الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » ندوة للشؤون الإسلامية في الشرقية تتناول (رسالة المسجد وأثرها في تعزيز الوسطية في المجتمع)

ندوة للشؤون الإسلامية في الشرقية تتناول (رسالة المسجد وأثرها في تعزيز الوسطية في المجتمع)

نظم فرع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المنطقة الشرقية الندوة الخامسة ضمن برنامج ندوات الأمن الفكري الموجه لأئمة وخطباء المساجد والجوامع تحت عنوان :(رسالة المسجد وأثرها في تعزيز الوسطية في المجتمع).
وأقيمت الندوة بعد صلاة التراويح في قاعة المحاضرات في مقر برنامج الأمير محمد لتنمية الشباب بالدمام وشارك فيها كل من فضيلة الدكتور عبدالله بن محمد الطيار أستاذ الشريعة في جامعة القصيم ، وفضيلة الشــيخ عبدالله بن محمد اللحيدان مدير عام فرع وزارة الشؤون الإسلامية بالمنطقة الشرقية ، ورأس الندوة فضيلة الشيخ سامي المبارك المشرف التربوي في إدارة التعليم بالمنطقة الشرقية .

وقد تحدث في الجزء الأول من الندوة فضيلة الدكتور عبدالله الطيار حيث تناول في حديثه التعريف برسالة المسجد ، ومسؤولية الإمام في تحقيقها ، ورسالة المسجد الخطابية وأثرها التوجيهي على الفرد والمجتمع. والوسطية بين المفهوم الشرعي والمفاهيم المغلوطة، وضوابط الوسطية المطلوبة في منهج الخطيب من القرآن والسنة وكذلك نماذج من وسطية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وثمارها على المجتمع ، فقال :  إن المسجد من أهم معالم الإسلام، وهو مهد الانطلاقة الكبرى التي شهدها تاريخ الإنسانية، ولم يعرف في تاريخ أي حضارة، مسجد أثر في مسار العالم كمسجد محمد – صلى الله عليه وسلم – ، ثم تتابعت المساجد من بعده تنشر العلم والنور والرحمة والعدل ، فهو مكان أعظم العبادات وأجلها بعد التوحيد، وساحة تَجمُّعٍ للتآخي والتواد والتراحم ، فيه يتعلم المسلمون النظام والوحدة، والطاعة، والقيادة ، والجندية ، كما أنه يرفع المستوى الثقافي للأمة من خلال الاستماع للقرآن وقراءته وتدبره بما فيه من تشريع وآداب وأخلاق ، ومن المسجد يتخرج أساتذة العقيدة، والحديث، والفقه ، وعلوم العربية، وغير ذلك، وهو محطة للإنسان ، يتزود منها لدنياه وآخرته ، كما أنه رباط روحي بين العبد وخالقه.

ولخص فضيلته دور المسجد في المجتمع المسلم ورسالته في إقامة الأذان والإمامة والصلوات، والدعوة والتعليم والفتوى ، وللمسجد كذلك  دور اجتماعي كبير في المجتمع الإسلامي، حيث أنه يعتبر ملتقى للمسلمين، يجتمعون فيه كل يوم خمس مرات، لأداء الصلاة، والترابط، والتواد، والتعاطف، وتقوية أواصر المحبة والأخوة، ويتولد عن ذلك التفقد والتزاور، فيعودون مرضاهم، ويشيعون جنائزهم، ويتفقدون غائبهم، ويقفون مع من حلت به مصيبة أو نزلت به نازلة، ويشاركون بعضهم بعضاً في الأفراح والأتراح.

وانتقل بعد ذلك الدكتور الطيار للحديث عن مسؤولية الإمام الشرعية تجاه المسجد ورواده ، فقال : إن الإمام مسئوليته عظيمة، ومهمته خطيرة وجسيمة، فهو مسئول عن جماعة المسجد سواء كان ذلك بإمامتهم في الصلاة، أو القيام بتعليمهم ونصحهم وإرشادهم، والسؤال عن غائبهم، وزيارة مريضهم، وتفقد محتاجهم، وعليه أن يتحمل هذا الواجب بأمانة وإخلاص وصبر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق الأئمة والمؤذنين (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين..) رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني). ومن علم من الأئمة عظم الأمانة، وشدة المسؤولية تمنى ألا يكون إماماً لمسجد لأنها تعتبر من الأمانات العظيمة، والتي سيسأل عنها يوم القيامة، ولكن الله تعالى يبتلي عباده بما يشاء فيرى الحريص من المتهاون، والجاد من الهازل، والمخلص من المرائي، والصادق من الكاذب.

