الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » السعودية وجدية الانخراط في محاربة الإرهاب : نماذج فكرية وعسكرية .

السعودية وجدية الانخراط في محاربة الإرهاب : نماذج فكرية وعسكرية .

يعود سبق اكتشاف الطرود الملغومة التي تستهدف سلامة الطائرات وأمن المسافرين وعموم مواطني الدول الغربية ، إلى المعلومات التي زودت بها المصالح الأمنية السعودية نظيرتها الغربية بناء على معطيات قدمها جابر بن جبران بن علي الفيفي العضو بتنظيم القاعدة في اليمن ، وأحد المطلوبين للجهات الأمنية في السعودية الذي ورد اسمه ضمن قائمة الـ 85 المطلوبين للعدالة ، والذي قرر تسليم نفسه إلى سلطات بلاده أياما قليلة قبل موضوع الطرود الملغومة. ومرة أخرى تؤكد السعودية حرصها على التعامل الجدي والحازم مع التهديدات الإرهابية وانخراطها الفعلي في محاربة الإرهاب ودعم الجهود الدولية مكافحة مخاطره .
وما يميز الانخراط الجاد للسعودية في الحرب ضد الإرهاب أمران اثنان :

الأمر الأول : الإقرار بتحمل مسئولية نشر فكر التطرف على نطاق واسع داخل المجتمع ومرافق الدولة مما ساهم في تغذية عناصره بالعقائد الهدامة والمنحرفة . والأهم في هذا الإقرار أنه صادر عن جهات رسمية في الدولة السعودية وليس فقط الباحثين والإعلاميين . بل حتى بعض الأكاديميين والدعاة الذين كانوا يحملون فكر التطرف وعقائده وينشرونهما ، أعلنوا تراجعهم عن قناعاتهم المنحرفة وانخرطوا في مواجهة العقائد التدميرية التي استند إليها تنظيم القاعدة .

وكان آخر هؤلاء الدكتور عبد العزيز الحميدي الذي لم يكتف بإعلان تراجعه عن فكر التطرف والعودة «لجادة الصواب والحق، وابتعادا عن مزالق الضعف»، بل يخصص سلسلة حلقات على التلفزيون السعودي للرد على دعاة الغلو وأمراء الدم وتسفيه عقائدهم التي اعتبرها السبب الرئيسي لـ«تشتيت الأمة، بل تشظيها وتمزيق صفها». ويقر في الوقت نفسه ، بأن مرحلة التطرف التي عاشها من قبل كانت «خداعا وتدليسا على الأمة» . كما انخرطت في مواجهة فكر التطرف هيئة كبار علماء السعودية في مناسبتين بارزتين :

المناسبة الأولى هي انعقاد الهيئة في اجتماع ضم 20 عضوا برئاسة المفتي العام في أبريل 2010 ، حيث أصدرت تعريفا للإرهاب ركز على جملة من أوصافه ومنها “استهداف الموارد العامة، والإفساد، وخطف الطائرات، ونسف المباني”. كما أصدرت الهيئة فتوى تجرّم الإرهاب وكل أشكال دعمه كـ “الإيواء والمعاونة والتستر والتنظير الفكري والدعم المادي والمعنوي الذي يدعم هذا النوع من الأعمال”. وكان تعريف الإرهاب أكبر عقبة تحول دون مواجهته . إلا أن الهيئة حسمت الأمر بوضعها تعريفا شاملا لجميع الأعمال الإرهابية حتى لا يبقى غموض أو عذر .

المناسبة الثانية : مشاركة الهيئة في مؤتمر ماردين ،جنوب تركيا ، الذي ضم15 عالما بارزا من علماء الدين ، والذي أبطل فتوى ابن تيمية التي يتخذها المتشددون سندا لتقسيم العالم إلى دار إيمان ودار كفر ، ويكفرون بها الأنظمة الحاكمة والشعوب المسلمة . وليس أمرا هينا على هيئة كبار علماء السعودية اتخاذ موقف من هذا النوع ينقلب على فتوى ابن تيمية التي يمثل المرجع الأعلى للوهابيين .

