الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » السكينة و السِّكين

السكينة و السِّكين

العيش في سبيل الله أم الموت في سبيله أيهما احق أن يتبع ؟ سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي عام المملكة السابق – يرحمه الله – حسم الموضوع بوضوح لمن أراد سبل الرشاد حيث قال : الموت في سبيل الله أسهل من العيش في سبيله . و بهذه المعادلة السهلة الممتنعة نجد أن العيش في سبيل الله يتطلب برنامج عمل عقلي و سلوكي يقود الى تعبيد طريق السالك و من يتبعه للعيش في سبيل الله , و هو البرنامج المتوقع للجهاد الأكبر و هو جهاد النفس نحو الإصلاح . حتى الزهد في الدنيا ليس من المشاريع الرئيسة للعيش في سبيل الله إلا من حيث الابتعاد عن أذى الناس . و لو تأملنا قليلا لانتشار الإسلام في شرق آسيا لوجدناه انتشر عن طريق من هاجر للعيش في سبيل الله و هم التجار و ليس من سافر للموت في سبيله, و لا يزال الإسلام هناك منهج حياة متوازنة نجدها في قوافل الحجيج من هناك . بينما لو لا حظنا كيف ينتشر الإسلام الآن في الغرب نجده يسلك ذات الاتجاه بعيدا عن حمل السيوف و الخناجر و السكاكين أو حتى الخطف و الارهاب . فهي قناعة انسانية بالانجذاب نحو المحبة و الرحمة و الخلق الحسن , و بأن هذا الدين هو دين السلام و السلوك القويم . و المسلم كما تعلمنا من سنة المصطفى هو من سلم الناس من أذاه , و بالتالي لن نحقق صورة ذهنية إيجابية عن الاسلام و المسلمين خارج هذا الإطار المتسامح . هكذا أمر الله المصطفى للدعوة بالموعظة الحسنة و الجدال بالحسنى بدون غلظة في القول و الفعل مما دعا الناس لدخول دين الله أفواجا. ومن هنا أشكر القائمين على حملة السكينة التي انطلقت مطلع هذا الأسبوع مستهدفة اكثر من 70 الف مسجد للمشاركة بالموعظة الحسنة .و مع هذا أقول: أي برنامج سكينة لكل واحد منا ندخل به الطمأنينة على أنفسنا أولا و على من يعيش بين ظهرانينا و العالم من حولنا ثانيا؟. و إذا كنا نؤمن بمن ” أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم” فهل كل مؤمن بهذا ملتزم بنهج تلك السكينة تطبيقا عمليا ؟ اتمنى على كل من لا يعرف أصول التعامل مع النفس البشرية أن لا يتصدى لوعظ الآخرين . و ان يبتعد كل من يتسم بالغلظة في القول و السلوك و المظهر عن الإساءة للإسلام و المسلمين من دون قصد . لقد طفح الكيل , فكل من أخذ بظاهر التدين ملبسا و هيئة و بدأ يمارس صولات و جولات الوعظ بدون وجه حق و كأنه يغرس سكينا في أفئدة الشباب التي لا تزال غضة في التلذذ بالسكينة فيجرفها بغلظته نحو متعة الشر التي لا يجد فيها غلظة بل يجد فيها كل من ييسر أمرها و يقضي حاجاتها . فهو مسلم لم يسلم الإسلام من غلظته و لا من رعونته . حالات فردية تجلجل بالصوت و تبدو كأنها ظاهرة تستحق التصدي , و أفضل سبل التصدي لها هو الابتعاد الطوعي منهم عن ممارسة تشويه صورة هذا الدين الحنيف . فعلى سبيل المثال كانت هناك حكمة من أهل الحسبة في التعامل الحسن في معرض الكتاب , و كاد يسيء لمهرجان الجنادرية محتسب متطوع لم يتبحر في مقاصد الاحتساب . إذا هي سلوكيات احتساب تحتاج إلى إعادة حساب . فالأمر بالمعروف أصبح ضرورة لوقف كل محتسب يسيء لسماحة الدين و ليس فقط لمرتكب المنكر . فهذا مسيء يرجى من الله أن يعود لجادة الصواب و آخر يرى أنه على جادة الصواب و يسيء بحسن الظن و سوء السلوك . معادلة صعبة و لكن يجب ان تطرق حتى تتوازن حياة الناس بين معتقدهم بسماحة الإسلام و انعكاسها على سلوكيات أهله .

و بالعودة الى حملة السكينة نجد انها تسعى لتأصيل فكرة “ساعة السكينة” بحيث يشارك أهل العلم الشرعي في منظومة الإعلام الالكتروني ايضاحا و نقاشا , و لكن الموضوع في نظري اكبر من هذا بكثير , فيمكن تطوير ساعة السكينة لنا جميعا في المنزل و المدرسة و الشارع و السوق . فعلى سبيل المثال الصدام الدائر بين الشباب و أهل الاحتساب في الاسواق التجارية الكبرى هل نجح في الحد من نتائج السلوك السلبي من الطرفين؟ طبعا سيحتج من يحتج و يعلق على هذا المقال حول هذا التشبيه و المقارنة , و لكن الواقع لا يكذب ما قلت . فهناك سلوكيات غير منطقية من الطرفين تقود في نهاية المطاف الى متضررين في المجتمع و تشويه صورة الإسلام حتى لدى أهله . وربما لو تمت المعالجة بطرق جديدة – اقول ربما – لولدت سلوكيات إيجابية . و أنا هنا ادعو إلى تبني سلوكيات ايجابية تعيد السكينة في قلوب الناس بعد ان أنزلها الله فيها و لا نكون عونا على خروجها من قلوبهم فنصبح على ما فعلنا نادمين . فهل يأتي اليوم الذي نجد فيه السكينة في حياتنا و أسواقنا سلوكا حقيقيا لا مظهر خوف و لا وجل ؟ أتمنى ذلك باسم المرأة على الأقل و هي التي أصبحت تدفع ثمن خروجها لقضاء حاجاتها او حتى لتعيش حياتها كإنسان كامل الحرية و مسؤولة عن تصرفاتها مثل غيرها في الأماكن العامة . فالسكينة في مجتمعنا الإسلامي أصبحت مطلبا دينيا و نفسيا و اقتصاديا و تربويا و إعلاميا فلا ننزعها بسلوكيات فردية نبكي بعدها على صورة الإسلام السلبية و التي شاركنا في صنعها . فالسكينة هي النتاج الحقيقي لثقافة إفشاء السلام كما قال المصطفى عليه الصلاة و السلام : و الذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا , و لا تؤمنوا حتى تحابوا .أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ، افشوا السلام بينكم ” . ودمتم في سلام وسكينة.

-- د. فهد الطياش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*