الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

لا مؤامرة في العولمة

المحـاولات الموضوعية والجادة في تناول موضوع العولمة والتعامل معها على صعيد العالم العربي أو الإسلامي بشكل أوسع، ما زالت محـدودة وتقتصر على بضع دراسات أكاديمية لم تطلع عليها إلا نخبة محـدودة.

 وفي المقابل نجد أن وسائل الإعلام العربية العامة من صحـافة أو محـطات فضائية تتعرض لهذا الموضوع بسطحـية عجيبة تتلخص في معظمها بالهجوم على الغرب واتهامه بفرض ثقافته على الغير وتحـديداً على العرب والمسلمين، والتأكيد على نظرية المؤامرة التي ما زال الكثير يعلق على شماعتها حـالات التردي الثقافي والعلمي التي يعيشها العرب والمسلمون على حـدٍ سواء في كثير من مناشط الحـياة وشؤونها.

 قد يكون للعولمة منظور شامل يستوعب مناحـي الحـياة المختلفة ولكنها، في نظري، تصب أساساً وبشكل مباشر في الشأن الاقتصادي الذي فرض تواجده ليكون مجالاً خصباً لمفهوم العولمة في إطار ما يعرف بالنظام الاقتصادي العالمي الجديد.

هذا النظام نشأ من رحـم النظام الرأسمالي وترعرع في أحـضان الغرب واشتد عوده بانهيار الاتحـاد السوفييتى وسيطرة القطب الواحـد الذي قد لا تمثله الولايات المتحـدة الأمريكية بمفردها، بالضرورة، بل تجسده مجموعة الدول الصناعية المتقدمة التي فرضت رؤيتها في تأطير وتحـديد مفهوم النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وهو الآلية العملية لمفهوم العولمة الذي وجد فيه الغرب ما يمكنه من تسويق منتجاته على العالم كله.

ومفهوم الإنتاج هنا قد يتعدى المفهوم التقليدي للمنتجات المادية ليشمل الإنتاج الفكري والأيديولوچي وغيره. وهذا ما يثير فكرة المؤامرة والنظر إلى العولمة كهجمة ثقافية غربية على ثقافات الإنسان الآخر في دول العالم النامي، وقد يكون هذا صحـيحـاً أو من غير المستبعد في أحـسن التأويلات.

إلا أن النظر إلى مثل هذا الأمر بنظرة المؤامرة هو تعامل سلبي قد يفيد الغرب دون أن يمكِّن العرب أو المسلمين من التعامل مع موضوع العولمة بموضوعية باعتبارها واقعاً لا يمكن تجاهله ومستقبلاً يجب التعامل معه بجدية. والتعامل مع العولمة لا يعني رفضها بالضرورة ولا يعني في الوقت نفسه أن تكون ثوباً جاهزاً مفصلاً نلبسه بغباء أو ربما بعفوية لتختفي تحـته كل أفكارنا ومعتقداتنا وموروثاتنا الإيجابية.

 ليس هذا هو المطلوب بقدر ما يجب أن نعمل على أن نكون عنصراً فاعلاً في رسم معالم العولمة في بداية مراحـل تكوينها وتأطيرها باعتبارها السمة التي ستطغى على معالم القرن اجديد، ومن غير المستبعد فعلاً أن يكون الأمر كذلك.

وإذا كان لنا، كعرب ومسلمين، أن نتعامل مع هذا الواقع بروح وثابة ونظرة ثاقبة وباستعداد القادر الراغب في أن تكون لقدمه موطئاً صلباً وفي أن يكون لنا دور فاعل يتبع القول بالعمل، فإن علينا أن نتعامل مع استحـقاقات العولمة بجدية ونقارع حـجتها بالحـجة ونجادل مفرداتها بما لدينا من ثقة في مكوناتنا الثقافية والعلمية وموروثاتنا، الإيجابية تحـديداً، وهي المكونات التي صمدت عبر سنوات طويلة برغم كل الإحـباطات والترديات وإفرازاتها.

والمواجهة الحـقيقية التي يمكن أن تحـدث التأثير الذي ننشده في مسار العولمة أو نهجها هو استثمار هذه المكونات في تفعيل الشأن الاقتصادي العربي والإسلامي على حـدٍ سواء وتوظيف الموارد الاقتصادية المتاحـة لتكون لنا كلمة في الساحـة الكبرى التي ستكون مسرحـاً عملياً لاستحـقاقات العولمة.

إن التعامل مع العولمة من هذا المنظور العملي أجدى وأكثر نفعاً من الانزواء خلف نظرية المؤامرة والانكفاء عليها. والقبول بنظرية المؤامرة هو ضعف يتمناه أي طرف قوي في خصمه المقابل.

فالقوة قد لا تكون بالضرورة لذات القوي بقدر ما تكون في كثير من الأحـوال بسبب ضعف الخصم. فالأمور تقاس بالتعاملات الجماعية التي تحـكمها وتسيطر عليها القدرات والإمكانات الفردية في المقام الأول.

إن أكثر ما يغري الغرب على الهيمنة على النظام الاقتصادي العالمي الجديد هو أن تستكين الدول النامية إلى أوضاعها وأن تظل في الجانب الاستهلاكي من العملية الإنتاجية حـتى تستمر في دائرة التخلف.

ولن تتمكن الدول النامية، ومنها الدول العربية والإسلامية، من الخروج من هذا المأزق إلا إذا أدركت أن لديها مكونات التقدم وعملت على تحـويلها إلى واقع يُمكِّنها من أن تكون طرفاً فاعلاً في صنع القرار الاقتصادي العالمي بدلاً من أن تكون عرضة للتآمر أو ضحـية لفكرته التي وجدت فيه المناخ الملائم.

العولمة واقع رسم معالم القرن الجديد بوضوح يستوجب التعامل معه بموضوعية وجدية.

وأي تهاون في ذلك قد يُفوِّت علينا فرصاً حـقيقية إذا لم ننهض من سباتنا ونفك أسر عقولنا من فكرة المؤامرة التي نحـيكها بأنفسنا لأنفسنا في غياب رؤية إستراتيچية كلية تجمع شتات العرب والمسلمين ليكون لهم ذلك التواجد الذي نحـن أحـق به في الساحـة الدولية إذا تعاملنا بجدية مع قول الحـق سبحـانه وتعالى بأننا خير أمة أخرجت للناس.

ولكي نكون كذلك فإنهفترض فينا أن نمشي في مناكب الأرض ونستثمر مواردنا الاقتصادية المتاحـة ونتعامل مع استحـقاقات القرن الجديد بموضوعية ونفرض على العولمة الوتيرة التي ستحـكم أبعادها وتوجهاتها ونحـدد الكثير من معالمها ونتائجها.

-- صحيفة الجزيرة:د.عبد العزيز إسماعيل داغستاني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*