الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » اليمن: فكّا «كماشة التطرف الاسلامي»

اليمن: فكّا «كماشة التطرف الاسلامي»

الصورة من كنيسة الكرادة في بغداد الى مساجد باكستان، مروراً بظاهرة الطرود المفخخة المتنقلة بين عواصم العالم، ليست مختلفة، إذ يوحدها شعار الدموية الذي يرفعه تنظيم القاعدة تحت مسميات متنوعة.

منذ الدخول الاميركي الى افغانستان وسقوط نظام طالبان المحتضن للتنظيم، وتنظيم «القاعدة» يبحث عن ملاذ استراتيجي يكون منطلقاً له في حربه المفترضة ضد الولايات المتحدة والغرب… وفي هذا السياق يأتي انتقال مجموعات كبيرة من أفراده للعمل في اليمن، حيث الخشية من أن ينبئ انهيارُ اليمن ببروز نظام على نمط نظام طالبان، إلا أنّ هذا الانهيار، إن حدث، فلن يشكّل بالضرورة مكسباً للمتشدّدين الذين يحصلون على كل مميزات العمل في بيئة حاضنة تساعدهم على تنفيذ مخططاتهم.

وثمة مؤشرات على ان تنــظيم «القاعدة» بجناحه اليمني ليس مجرد مجموعة من الناشطين العاملين من دون برنامج أو أن عملهم ينطلق من مبادرات غير ناضجة، وفي هذا المجال لا بد من رصد عدد من المحاولات للنيل من اهداف غربية بلغ عددها خمسة في غضون عشرة أشهر.

فحادثة ارسال الطردين المفخخين الى الولايات المتحدة ليست معزولة عما سبقها وهي الخامسة، وسبقتها محاولة لتفجير طائرة تجارية فوق ميشيغان وهجمات على ثلاثة ديبلوماسيين بريطانيين في اليمن، كان احدها تفجيراً انتحارياً فاشلاً استهدف السفير نفسه… كل هذه العوامل جعلت من الجناح اليمني لـ «القاعدة» أكثر خطورة من نظيره الباكستاني.

ومن الملاحظ ايضاً ان «القاعدة» سرّعت من جهودها لاستقطاب المحازبين من خلال إطلاقها عددين من مجلة ناطقة بالانكليزية تحمل عنوان «Inspire». كما اعلن التنظيم عن تأسيس وحدة من ضمن هيكليتها، مهمتها الاطاحة بالرئيس اليمني وتأسيس دولة اسلامية، مساوياً بين وضعه الحالي وما كانت عليه «طالبان» قبيل تأسيس دولتها في افغانستان.

النظرة المعمقة الى هذه التفاصيل تعطي الانطباع بأن الشرق الاوسط ربما يشهد في الأمد المتوسط نشوء دولة على غرار افغانستان، وهذا سيشكل بلا تردد مبعث قلق للدول العربية، لأنه سيمس أمنها القومي مباشرة، وهذا الامر يستدعي تيقظاً وأخذاً على محمل الجد، لأن العالم العربي الغارق في هموم ومشــاكل تسبب تأخره عن اللحاق بركب التطور العالمي، إلا ما تيسر، لن يكون في مقدوره تحمل عبء مواجهة إضافية بعد تلك التي يخوضها منذ عام 1948 مع اسرائيل والاشكالية الكبرى التي تنتظره من الجارة ايران، التي اصبحت قاب قوسين من امتلاك القنبلة النووية.

غير ان «القاعدة» في اليمن تواجه في مسعاها للسيطرة على الارض إشكالية النفوذ القبلي في مناطق واسعة لا تُحكم صنعاء السيطرة عليها. كما ان محاولاتها لإقامة خلافة عالمية، ونزوعها إلى العنف المفرَط ضدّ المدنيين، وأيديولوجيتها الدينية المتشدّدة تتضارب مع الواقع المحلي وتُضعِف جاذبيتها لدى اليمنيين، بمَن فيهم القبائل، لذا يسعى التنظيم للوصول الى قواسم مشتركة تجعله يعمل بحرية مقابل تأمينه متطلبات تساعد الحكم المحلي، إن جاز التعبير، على تثبيت مواقعه بالاستفادة من بعض التدفقات النقدية وتأمين الخدمات الاساسية للسكان.

وستترتب على انطلاق «القاعدة» للعمل بحرية في اليمن مخاطر لا تُحصر بتحوّله الى قوة في مواجهة مد التطرف الايراني، بل ايضاً في نقل تهديده الى قلب دول الخليج، وهذا ما بدا واضحاً في عمليات الطرود المفخخة التي وجهت في بداية الأمر الى دبي.

بهذا المعنى، تبدو المنطقة واقعة بين فكي «كماشة التطرف الاسلامي» بوجهتيه السنية والشيعية، والمتمثلة بـ «القاعدة» والتنظيمات التي تستلهم اسلوبها من جهة، وإيران ومندرجاتها من حركات متطرفة كـ «حزب الله» اللبناني او متفرعاته العاملة في دول الاقليم، وهذا ما يغذي فرضيات الصدام السنّي – الشيعي التي تجتاح أكثر من دولة بمسميات متنوعة ويجعلها أكثر واقعية.

خطر استهداف خطوط نقل النفط انطلاقاً من اليمن موجود بقوة ايضاً، وهو يندرج ضمن ما تخشاه الولايات المتحدة لأنه لا يهدد مصالحها الاساسية في المنطقة وحسب، بل يصيب اقتصادها المتعثر في مقتل ويحرمه من استعادة عافيته.

وللتذكير، ففي تشرين الاول (اكتوبر) 2002 نفذت مجموعة من «القاعدة»، انطلاقاً من اليمن، هجوماً بمركب محمّل بالمتفجرات ضد ناقلة نفط فرنسية عملاقة، وهذا ما يرفع احتمالات تكراره، ما من شأنه ان يرفع اسعار النفط الى مستويات قياسية ويضيف الى التعثر الاقتصادي العالمي ضربة لا يمكنه الخروج من تبعاتها بسهولة.

مع تنامي خطر «القاعدة» في اليمن، فإن الدول العربية لن تجد نفسها مرتاحة لاحتمالات وجود جار كطالبان في حديقتها الخلفية، وعليها بالتعاون مع النظام اليمني القائم المسارعة إلى العمل باتجاه إيجاد الحلول الناجزة، وذلك يكمن أولاً في تنمية المناطق والأرياف وحل المشاكل الاساسية التي يعاني منها المجتمع كي لا يتحول الى بيئة حاضنة لـ «القاعدة» التي ستتحول مع الوقت الى طوق نجاة من الفقر والحاجة.

-- هيثم الطبش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*