أو يستخدمون الإنترنت لحوارات هابطة وسباب وشتام ، هذا يترفع العاقل عنها فضلاً عن مسلم يخشى الله جل وعلا ويعلم أنه غداً سيحاسبه الله جل وعلا ، {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (18) سورة ق .
وأنا أرجوا أن تُخصص حلقة في قناة المجد لآداب الحوار في الإنترنت يشارك فيها بعض المعروفين بالاهتمام بهذا المجال من طلبة العلم الشرعي أو الدعاة ، كيف نحاور على الإنترنت ، كيف نستثمر هذه الوسيلة ، ما الأشياء التي تُنشر والأشياء التي لا تُنشر ، التحذير من اتهام الناس ، الدعوة إلى الإنصاف والعدل في هذا الأمر .

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*