 واسترسل فضيلته قائلاً : وتتحقق براءة الذمة للإمام : أولاً : باحتسابه بالقيام بهذا العمل لوجه الله تعالى ، وثانياً : بحرصه على إمامة الناس في الصلوات ، وتعليمهم ، وإرشادهم ، ونصحهم ، وتوجيههم والسؤال عن غائبهم ، وتحري متخلفهم ، وإرشاد ضالهم ، وأن يتصف بحسن الخلق، والرفق والتؤدة عند التعامل مع إخوانه المصلين ، قال عليه الصلاة والسلام : (مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ) ، ويتجاوز الإمام براءة الذمة: إذا حقق المطلوب ولم يقصر فيه، وكان ساعياً إلى كل ما كان فيه نفع لجماعته وأهل الحي من حوله حريصاً على .

 وفي هذا الصدد ، نصح الشيخ الدكتور عبدالله الطيار أئمة المساجد وخطبائها  بأن يفقهوا الناس ويعلموهم ويبلغوهم ما أعطاهم الله من العلم، وأن يسابقوا إلى هذا الخير، وأن يسارعوا إليه، وأن يتحملوا هذا الواجب بإخلاص وصبر ، وأن يحتسبوا ذلك عند الله ، حتى يبلغوا دين الله لعباد الله ، وحتى يعلموا الناس ما أوجب الله عليهم وما حرم عليهم ، فكل طالب علم منَّ الله عليه بالفقه في الدين ، وكل عالم فتح الله بصيرته ، عليه أن يستغل ما أعطاه الله من العلم ، وأن يستغل كل فرصة تمكنه من الدعوة ، حتى يبلغ أمر الله وحتى يعلم الناس شريعة الله ، وحتى يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويشرح لهم ما قد يخفى عليهم مما أوجبه الله عليهم أو حرمه عليهم .

عقب ذلك ، تحدث فضيلته عن رسالة المسجد الخطابية وأثرها التوجيهي على الفرد والمجتمع ، وخصوصاً الرسالة المنبرية، فالمنبر يعتبر دعامة قوية في مساجد المسلمين، عليه يقوم العلماء والخطباء والدعاة ، ومن فوقه تعلو الأصوات وتوجه الإرشادات والعظات .

والمنبر له رسالة عظيمة وجليلة ، فهو مكان تعليم وإرشاد ، ونصح ، وتذكير ، منه تسمع المواعظ والدروس والتوجيهات وعن طريقه ينشر العلم ، ويعلم الجاهل ، ويذكر الغافل ، ويبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام .

وتطرق فضيلته إلى أحوال الخطيب اللائقة قبل الخطبة ، ولصفات السلوكية للخطيب ، كيف يعد كل منا موضوع الخطبة ، مقاصد الخطبة الأسبوعية ، وصفات الخطيب الإلقائية: ، وأسس الخطيب الناجح ، وأسس البناء الثقافي للخطيب ، وروحانية الخطيب ،ومصادر الخطبة:  الوعي الجماهيري.

وأبان الدكتور عبدالله أن من وسائل الارتقاء بالمنبر : (البناء الروحي : بديمومة التعبد وإصلاح النفس) ،(الحس الثقافي: بالتواصل المعرفي) ، (الأثر النبوي : بتوظيف السنن على النفس اقتداءً وعملاً) ، (الاهتمام المعتبر: المورِث لليقظة، واستعظام شأن الخطبة) ، (حسن التدرب: بكثرة الإلقاء) ، (حسن التحضير: بالبحث والتنقيب وتهيئة العناصر والأدلة ، والشواهد والأخبار) ، (اللمسة التجديدية : من خلال تنويع الموضوعات) ، (حسن الإلقاء) ، (النضج الفكري : بحسن اختيار الموضوع ، ومراعاة أحوال الناس) ، (القوة الشخصية: المتمثلة في صمود الخطيب، وصلابته، وحسن هندامه، وهدوئه ورزانته، وقوة إقناعه) ، (مواكبة الأحداث: بحيث لا يكون بعيداً عن أشجان المسلمين وأحاسيسهم) ، (الإصغاء للنقد:لأن الناقد بصير والمستمع لمّاح) .

