السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مؤتمر إعداد المعلم والدور المتغير للمعلم الجديد

مؤتمر إعداد المعلم والدور المتغير للمعلم الجديد

   تُعد عملية إعداد المعلم الجيد من أهم القضايا التي تهتم بها النظم التربوية في محاولتها تطوير عملها التربوي والتعليمي وزيادة فعاليته والنهوض بقدرته وكفاءته في استيعاب التطورات الاجتماعية والمتغيرات التكنولوجية والمعرفية.

وقد نظمت العديد من المؤتمرات والندوات، كما أجريت العديد من البحوث والدراسات, كما كتبت كثير من الكتب والمقالات التي استهدفت جميعها وضع بعض الخطوط العامة، أو محاولة استشراف بعض الرؤى المستقبلية التي يتعين على المؤسسات المعنية بالإعداد أو التنمية والتطوير وضعها في الاعتبار.

وقد كان الباعث لذلك كله هو التطلع إلى تحقيق أهداف التنمية البشرية التي لا سبيل إليها إلاّ من خلال بناء الإنسان. وقد بدا ذلك مطلبًا ملحًا في نهايات القرن العشرين الميلادي المنصرم، وبدايات القرن الواحد والعشرين، إذ لم يعد خافيًا على أحد تلك التغيرات المتسارعة في كافة ميادين الحياة، والتي تطلبت بدورها ضرورة الإسراع في تطوير معارف المعلمين ومهاراتهم؛ بهدف تأهيلهم للاضطلاع بمهام إعداد المواطن القادر على أن يساهم في التغيير، من خلال تزويده بما يؤهله للابتكار والإبداع، أو على أقل تقدير تمكينه من استيعاب ما يدور حوله، أو فهم ما يقدم له من معرفة أو تكنولوجيا.

غير أن ما يتعين علينا أن نومئ إليه أن تلك الدعوات قد ظهرت في عالمنا العربي كردود أفعال لما نلاحظه من ضرورة تهيئة المعلمين لواقع فرض عليهم تغييرًا حتميًا في أدوارهم، وهو واقع أصبح المعلم مطالبًا فيه بالانتقال من ممارسات تعليمية تركِّز على تنمية مهارات الحفظ والاستظهار إلى ممارسات تعليمية تركِّز على تنمية مهارات التجديد والابتكار، ومن ممارسات تركِّز على غرس قيم الاحترام والامتثال والاتباع إلى ممارسات تركز على تدعيم مهارات التحليل والتفسير والإبداع، ومن التدريب على ثقافة الحد الأدنى إلى التأكيد على ثقافة الإتقان والجودة، ومن تربية التشابه والتطابق والإتلاف إلى تربية التفرد والتميز والاختلاف، ومن التدريب على ثقافة التلقي والتسليم إلى التدريب على مهارات الاستقصاء والتقويم، ومن تنمية عادات الاعتماد على الآخر إلى غرس عادات الاعتماد على الذات، ومن تكريس مهارات التعامل مع المألوف والمأهول إلى التدريب على المغامرة العلمية وارتياد المجهول.

وفي ضوء ما يشار إليه في الأدب التربوي من تحول في أدوار المعلمين ووظائفهم، فقد بدا من الضروري أيضًا إعادة النظر في كل من إعداد المعلم وتدريبه، حيث تغير دور المعلم من كونه مُلقِّنا إلى كونه ممارسًا متأملاً Reflective Practitioner إذ تتيح له وظيفته التأمل أن يفكر في ممارساته بطريقة ابتكارية، وأن يواصل مهامه في النقد الذاتي، وتقويم ما يقوم به من ممارسات داخل الفصل الدراسي، يُضاف إلى ذلك تحول دور المعلم من كونه معنيًا بالدرجة الأولى بتقديم المعلومات والمعارف، ليصبح مطالبًا بالقيام بدور الموجه أو المرشد الاجتماعي والمعلم في آن واحد، مع ضرورة القيام بأدواره كباحث، يستطيع أن يجري بعض البحوث الميدانية التي تساهم على نحو متواصل في تحقيق أغراض النمو المهني المستمر.

لعلنا من خلال ما تقدم من أفكار ومعلومات حول الأدوار الحديثة في إعداد المعلم، وما دار من حوارات ونقاشات وآراء ووجهات نظر من خلال البحوث وأوراق العمل التي قدمت للمؤتمر الرابع لإعداد المعلم الذي نظمته باقتدار كلية التربية جامعة أم القرى، وما عقد من ورش عمل، نكون قد وصلنا إلى جملة من القناعات التالية:

– أن دور معلم الأمس ومسؤولياته المهنية يختلف من حيث الشكل والمضمون عن دور معلم اليوم بحسبانه مسؤولاً عن تقديم نوعية تربوية جديد تتطلبها مقتضيات حضارة جديدة لم تشهد البشرية مثيلاً لها من قبل، من حيث كونها محكومة في الأساس بالعلم، وموجهة أساسا بالتكنولوجيا، بل التكنولوجيا الذكية، والأكثر ذكاءً.

– أنه بالرغم من تعدد أدوار معلم القرن الحادي والعشرين ومسؤولياته المهنية وتشعبها على نحو ما ورد، إلا أن عمله في هذه الأدوار وتلك المسؤوليات سيكون أكثر جاذبية وأشد تشويقًا من العمل في أية مهنة أخرى.

– إن التكنولوجيا التعليمية الذكية والأكثر ذكاءً سوف تخلص المعلم من الكثير من الأدوار والمسؤوليات الروتينية ليتفرغ للأعمال الإبداعية. الأمر الذي يساعده على تحقيق ذاته والشعور بالرضى المتنامي عن عمله وعن مهنته أو رسالته السامية.

وأخيرًا أعتقد أن كلية التربية، جامعة أم القرى، من خلال مؤتمرها الرابع لإعداد المعلم تكون قد وضعت أقدامها على بداية طريق جديد وصحيح يؤهلها، بعون الله، إلى إعداد المعلم السعودي الجديد القادر على مواجهة تحديات الألفية الثالثة، خاصة وأنها ومنذ تولي عمادتها العميد الإستراتيجي الأستاذ الدكتور زايد الحارثي بدأت تعيد النظر في برامجها الأكاديمية، وذلك في ضوء معايير الاعتماد الأكاديمي وبما يلبي احتياجات الميدان التربوي حيث تسعى الكلية إلى تيسير عملية التطوير المستمر للتعليم على كافة مستوياته بهدف الوصول إلى حالة من النماء والحيوية في المجتمع، وهكذا يحاول الأستاذ الدكتور زايد الحارثي «إيجاد الميزة التنافسية المستدامة» لكلية التربية في ضوء معايير مهنية مشهود لها عالميًا.

* أستاذ المناهج وطرق التدريس، كلية التربية، جامعة أم القرى

-- *صحيفة الجزيرة: د. محمد محمد سالم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*