السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » الأمن الفكري .. خط الدفاع

الأمن الفكري .. خط الدفاع

قبل الحديث عن الأمن الفكري من حيث المفهوم والمتطلبات والأهداف لا بد من تسليط الضوء على مفهوم الأمن ومرتكزاته ودلالاته، ولعل أكبر دلالة على مفهوم الأمن ما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى: ((فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)). فالأمن هنا مواجهة الخوف، والمقصود به ما يهدد المجتمع ((إجتماعيا واقتصاديا وفكريا وثقافيا)). وكذلك ما جاء به الحديث الشريف حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من أصبح معافى في بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا)).

الأمن قضية كبرى وهاجس كل الشعوب والمجتمعات والدول ولا نكاد نجد اليوم من اقطار العالم من يزعم الإطمئنان التام على أمنه الوطني، فالأمن هو قدرة الدولة على البقاء والمحافظة على قيمها مع استمرار النمو والتقدم ((فالدول غير الآمنة لا تنمو))، لذا فأننا نسمع أحيانا بمصطلح الدول المتهالكة والدول غير المستقرة، فالأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها، فمعظم شعوب ودول العالم تلتقي عند مطلب واحد نسميه المطلب الوطني ويتمثل ((بالامن، الحرية، الازدهار))، حيث ظهر مصطلح الأمن الوطني الشامل في أعقاب الحرب العالمية الثانية وأصبحنا نسمع بمصطلح الأمن الاقتصادي، المائي، الغذائي، الصحي، النفسي، البيئي، السياسي، الاجتماعي،والامن الفكري وهو ما أتناوله في هذا المقال يشكل الأمن الفكري عصب الأبعاد الأمنية وخط الدفاع الأول لحماية الأفراد والمجتمعات والمؤسسات والدول، حيث نجد أن أنواع الأمن التي ذكرت مرهونة الحصول بالأمن الفكري الذي يعتبر صمام الآمان لبقاء المجتمع والدولة، فالإنسان إذا عاش آمنا استطاع أن يفكربعمق وينتج بكفاءة عالية، فإذا كانت الأمم تسعى إلى الإبداع والعبقرية فإن الأمن الفكري هو أعظم مناخ للإبداع والنبوغ والعبقرية والحضارة، فالحضارات الراقية على مر التاريخ ما قامت إلا بفكر حر وبيئة آمنة.

الأمن الفكري يعني بناء خطوط دفاع ثقافي فكري ومعرفي تبدأ من البيت بالتربية والتنشئة السليمة مرورا بالروضة والمدرسة والجامعة والمسجد والمؤسسة وصولا إلى مكونات الدولة ليكون الأمن الفكري ثمرة جهد جماعي لأبناء الوطن لتحقيق أهداف شعار كلنا الأردن الذي رفعناه بعد أحداث فنادق 2005.

الشباب الذين يشكلون نصف الحاضر وكل المستقبل هم بأمس الحاجة إلى حمايتهم من الاستقطاب والاقصاء والتكفير والأضواء في زمن صار الولاء بداية للايديولوجيات والطائفية والمذهبية، كما أنهم بحاجة إلى حوار الفكر بالفكر والاقناع والابتعاد عن مجتمعات الكبت السياسي والفكري حتى لا ينشأ لديهم ظاهرة التكفير التي تنمو وتتقاطع مع الافكار الاخرى الى درجة الالغاء والقتل. والخوف من فكر التكفير هو أن يتحول الى فكر التفجير والأحزمة الناسفة وهذا الذي يجب الانتباه له وهو بناء خط الدفاع الأول ضد الأفكار الهدامة، فالإصلاح والبناء والإعداد يبدأ من البيت حتى لا يتحول الجدل الفكري إلى صراع مسلح بعد أن أصبحنا نعيش في زمان نجح الإنسان فيه في تحقيق عدوانيته وفشل في تحقيق إنسانيته في عصر الكراهية والطائفية والحروب وغيرها ……

من هنا نقول أن قواعد الإيمان لا تقوم إلا على سلامة الاعتقاد والقول والعمل، ولا يكون ذلك إلا بسلامة القلب الذي هو بيت الفكر وبيت المشاعر وسلطان الجوارح، وبين الارادة والتصميم، وقال تعالى ((يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم))، وقال رسول الله العظيم ((الا وان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله واذا فسدت فسد الجسد كله الا وهي القلب)).

فالأمن الفكري حالة تشعر الفرد والمجتمع بالطمأنينة على ثقافته ومعتقداته وأعرافه ومكونات آصالته ومنظومته الفكرية المستمدة من الكتاب والسنة، وأنها الحالة التي تجعل كل فرد من أفراد المجتمع جيلا شامخا قادرا على الوقوف في وجه من يريد خرق سفينة المجتمع واغراق أهلها بالاشاعات، كماعلينا التخلص من أصحاب الافكار المتكلسة التي انتهت مدة صلاحيتها ويعانون من بطالة سياسية أحيانا وأحيانا أخرى يعانون من عقول محالة على التقاعد.

وأخيرا أقول ونحن نعيش في دولة مؤسسات أن الشباب عاتبون على النخب وقادة الرأي لأننا جميعا شركاء لبناء هذا الخط الدفاعي القوي وعلينا أن ندرك أن الشباب يريدون الحديث مع النخب الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ويريدون قوة الفكر لا فكر القوة ويريدون الابداع والتجديد لا النمطية والتقليد ليبقى الوطن وأمنه خارج المساومات السياسية وخارج حدود المناورات لأن قضايا الأمن لا تحتمل المساومة والتوظيف السياسي، وحمى الله الوطن وقائده وجيشه وشعبه الوفي .

-- د. صالح لافي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*