الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » ثورة ملك ومباركة شعب

ثورة ملك ومباركة شعب

حتى العَرَق لم يتفصد من وجوه المواطنين في سبيل تحقيق مطالبهم وتطلعاتهم، وما يحلمون به، وما لا يحلمون، فضلاً عن قطرة دم زكية، أراقتها بغزارة شعوب مغلوبة على أمرها، أرهقها التطلع وأزهقها الانتظار

وأجهدها الخبب في سبيل البحث عن الكفاف والعفاف والدواء والإيواء، وتأمين أدنى حد من العيش الكريم، ولما تحصل على شيء منه بعد على الرغم من إسقاطها الحكومات، وتعرضها لطاعون الفراغ الدستوري.

بل أكاد أجزم بأنها فقدت ما بين أيديها وما خلفها من رسيس الأمن الغذائي والنفسي، كما تحوَّلت هي وأشياؤها إلى طريدة منهكة يجتالها الطامعون من كل جانب، ويقعدون لها كل مرصد، ويتنازعها الفرقاء من طائفيات متناحرة، وعرقيات متفانية، وحزبيات متطاحنة، وجماعات مُفرِّطة أو متطرفة، ودول متسلطة ذات مصالح، لا يهمها في سبيل تحقيقها أن تضوى أجسام الشعوب، أو أن تُذل كرامتها حتى يقول الناجي: اللهم لا أسألك إلا نفسي، وحتى يتمنى المنتظر قبر من قضى نحبه.

وإن دولة أحكم بناءها رائدُ أُمَّة لا يكذب أهله، وحافظ ساقة لا ينام عنها، وأقام شوامخها على كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، ستظل بين (لا) و(إلا): لا للفرقة ولا للتنازع ولا للعصيان.. (إلا) أن تمس كلمة التوحيد أو وحدة الكلمة أو تهان كرامة الأمة.

لقد كان هذا الكيان الذي أطعم اللهُ أهلَهُ من جوع وآمنهم من خوف على موعد مع نجل المؤسس، والنجل بعض من نجله؛ ليقوم بثورة إصلاحية شاملة، يقودها بنفسه، طاقتها الثقة بالله وبمَنْ ولي أمره، وشعارها المحبة في الله، وسبيلها المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما إنْ كانت قاب قوسين أو أدنى بات المستهدفون يدوكون ليلهم: كيف يكون مسارها؟ وكيف يكون شعارها؟ أتكون وعوداً معسولة يمحوها النهار؟ أم تكون زخات من العطاء المدرار، تقول للناس: هاؤم اقرؤوني عياناً لا خبراً، وتَقَمَّروني بلَمْس لا بحَدْس.

لقد تدفقت الأوامر الملكية لا كسحابة صيف بصواعقها وبروقها وسرعة انقشاعها، ولكنها ديمة مثقلة بالعطاء، تهمي برفق، وتروي بشمول، تُنبت الزرع، وتدر الضرع، وتغمر الوهاد والنجاد، وتكتظ منها الأودية والشعاب، حتى لقد نال كل مواطن منها نصيباً، جاءت متوازنة، تراوح بين القيم المادية والمعنوية؛ فهي من جهة تتعرض لنفحات الله من معية ونصرة ودفاع: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}.

{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}.

{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

وهي من جهة أخرى تأخذ بالأسباب المادية ومتع الحياة المباحة..

{وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}.

{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}.

تتوكل ولا تتواكل: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى}.

أوامر مسددة جمعت وأوعت، ومن أين أتيتها تجدها كما القول المحكم تجمجم عما في نفوس الناس، وتترجم تطلعاتهم، وتحقق رغباتهم، وتسعى لإصلاح أوضاعهم وسلامة أجسامهم، وحفظ أخلاقهم وتقويمها، وحفظ كرامة علمائهم، وتوفير أمنهم بكل صوره ومناحيه، محققة مقتضيات الحديث النبوي الشريف: «من بات آمناً في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه وليلته فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».

