السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » الثورة‏..‏ والثورة المضادة‏!

الثورة‏..‏ والثورة المضادة‏!

الجميع يتحدثون عن ثورة مضادة تكشر عن أنيابها الآن‏..‏ تستهدف اغتيال الإنجازات والقيم والمعاني التي جاءت بها ثورة‏25‏ يناير‏..

‏ تنشر الفوضي في طول البلاد وعرضها‏..‏ وتطلق قوي الشر والبلطجة في كل مكان‏..‏ تبدد أمن الوطن وأمان المواطنين‏..‏ تقطع الطرق الآمنة‏..‏ وترتكب جرائم السطو والخطف عيانا جهارا دون أن تجد من يردعها‏..‏ وتفرض في أمكنة عديدة بإرهاب أقلية صغيرة أمرا واقعا يفتقد الشرعية والقانون‏..‏ وتلقي ظلالا ثقيلة علي الغد‏,‏ لعل الجميع يترحمون علي الأمن برغم فساده‏..‏ وتأخذ البلاد إلي متاهة بلا مخرج‏..‏ تعوق مسيرة الانتقال السلس للحكم إلي ديمقراطية مكتملة تقوم علي بناء الدولة المدنية القانونية التي تكون فيها الأمة مصدر كل السلطات‏..‏ هدفها الأول والأخير تسييل الدولة المصرية وتدمير قوامها وفرض برنامجها الذي تنتصب صورته أمامنا علي أرض الواقع علي النحو التالي‏:‏

ذعر في كل مكان نتيجة الانفلات الأمني وغياب الشرطة‏..‏ وفوضي في المطالب الفئوية لا ترعي أولويات الوطن أو إمكاناته أو ظروفه‏..‏ ولا تريد أن تصبر بعض الوقت‏..‏ فقط ترفع سقف مطالبها علي نحو مستمر‏..‏ وخضوع غير مبرر لمزايدات شارع سياسي تحكمه مجاهيل عديدة يفتقد الحد الأدني من الوفاق الوطني‏..‏ وجنوح متصاعد نحو قسمة طائفية يمكن أن تعقد وحدة الوطن‏..‏ وبلبلة شديدة داخل الرأي العام المصري‏..‏ جعلته أيسر ماكينة شائعات مغرضة تعمل بسرعة فائقة‏..‏ توجه مسار حركته لأنه لا يجد من يدله علي الحقيقة‏..‏ بينما تتباطأ معدلات النمو إلي حدود مقلقة‏..‏ ويضعف الناتج المحلي يوما وراء يوم‏..‏ وتتوقف عجلة الإنتاج‏..‏ وتعود رءوس الأموال مرة أخري تحت البلاطة ذعرا مما يجري‏..‏ أو خوفا مما هو آت‏..‏ وتعيش مصر علي لحمها الحي لهبوط حاد في مدخلاتها المالية‏.‏

لا بأس المرة من أن نلوم مع اللائمين الثورة المضادة‏.‏ لكن الثورة المضادة تظل مجهولا كبيرا يصعب أن نمسك بتلابيبه‏..‏ ما لم يكن لدينا المعطيات والأسباب‏..‏ ووقائع الاتهام‏..‏ وقائمة المتهمين وصحيفة الأدلة‏..‏ لكننا يمكن أن نكون أكثر صراحة لنعيد المشكلات إلي أصولها الحقيقية التي تتمثل في غياب خريطة طريق واضحة لطبيعة المرحلة الانتقالية التي نمر بها تحظي بأوسع وفاق وطني‏..‏ وتحدد علي نحو شامل أهداف هذه المرحلة‏..‏ وتزيل كثيرا من عوامل الالتباس القائم‏..‏ خاصة ما يتعلق منها بضرورة أن تسبق الانتخابات الرئاسية الانتخابات البرلمانية لعدم جاهزية القوي السياسية المشاركة‏..‏ خصوصا القوي الجديدة التي صنعت ثورة‏25‏ يناير‏..‏ وخوفا من أن يسقط الحكم مرة أخري في يد فلول جماعات الحزب الوطني أو أقلية سياسية منظمة‏..‏ وضرورة تقليص سلطات الرئيس الجديد علي نحو يضمن التوازن الصحيح بين السلطات الثلاث‏,‏ وتحديد حجم التغيير المطلوب باسم الثورة ومداه خلال المرحلة الانتقالية‏..‏ وهل يشمل تقويض الدولة بالكامل أم أن التغيير المنشود ينحصر في اجتثاث الفساد بسطوة القانون‏..‏ وتعزيز نظم المساءلة والشفافية والحساب‏..‏ وتوسيع حقوق المشاركة السياسية بما يحول دون استبعاد أي قوة تعترف بالأمة مصدرا لكل السلطات‏..‏ وتقبل بتداول السلطة عبر انتخابات نزيهة‏..‏ وإصلاح الحد الأدني للأجور بهدف ترسيخ القاعدة الأساسية للعدل الاجتماعي‏..‏ وتخفيف حدة المطالب الفئوية كي تجري الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة بعيدا عن المزايدات‏..‏ والحفاظ علي مصر قوة جذب لاستثمارات الداخل والخارج كي تتمكن من توليد فرص عمل تفي بمطالب أجيالها الجديدة‏.‏

