السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » أسرار لا ترغب "القاعدة" في نشرها

أسرار لا ترغب "القاعدة" في نشرها

ما هو الشيء الذي ربما يخشاه قادة تنظيم القاعدة أكثر من أي شيء آخر؟ إنه ليس متطلبات التدقيق والتفتيش الصارمة التي فرضتها إدارة أمن المواصلات بعد المحاولة الفاشلة لتفجير الطائرة الأمريكية يوم 25 ديسمبر، والتي قام بها النيجيري عمر الفاروق. وهي ليست زيادة عدد القوات الأمريكية التي طال انتظارها في أفغانستان كجزء من استراتيجية إدارة الرئيس باراك أوباما الجديدة في التعامل مع المشكلة الأفغانية. وهي بالتأكيد ليست مثول قياديين من القاعدة من وزن خالد شيخ محمد وزملائه أمام محكمة أمريكية فيدرالية سواء في نيويورك أو أي مكان آخر. لكن ما يخشاه قادة القاعدة هو أن يعرف المسلمون بعض التفاصيل والأرقام الخاصة بنشاطاتهم، والتي تدل على أن تنظيم القاعدة يشكل خطراً على المسلمين بالدرجة الأولى.
هذه ليست مجرد تكهنات، لكنها حقيقة أفرزتها نتائج دراسة أجراها مركز “ويست بوينت” لمكافحة الإرهاب ونشرها المركز الأمريكي للسياسة الخارجية في بداية شهر مارس الجاري. وتكشف الدراسة التي حملت عنوان “الطلائع القاتلة” أنه رغم كل تصريحات أسامة بن لادن وأعوانه بوجود صراع حضارات بين الإسلام والغرب، فإن المسلمين شكلوا في الواقع الضحايا الرئيسيين لعمليات تنظيم القاعدة. فمنذ تأسيسه، ادعى تنظيم القاعدة أنه يمثل مصالح المسلمين في جميع أنحاء العالم وأنه يلعب دور الحارس المخلص للإسلام الحقيقي والمدافع الأول عن المسلمين. لكن الغالبية العظمى من ضحايا تنظيم القاعدة هم من المسلمين، إذ تظهر الدراسة أن 15% فقط من القتلى الذين سقطوا في عمليات القاعدة بين الأعوام 2004-2008 كانوا من الغربيين. هذه النتائج مدهشة وتقدم تفسيراً مهماً للتدهور السريع في شعبية تنظيم القاعدة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي خلال السنوات الخمس الماضية.
خلال الفترة ما بين 2003-2007، انخفض تأييد أسامة بن لادن من 56% إلى 20% في الأردن، ومن 20% إلى 1% في لبنان، ومن 59% إلى 41% في إندونيسيا، وذلك حسب المعطيات التي نشرها مركز “بيوسنتر”. ويمكن ملاحظة توجهات مماثلة في المملكة العربية السعودية أيضاً، حيث ذكر حوالي ثلثي الذين شاركوا في استطلاع أجرته مجموعة “غد خال من الإرهاب” في أوائل عام 2008 أنهم يحملون وجهات نظر سلبية عن تنظيم القاعدة. كما أن القاعدة تعتبر الهدف الأول للسلطات الأمنية السعودية وهناك امتعاض كبير في الشارع السعودي من ممارسات هذا التنظيم وفكره. وفي عام 2009، وجد استطلاع أجراه مركز “بيوسنتر” عن الرأي العام في باكستان أن 61% من الباكستانيين لا يؤيدون تنظيم القاعدة، كما عبر حوالي 80% من الباكستانيين عن قلقهم من حالة عدم الاستقرار التي يسببها التطرف الإسلامي في بلادهم.
وفي العراق، قالت الدراسة إن خطوة إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في زيادة عدد القوات الأمريكية في 2007-2008 ساعدت على استعادة زمام المبادرة من المجموعات المسلحة التابعة لتنظيم القاعدة وحزب البعث المنحل. لكن ذلك لم يكن ليتحقق لولا تغيير المزاج في الشارع السُني العراقي و”صحوة” العشائر العراقية التي عانت من وحشية تنظيم القاعدة بشكل مباشر وقررت أن تنتفض ضده.
كما أن المفكرين الإسلاميين صاروا يبتعدون تدريجياً عن النظرة التكفيرية المتعصبة التي يحملها تنظيم القاعدة. فعلى سبيل المثال، كان المفكر الإسلامي المصري سيد إمام الشريف، عضواً بارزاً في تنظيم القاعدة في البدايات، كما كان أحد مرشدي الدكتور أيمن الظواهري في وقت من الأوقات. لكن سيد إمام الشريف، الشهير باسم “الدكتور فضل”، غيَّر رأيه مؤخراً على ما يبدو خلال وجوده في أحد السجون المصرية، فكتب كتاباً نبذ فيه استخدام العنف ضد أعداء الإسلام. والمفكر السعودي سلمان العودة، أحد أبرز الرموز الفكرية الذين تأثر بهم أسامة بن لادن، تطور بشكل مماثل لـ”الدكتور فضل”. ففي سبتمبر 2007، اتخذ الشيخ سلمان العودة خطوة غير مسبوقة بتوجيه انتقادات علنية إلى زعيم تنظيم القاعدة بسبب تجاوزاته في استخدام العنف. حتى حركة “ديوباندي” المؤثرة في الهند، وتعتبر من الحركات الإسلامية المتطرفة في جنوب آسيا، يبدو أنها غيَّرت توجهاتها مؤخراً، حيث أصدرت عام 2008 إدانة للإرهاب ودعت إلى المصالحة الطائفية.
لكن هذا لا يعني، بحسب الدراسة، أن تنظيم القاعدة انتهى أمره. المحاولات المتسارعة لتنفيذ هجوم إرهابي ضد الولايات المتحدة خلال الشهور الستة الماضية تبين أن هذا التنظيم الإرهابي، في الوقت الذي يعاني فيه فكرياً، لا يزال يمثل خطراً جدياً من الناحية العملياتية. لكن أزمة الثقة التي تعاني منها شبكة أسامة بن لادن لها مدلولات كبيرة حول الطريقة التي يمكن أن يتبعها الغرب في مواجهتها. منذ أكثر من سنة، وفي خطابه الشهير الذي ألقاه في القاهرة، حدد الرئيس الأمريكي باراك أوباما رغبته في “بداية جديدة” بين أمريكا والعالم الإسلامي. وفي هذا الإطار فإن إلقاء الضوء على تكاليف الأيديولوجية القاتلة لتنظيم القاعدة، وتوضيح الأسباب التي تجعل رفض بن لادن في مصلحة المسلمين أولاً، يُشكل بداية جيِّدة لهذه المحاولة للتقارب بين العالم الإسلامي والغرب.

-- صحيفة الوطن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*