ولعل انخراط هيئة كبار علماء السعودية في المواجهة الفكرية ضد التطرف شجع القطاعات الحكومية على استهداف البنية الفكرية والإيديولوجية داخل الإدارات والمؤسسات التابعة لها . ومن أبرز القطاعات التي اعتمدت هذا النهج ، قطاع التعليم الذي يضم نسبة كبيرة من معتنقي فكر التطرف والمتعاطفين مع تنظيم القاعدة . إذ أعلن مدير إدارة الأمن الفكري الدكتور عبد الرحمن الهدلق في وزارة الداخلية في شهر يونيو 2010 عن وجود2000 معلم تم إيقافهم وإبعادهم عن مهنة التدريس، بسبب آرائهم المتطرفة خلال السنوات الخمس الماضية ، فيما تم اعتقال 200 مدرس . وهو ما يمثل 2 في المائة من مجموع المدرسين البالغ عددهم 200 ألف . ولنا أن نتصور مدى تأثير هؤلاء المدرسين على عقول ونفوس التلاميذ وعلى مدى عقود . وهذه مشكلة ظلت الأسر والصحافة تنبه إلى خطورتها . ذلك أن تأثير الأفكار لا يقتصر على صغار السن ، وإنما يمتد خطره إلى الكبار والمثقفين . وهذا ما سبق وذكره الدكتور عبد السلام بن سالم السحيمي منسق لجنة المناصحة بالمدينة المنورة وعضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية، لإحدى الصحف المحلية «عن وجود أكاديميين سعوديين ذوي مكانة اجتماعية مرموقة قد خضعوا للمناصحة وذلك لتأثرهم بالفكر المتطرف» .

الأمر الثاني الذي يميز انخراط السعودية في مكافحة الإرهاب هو اعتمادها خطة شمولية لمحاربة التنظيمات الإرهابية وتجفيف منابعها . إذ فضلا عن الإجراءات العقابية ضد المدرسين حملة العقائد التكفيرية ، استحدثت وزارة التربية والتعليم أخيراً استمارة تقويمية تقدم للمتبارين على الوظائف التعليمية أثناء المقابلات الشخصية بهدف قياس توجهاتهم الفكرية ومدى استعدادهم لاعتناق أفكار التطرف كخطوة ضرورية للحد من تزايد المدرسين المتطرفين . بالإضافة إلى حملة السكينة والمناصحة التي ركزت على محاورة المتطرفين داخل السجون وخارجها وفتح باب التوبة والمراجعة أمامهم ، حيث استطاعت نسبة لا بأس بها من المعتقلين التراجع عن عقائد الانحراف والالتزام بالمقتضيات الفكرية والإدارية التي على أساسها شملهم العفو. بينما سجلت السلطات السعودية عودة نسبة 25 في المائة ممن أُفرج عنهم من السجناء السعوديين في معتقل غوانتانامو عادوا مجدداً إلى تشددهم وتطرفهم ، ومنهم من تزعم خلايا إرهابية في اليمن وخطط لتنفيذ عمليات إجرامية داخل السعودية كان على رأسها محاولة اغتيال الأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية . ورغم تعدد المقاربات التي نهجتها السعودية في تعاطيها مع ظاهرة الإرهاب ، فإن الخطر لازال قائما ، بل يتعاظم بشهادة الأمير نايف الذي صرح بأن المحاولات الإرهابية التي تم التصدي لها وإيقافها بلغت أكثر من”220 محاولة استهدفت مواقع ومسؤولين” . الأمر الذي جعل السلطات السعودية تتعامل بشدة مع الإرهابيين من حيث طبيعة الأحكام وتنفيذها ، ويتعلق الأمر بأحكام الإعدام التي نفذتها ضد المدانين بها . وقد مكنتها الحرب ضد الإرهاب من مراكمة خبرة عالية في رصد العناصر الإرهابية وتفكيك مخططاتها ؛ مما عزز لديها القناعة بنجاعة المقاربة الأمنية وأهميتها في تشديد الخناق على العناصر المخربة .

وهذه النجاعة كانت محط تنويه تقرير الخارجية الأمريكية عن الإرهاب في السعودية ، حيث جاء فيه (وواصلت حكومة المملكة العربية السعودية اتخاذ إجراءات لتعزيز حدودها المادية وتحسين عملية الفحص الأمني لها.وعملت وزارة الداخلية على زيادة السلامة الشاملة وتأمين حدودها الجوية والبحرية والبرية عن طريق تحديث بنيتها الأساسية وتشديد الإجراءات. ووضعت وزارة الداخلية أيضا أجهزة فحص بيومترية في المطارات. وواصلت السعودية تحقيق تقدم في محاربة غسيل الأموال والتمويل الإرهابي.وتعين على البنوك الإبلاغ عن التحويلات المشتبه بها إلى وحدة التحقيقات المالية التي هي جزء من وزارة الداخلية) . ورغم كل الفاعلية والإجراءات المتخذة ، فإن خطر الإرهاب يزداد بسبب الأوضاع الأمنية المتردية في اليمن ، والتي توفر بيئة مواتية لتقوية نفوذ تنظيم القاعدة ، ومن ثم زعزعة استقرار دول الجوار وفي مقدمتها السعودية .

-- سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*