ويمكن أن نكون أكثر شجاعة ونقبل بعض النقد الذاتي‏..‏ لأننا تأخرنا في أن نظهر بعض الحسم عندما كان الحسم ضروريا لوضع الأمور في نصابها الصحيح‏..‏ وأرجأنا الحوار الوطني حول صورة الوطن الذي نريده جميعا لنصبح أسري مجاهيل عديدة توجه أحداث الشارع السياسي نحو أهدافها الخاصة‏..‏ ولم نفطن لمغزي وخطورة الهجمات المتزامنة التي استهدفت حرق مقار الشرطة‏..‏ وتدمير سجونها‏..‏ والعبث بوثائقها في عملية منظمة لاتزال تحيط بها مجاهيل عديدة تثير أسئلة خطيرة لاتزال بغير جواب‏..‏ هدفها تقويض قوام الدولة‏..‏ وإسقاط هيبتها‏..‏ وإخلاء الساحة من أي قوة ردع مؤثرة تحافظ علي النظام العام‏..‏ وتحمي القانون كي تنطلق قوي الهدم والبلطجة والفوضي تفعل ما تريد بغير حساب‏.‏

وبرغم أن المشكلات تتفجر الآن في كل مكان تحاصر حكومة د‏.‏ عصام شرف‏..‏ فإن فرص النجاح تبدو مؤكدة إذا استطاعت الحكومة أن تحدد بوضوح قاطع مهامها خلال المرحلة الانتقالية‏..‏ ورسمت لنفسها خريطة طريق تحظي بوفاق وطني عام‏..‏ واعتبرت الحفاظ علي الدولة خطا أحمر يعدل احترام أهداف الثورة‏..‏ يلزم الجميع احترام الشرعية والنظام العام وحكم القانون‏..‏ وأكدت التزامها الكامل بحقوق الإنسان المصري في وثيقة جديدة معلنة تكون جزءا من دستور عمل الشرطة وباقي الأجهزة التنفيذية التي تتعامل مع المواطنين‏.‏

وما يعزز فرص نجاح حكومة د‏.‏ عصام شرف التزامها بجوهر ثورة‏25‏ يناير الذي لايزال يضوي في سماء مصر‏..‏ نقيا ساطعا يتجاوز بمراحل كل صور الخلافات العقائدية والأيديولوجية والدينية‏..‏ ويفتح باب الأمل واسعا أمام ديمقراطية مكتملة‏..‏ لم تلوثها بعد ألاعيب السياسة الصغيرة‏..‏ ولم يدنس يدها عنف التطرف‏..‏ ويراها العالم أجمع ظاهرة جديدة في الثورة‏..‏ تستحق المساندة والدعم والتشجيع‏..‏ لأنها جعلت فكر القاعدة والجماعة وآيات الله جزءا من مخلفات عصر مضي‏..‏ وتمكنت من أن تنجز في أسابيع محدودة ما عجزت عنه هذه الجماعات لسنوات طويلة‏.

-- أخبار مصر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*