وأوصى فضيلته خطباء الجوامع أن يحرصوا على رسم الطريق الصحيح للمسلمين، وتبصيرهم بوسطية الإسلام وسماحته وعدله، ويحذروهم من الفكر الضال الذي أثر على مجتمعات المسلمين، فكان سبباً في إغلاق أبواب خير عظيمة، وسد طرق للعلم كثيرة ، كما ينبغي على كل خطيب سلوك هدي الحبيب في التعليم والتوجيه والنصح والإرشاد، فهو خير سبيل ، والبعد عنه سبب في الجنوح عن الطريق، والوقوع فيما يضر الأمة قبل الأفراد والمجتمعات.

وفي سياق حديثه ، تناول الدكتور الطيار ً: الوسطية بين المفهوم الشرعي والمفاهيم المغلوطة موضحاً أن الوسطية المطلوبة هي المرتكزة على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، مشيراً إلى أن الوسطية والاعتدال: معنيان مترادفان في المفهوم اللغوي، والشرعي الاصطلاحي، فهما: العدل والاستقامة والخيرية والاعتدال والقصد والفضل والجودة ، فالاعتدال والوسطية منهج الحق، ومنهج الأنبياء وأتباعهم، ويتمثل ذلك بالإسلام بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وبالسنة، ومنهج السلف بعد ظهور الأهواء والافتراق، فأهل السنة والجماعة هم العدول الأخيار في العقيدة والعبادة والأخلاق والمواقف.

 وقال : إن المملكة العربية السعودية تعتبر الامتداد التاريخي والحضاري لدولة الإسلام الأولى ، فقد تأسست على هدي الكتاب والسنة منذ نشأتها الأولى، وقد ارتسمت في منهجها التزام النهج النبوي وهدي السلف الصالح، وقد توالى بعد ذلك على هذه الدولة الفتية الأمراء والملوك يأخذون على عاتقهم المحافظة على مبادئها والعمل على تحكيم شرع الله في كل شؤونها، وقد تبوأت هذه الدولة ـ بفضل الله أولاً ـ ثم بجهد أولياء أمورها وعلمائها ومواطنيها مكانة عالية مرموقة في أوساط العالم كله، فقد جمعت بين هدي الإسلام وتعاليمه وبين أسباب الحضارة والتقدم في جميع المجالات.

وأكد فضيلته أن وسطية الإسلام تقتضي إيجاد شخصية مسلمة متزنة تقتدي بالسلف الصالح في شمول فهمهم واعتدال منهجهم وسلامة سلوكهم من الإفراط والتفريط ، والتحذير من الشطط في أي جانب  من جوانب الدين ، والتأكيد على النظرة المعتدلة المنصفة والموقف المتزن من المؤسسات والأشخاص في الجرح والتعديل ، وهي التي تلزم الأمة الإسلامية بمقاومة الغلو والتطرف في الدين ، ورد الغلاة إلى منهج الاعتدال والحكمة، ورعاية حقوق نفسه وحقوق غيره ، وهي التي تقف حائلاً دون الوقوع في الغلو والتشدد، ولها الأثر الطيب في الحد من تلك الظواهر الغريبة على الإسلام وأهله ، وإذا طبقها المسلمون في حياتهم حازوا على السبق، وفازوا بخيري الدنيا والآخرة ، مؤكداً على أهمية تأصيل منهج الوسطية ومعالجة الغلو والتطرف والتعصب الديني، مع تنمية الوازع الديني لدى أفراد المجتمع، والاهتمام بالنشء، بالتوجيه من خلال المنابر، وتعليم المسلمين المنهج الوسط، وتحذيرهم من مناهج الغلو والتطرف،والتفريط في أمور الدين.

