الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » تفكيك العقول الفاسدة .. إنجاز عالمي سعودي!

تفكيك العقول الفاسدة .. إنجاز عالمي سعودي!

فهم الإرهاب وحوافزه ومحاولة تفكيك هذه الحوافز في عقل الإنسان المتطرف هو الحل الأفضل لمعالجة مشكلة الإرهاب على المدى الطويل. كانت هذه نتيجة دراسة أمريكية مهمة أشرت إليها الأسبوع الماضي ضمن حديث عن الإنترنت والإرهاب، وأهمية الدراسة تأتي لأن الكاتبة – واسمها جيسيكا ستيرن، المحاضرة في كلية القانون في جامعة هارفارد الشهيرة – هي واحدة من أشهر الخبراء العالميين فيما يسمى بـ ”تفكيك الراديكالية” Deradicalizaiton، وتأتي لأن هذا يمثل تغيرا جذريا في التكتيك الأمريكي السابق الذي كان يريد القضاء على الإرهاب ”مهما كانت أسبابه” والذي أدى في النهاية لتجاهل معرفة تلك الأسباب.

ستيرن قالت في دراستها إنها تأثرت كثيرا بنجاح التجربة السعودية في معالجة الإرهاب، والتي غيرت كل المقاييس في نظرها، واعتبرتها الدليل الأهم على الإمكانية الفعلية لـ”تفكيك العقل الإرهابي”، داعية الحكومة الأمريكية للاستفادة من تلك التجربة الرائدة. فيما يلي بعض أهم النتائج التي استخلصتها الدراسة عن التجربة السعودية:

– الحركات الإرهابية تقوم كرد فعل لبعض الأوهام في عقول هؤلاء الأشخاص عن الواقع، والتي تربط ببعض الأفكار الأيديولوجية التعميمية التي يستخدمها هؤلاء لتبرير ما سيقومون به لمحاربة الظلم والمشكلات حسب تلك الأوهام. لو اكتشف هؤلاء الناس أن ما يرونه عن الواقع وهم، أو يرون أن الأفكار التي لديهم خطأ، فهذا الطريق الأفضل لتفكيك العقل المتطرف المؤمن بالعنف والإرهاب.

– الجهل بالإسلام وتعاليمه الصحيحة كان عاملا مشتركا بين المؤمنين بالعنف على أساس ديني. كانت هذه التجربة السعودية – حسب ما تنقلها ستيرن – وكان هو ما رأته في العراق وفي أوروبا بين المؤمنين بالعنف في هولندا أو بريطانيا أو غيرها. هذا يعني أن النتائج الأمريكية السابقة التي كانت تتخوف من التعليم الديني كانت تمضي في الطريق الخطأ، وحسب ستيرن فإن انتشار الفهم الصحيح المعتدل للإسلام هو الطريق الأفضل لمنع انتشار الفكر الإرهابي.

– كثير من الذين انضموا للحركات الإرهابية فعلوا ذلك لحاجتهم لمجموعة تحتضنهم وتكون هويتهم، وتم ذلك تدريجيا حتى انخرط هؤلاء في النهاية في أعمال العنف بما في ذلك العمليات الانتحارية. حسب ستيرن، كانت التجربة السعودية هي الأفضل في التعامل مع هذه المشكلة من خلال بذل جهد حقيقي لتشجيع الأسر والمجتمع على تقبل خريجي برنامج ”المناصحة”، وجاء هذا التشجيع تدريجيا بشكل يؤكد لهؤلاء أن الفراغ الاجتماعي في حياتهم بعد انفصالهم عن المجموعات التي كانوا جزءا منها سيتم ملأه من خلال العائلة والأسرة الكبيرة والأصدقاء الجدد.

– الإرهاب هو وظيفة أو مصدر رزق لكثير من الذين انخرطوا فيه. ستيرن تسرد إحصائيات مكثفة عن المستوى الاقتصادي المتدني لـ97 في المائة من الذين انخرطوا في فكر الإرهاب في السعودية، وهي إحصاءات متوافقة مع الإحصاءات العراقية. نحو 13 في المائة من الذين انخرطوا في الإرهاب في المملكة كانوا متورطين في قضايا مخدرات سابقا. لهذا السبب أثنت ستيرن على البرنامج السعودي كونه يسعى لتوفير الوظائف والحياة العملية لخريجي برامج المناصحة، لتصبح بديلا عن المال الذي كان يأتيهم بسبب قربهم من الجماعات المتطرفة.

– المشكلات النفسية هي عنصر مشترك بين من يحملون التطرف، ولعلك تتخيل ما يفعله التحضير النفسي المكثف لعملية انتحارية أو للمشاركة في عملية إجرامية، والخروج من هذا التحضير يبدو الأصعب في المعادلة، وستيرن كانت تثني على التجربة السعودية كونها أولت هذا الجانب أهميته، وأدخلت دروسا عن الثقة بالنفس في برامج المناصحة والإصلاح.

– البرنامج السعودي أعطى نسبا منخفضة عالميا من ”الانتكاس” (العودة للجريمة بعد الخروج منها)، والذي وصل حسب الدراسة إلى 10 إلى 20 في المائة. ستيرن كانت تثني على التطوير المستمر للبرنامج بناء على ما يتم تعلمه من التجارب القائمة، ولم تعتبر هذا الانتكاس فشلا للبرنامج، بل نجاحا له لانخفاض نسبته.

ستيرن طالبت ضمن الدراسة بأن تطلع السعودية العالم على التجربة وتفاصيلها حتى يتم الاستفادة منها، وهذا طبعا طلب في غاية الحساسية، ولكنه طلب يؤكد النجاح والتفوق في علاج المشكلة التي وقف العالم كله أمامها حائرا منذ التسعينيات الميلادية.

بناء الإنسان إنجاز بلا شك، ولكن إعادة بناء إنسان بعقل فاسد هي إنجاز عظيم بكل المقاييس.

 

-- د. عمار بكار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*