وماذا بعد الغذاء والدواء والاستقامة على أمر الله وحفظ الدين وإكرام حَمَلته وتحرير مسائل الفقه وتأصيل معارفه وترشيد الفتوى وعمارة المساجد وشد أزر المرشدين وحَفَظَة كتاب الله وفك الاختناقات وحل الأزمات ومراقبة الأسواق ومكافحة الفساد وإيجاد فرص عمل للعاطلين وتوسيع المشافي وتحسين أوضاع المجمعات الطبية ودعم الأمن والجيش.. ولما تزل السحائب تهمي بالخير العميم.

لقد كان للشارع العام نبضه وتطلعاته ومطالبه وملاحظاته وعتابه ورهانه، ومن الحصافة الإنصات إليه وإلقاء السمع ووعي اللغط والتقاط ما يدوكه الناس في مجالسهم ويكتبونه في مواقعهم ويقولونه في قنواتهم ويخطونه في صحفهم وتحليل ذلك كله وتصنيفه، ومبادرة الحلول الفورية أو المرحلية حسب الطاقة والإمكانيات، فكل ذلك من فروض العين على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وذلك بعض منطلقات ثورة الإصلاح المباركة التي بادرها صادق الوعد وباركها وفيّ العهد.

لقد كان الناس أوزاعاً، فمن متفائل يُطمئن الوجلين، أو متردد يُبطئ خطوات المنطلقين، أو متشائم يهز ثقة الواثقين، ومثلما خاف الناس الآمنون مما يوجف به أعداؤهم ويراهن عليه حسادهم انتاب المواطنين خوف من ألا تكون الرياح لواقح فتتفرق السحب وتمطر حيث لا تكون ثاغية ولا راغية، ولكنّ الله سلَّم وسدد الحذف وخيّب الظنون الكاذبة.

ولما لم يكن المسؤول بعيداً عن كل اللغط فقد رصد النبض بكل تفاصيله وقرأ الملامح بكل تجاعيدها، وجاءت الأوامر على قدر كما لو كانت مكتوبة بأنامل المتطلعين إليها والمستهدفين بها، ومن حفظ الله حفظه، ومن عرف الله في الرخاء عرفه في الشدة، ورُبّ ضارة نافعة.

لقد اجتاحت عالمنا العربي زلزلة عاتية أعقبها طوفان جارف فار فيه التنور، وبلغ السيل الزبى، وكنا أحرص الناس على الاعتصام من الطوفان، وتجنيب البلاد ويلات الفتن التي لا تُبقي ولا تذر.

ولما لم يكن بد من التحرك دون ثمن باهظ تدفعه الأمة من أمنها واستقرارها وضروراتها بادر رجل الملمات والمبادرات المباركة فكانت ثورة سلمية بيضاء كشفت عن معادن كريمة.

معدن الأسرة الحاكمة التي خبرها ابن الجزيرة منذ ثلاثة قرون ومعدن الشعب الوفي، والتقى النقاء والصفاء والوفاء على أمر قد قدر؛ ليكون مثلاً يُحتذى وقدوة صالحة يتمثلها الناجون.

لقد كانت جمعة السادس من ربيع الآخر جمعة الوفاء بالعهد لتكون جمعة الثالث عشر منه جمعة الوفاء بالوعد، وكيف لا يكون الوفاءان والشعب يبادر قيادته بالولاء الصادق في يوم كان تقدير الأعداء ورهان الحاقدين أن يكون بداية انفجار، فكان تفكيرهم وتقديرهم حسرة عليهم إذ ماتوا في غيظهم حيث فكروا وقدروا.

وفي يوم الوفاء بالوعد المفعم بالخيرات والمسرات تدفق الشباب ينثرون الورود، وتخفق راية التوحيد بأيدهم، فيما ظلت شعوب مغلوبة على أمرها تتلقى زخات الرصاص ودوي الراجمات.

إن صناديق الاقتراع التي ينادي بها دعاة (الديمقراطية) هي الشوارع والساحات التي تتدفق بالشباب وهم يهتفون بحياة قائد مسيرتهم.

لقد جاءت ثورة الملك ومباركة الشعب و{قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ}.

-- صحيفة الجزيرة - د. حسن بن فهد الهويمل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*