ثم عرض فضيلته بعد ذلك  ضوابط الوسطية المطلوبة في منهج الخطيب من القرآن والسنة ، فقال: إن من الضوابط المطلوبة في منهج الخطيب، التوجيه لما يلي: أهمية اجتماع الكلمة ومنزلتها في الإسلام ، مع ضرورة لزوم الجماعة والحذر من الفرقة ، و إيضاح منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع أولياء الأمور، وبيان حقوقهم، ووجوب طاعتهم في المعروف. قال صلى الله عليه وسلم : (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : (من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية) ، و تذكير المسلمين بأهمية الوسطية في الإسلام ، [وكذلك جعلناكم أمة وسطا] ، والتحذير من فكر التكفير والتفجير، مع تعظيم حرمات الدماء المعصومة من المسلمين وغيرهم قال صلى الله عليه وسلم (لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) ، وقال صلى الله عليه وسلم : (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)(رواه البخاري) ، ومن الضوابط المطلوبة في منهج الخطيب، التحذير من  خطورة الغلو في الدين، قال صلى الله عليه وسلم (إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ) ، والتأكيد على وجوب التمسك بالكتاب والسنة، وخاصة عند وقوع الخلاف، وموقف المسلم من الفتن وكيفية التعامل معها، و تقوية المواطنة الصالحة في ضوء تعاليم الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) ، و بيان فضل العلم والعلماء وأثرهما في التربية والتوجيه، ،وبيان دور الجهات التعليمية في تربية النشء وحفظ الأمن ، و ضرورة الأمن وأثره في حياة الناس.إلى غير ذلك من الضوابط المهمة التي ينبغي على الخطباء التوجيه إليها، وحث الناس على التمسك بها ، وتجنب ما يخالفها ويضادها .

  واسترسل فضيلته في حديثه عارضاً  نماذج من وسطية الرسول صلى الله عليه وسلم وثمارها على المجتمع:فقال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم أخطب الخطباء وأفصح الفصحاء، فلقد جمَّله الله بمحاسن البيان،  وآتاه جوامع الكلم ، واختُصرَ الكلام له اختصاراً ، وأوتي معه قدره وابتكاراً ، ولخطبه الجليلة الشريفة معالم مهمة يجب الاقتداء بها : الإيجاز البليغ ، وعدم التطويل إلا أحياناً وله أسبابه وظروفه،  البدء بالتحميد والثناء، والصلاة على نفسه صلى الله عليه وسلم والتشهد ، والوضوح والبيان ، دون غموض أو تلبيس ،و الإثراء القرآني في الخطبة، بحيث يضفي فيها القرآن جمالاً بمواعظه وقصصه وأسراره ، والصحابية لم تأخذ سورة ( ق ) إلا من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرة قراءتها ،والترسل في الكلمات والجمل ، حيث يحصيها المحصي ، ويعدها العاد، و قول (أما بعد) بعد الحمد لله والثناء ، وارتفاع الصوت وجلاؤه ، وجهوريته بلا كلل أو إزعاج ، والتفاعل الشكلي باحمرار العينين، واشتداد الغضب، والنذارة الشديدة لاسيما موضوعات التخويف عند نزول الشدائد والمحن وإنكار المنكر ونصح من يلزمه النصح ، وتعليم الجاهل أثناء الخطبة ، مراعاة أحوال الناس وحاجاتهم .

  وانتهى إلى القول : فينبغي على الخطباء والأئمة والدعاة السير على منهجه، والتمسك به، والدعوة إليه، وأن يكونوا قدوة لغيرهم في هذا الخير، وأن يتعاونوا على تعليم المسلمين أمور دينهم، وأن يرفقوا بالناس كما رفق نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وأن يبينوا سماحة الإسلام ووسطيته، وأن يحذروهم من سلوك الفكر الضال، وأن يغرسوا في نفوسهم حب العلماء ولزوم غرسهم، وأن يطيعوا ولاة أمرهم في المعروف، وأن يحافظوا على أمن وسلامة وطنهم من الفكر الدخيل، وأن يربوا أولادهم على حب الدين والوطن وأن يتخذوا هذا العمل سبيلاً إلى مرضات الله تعالى وقربة لهم لدخول الجنات.

من جانبه أكد الشيخ عبدالله اللحيدان في الجزء الثاني من الندوة على أهمية تفعيلِ الوسطية وتطبيقاتِها في شتى نواحي الحياة ،وقال : ولما للمسجد ورسالته من أهمية في إيصال رسالة الإسلام فمن المتأكد في حق أئمة المساجد قيامُهم بالعمل المطلوب منهم شرعا لتعزيز الوسطية في المجتمع ، ثم عرض فضيلته بعضاً من تطبيقات الوسطية في وسائل تحقيق رسالة المسجد ، وقال : إن من معاني الوسطيةِ استقامةَ المنهج ، والبعدَ عن الميل والانحراف ، ولذلك فالمسلم يسأل ربه الهدايةَ للصراط المستقيم كلَّ يوم في صلاته {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } غير المغضوب عليهم الذين أفرطوا إذ عرفوا فانحرفوا ، ولا الضالين الذين فرطوا إذ جهلوا فانحرفوا.

 وأضاف قائلاً : وإذ رسالةُ المسجد تتحقق في أمور فإن الوسطيةَ ملازمةٌ لهذه الأمور وتطبيقاتِها ، ففي إمامةِ الناس في الصلاة وسطية ، فلا إطالةٌ تشقُّ على الناس ، ولا استعجالٌ يُذهب الخشوعَ والاطمئنان ، وفي الخطابة وسطية سواءُ في طول الخطبة وقصرها أو غير ذلك ، فالموفق من وفق في تطبيق الوسطية التي أكد عليها نبينا المصطفى  فقال : ( إنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِن فِقْهِهِ ) ، كما تتضحُ أهميةَ تحقيقِ رسالةِ المسجدِ للوسطيةِ في المجتمع ، من خلال الدورِ الذي يجبُ أن يقومَ به الإمامُ والخطيبُ من تعليمِ الناسِ أمورَ دينِهم وربطِهم بالكتابِ والسنةِ والأخذِ عن العلماءِ الربانيين ومجموعِهم .

وخلص فضيلته إلى القول : وفي العموم إن تطبيقاتِ الوسطيةِ المحققةِ لرسالةِ المسجدِ تتلازمُ مع الأعمالِ المناطةِ بالإمام في مسجده و في سائر حياته فلينتبه كلُّ إمامٍ لذلك وليحذر من أن يفتقد الناسُ وسطيتَه ، فأنى له أن يرشدهم لها حين ذاك .

ثم تحدث الشيخ عبدالله اللحيدان عن بعض من معالم تطبيقات الوسطية في أداء الخطيب، وقال : منهج الإسلام هو المنهج الوسط ، والطريقة الموصلة للإسلام يجب أن تكون هي الطريقة الوسط قال تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، فمن معالم وسطية التطبيق (الثبات) في توضيح منهج الوسط عند تضارب الأقوال واحتدام الأفكار وتشتت الطرق و عدم الانسياق وراء ما يثار حول الثوابت من الدين وما أجمع عليه العلماءُ الربانيون لا ننساق مهما علت دعاوى نبذ التشدد و استضافة التجديد أو بدعوى متطلبات العصر والتنوير ، أو بدعوى التيسير في الإصلاح واللين في التبليغ ، أو أي دعوى تناويء أسس الدين وفتاوى كبار العلماء وما أجمع عليه فقهاء ألأمة ، بل الخطيب ثابت كالطود في تمسكه بوسطيته مهما ادلهمت الخطوب وتشعبت السبل ، ومن معالم وسطية التطبيق (مراعاة الحال) وقد يسمى فقه الواقع، ومن معالم وسطية التطبيق (التزام الرجوع إلى العلماء الربانيين) فلا اعتبار في المسجد لرأي يخالف رأي علماء الأمة وهذه نقطة هامة جدا إذ يجب التفريق بين المختار للفتوى الخاصة وبين المختار للفتوى العامة فلا يختار الإمام  للتطبيق على الناس إلا ما اختاره ولي الأمر الذي عينه للإمامة نائبا عنه ولا ينشر عبر المنبر الذي أوكله عليه ولي الأمر ما يخالف اختيار ولي الأمر ، ومن معالم تطبيق الوسطية (مراعاة فقه المآلات) ، كما قال تعالى : {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) ، ومن المعالم أيضاً( مراعاة الأولويات ) فالشر أنواع يدرء الأقرب فالأقرب وفي الخير يقدم الحديث عن الأشد حاجة على الأقل ، ومن معالم وسطية التطبيق ( الواقعية ) وهي غير فقه الواقع والمقصود أن تتعامل مع الأمور بواقعية كي لا تقع بالشطط المخالف لمنهج الوسط  ولكن نسلك في التعامل مع الظواهر الحادثة مسلك الوسطية فلا نهمل الورم البسيط حتى يكبر ولا نضخم النتء البسيط وليس بشيء ، ندين بشدة ونبين الجريمة ونسعى بتوعية الناس لمواجهة الظواهر والأعمال الفاسدة وفي المقابل لا ننزاح للتساهل والتفريط .

بعد ذلك قدم فضيلة مدير فرع الوزارة بالشرقية نماذج مما يخالف تحقيق الخطيب أثر الوسطية في المجتمع ، وخلص إلى القول إن سلوك التطرف وفكر الغلو، أمران طارئان على بلادنا ، ولم يصدرا من منابع التربية في مجتمعنا بحال من الأحوال. فمناهج العلماء وفتاواهم والمحاضراتُ الدينية والمناهجُ الدراسية كلُها قائمةٌ على الوسطية والاعتدال، والتحذيرِ من الوقوع في مهالك الغلو.

وعبر فضيلته عن اعتقاده أن معتنقي التطرف والغلو على فئتيه  ليسوا إلا قلة قليلة بالنسبة للعامة الذين هم على منهج الوسط وخيارِ الاعتدال ونبذ الغلو في المعتقد والعبادة والسلوك كما أن الوضع ولله الحمد والمنة مراقب بفضل الله من ولاة أمر نحمد الله أن هيأهم لنا ليقيموا شرع الله فينا ويراقبوا تطبيقاته بنا .

  وفي ذات الصدد ، عبر الشيخ اللحيدان عن إشادته وغبطته وسعادته بما صدر مؤخرا من قرار خادم الحرمين الشريفين – وفقه الله ورعاه – مما يحسن أن يسمى “وثيقة ضبط الفتوى التأريخية” حول قصر الفتوى العامة على هيئة كبار العلماء مما يحفظ على الناس دينهم لأنه كما ورد في القرار السامي من توطئة شرعية جامعة مانعة  فيها وصف واقعي للحال وما يخشى عليه من مآل ما يصدق عليه القول مما وجد من فوضى الفتاوى فجاء التنظيم بأمر سام ليحد من انتشار ما يلبس على الناس دينهم ،  قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه” إنكم لن تزالوا بخير ما دام العلم في كباركم فإذا كان العلم في صغاركم سفه الصغير الكبير ” .

وخلص فضيلته إلى القول : إن الفتوى من الولايات العامة التي لولي الأمر تحديد من يقوم بها ومنع من سواه ليجتمع الناس في أخذ دينهم مما لا فوضى فيه ولا مراء معه واختيار ولي الأمر يرفع الخلاف فلله الحمد والمنة ، وباسم هذا الجمع المبارك يطيب لي أن أرفع الشكر لمقام خادم الحرمين الشريفين على ما قرر سائلين المولى ـ عز وجل ـ أن يجزل الأجر والمثوبة لخادم الحرمين الشريفين ، وأن يديم على هذه البلاد دينها وولاتها وأمنها واستقرارها .

وقد تم نقل فعاليات الندوة عبر الشبكة الالكترونية إلى جميع محافظات المنطقة عدا محافظتي الأحساء وحفر الباطن ، حيث أقيمت فيهما ندوتان مماثلتان للأئمة والخطباء .

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*