الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » استجداء مجلس الأمن طبيعة الضعيف

استجداء مجلس الأمن طبيعة الضعيف

كل مُتأمِّل في تاريخ مسيرة قضية فلسطين يجد أن مجلس الأمن منذ أن أُسِّس – وتأسيسه على جرف هار – كان وبالاً على هذه القضية الأساسية من قضايا أمتنا المبتلاة بقادة بعضهم كان سوساً ينخر في جسمها؛ذلك أن أمريكا المهيمنة على كثير من شؤون العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هي المسيِّرة للمجلس المذكور،

وأن أكثر قادتها لا يخرجون عما يرتضيه الصهاينة، اعتقاداً دينياً لدى بعضهم، أو خوفاً من سطوة نفوذ هؤلاء الصهاينة داخل الولايات المتحدة الأمريكية بالذات، ولقد أدرك هذه الحقيقة كثيرون، كما أدرك كثيرون أيضاً أن التوسُّل إلى مجلس الأمن – أو إلى عصبة الأمم من قبله – مضيعة للوقت لن يُجنَى من ورائها ما يفيد القضية الفلسطينية، وكان ممن أدركوا هذه الحقيقة قبل أكثر من نصف قرن ابن وطني الشاعر محمد الفريح، الذي قال في أبيات من قصيدة مُعبَّرة أصدق تعبير:

 

طال التوسُّل في الحقوق لعُصبةٍ ******عن مسلك الحق المُبيَّن قد عَمُوا

إنا لنجأر بالشكاة ونرتجي ******حقًّا تملَّكه العدو المجرم

والكل يعلم أن من نشكو له ******كان العدو فكيف يهدي المظلم؟

إن لم يكن للحق ما يُحمَى به ******فالموت أولى بالنفوس وأكرم

وكنت قد أشرت إلى شيء من ذلك في أبيات من إحدى القصائد، التي كتبتها قبل عشرين عاماً قائلاً:

والسادرون من الحكام ما برحوا ******يرجون من نهب الأوطان واستلبا

لمجلس الأمن قد مدُّوا أكفَّهمُ ******ساء المؤمِّل والمأمول منقلبا

هل يفرض المجلس الدولي سلطته ******إلا إذا استهدف الإسلام والعربا؟

وحاولتُ التعبير عن استكبار أمريكا في الأرض بغير الحق، وتحكمها في مجلس الأمن، بأبيات من قصيدتين قلتُ في أولاهما:

تملكُ الدنيا وتَحكمُها ******بِعَصَا الإذلال والدَّخَنِ

دولةٌ من كيدها مُلِئت ******جَنباتُ الأرضِ بالمِحنِ

مجلس «الأمن» الذي زعموا ******حيثما شاءت له يكنِ

وأمين من صنائعِها ******نصَّبته غير مُؤتَمَنِ

وقلتُ في الثانية:

والدولة الكبرى ******تعيث في الدُّنا مستأسده

غاراتها محمومة ******على الشعوب المُجهده

تسلبها خيراتها ******بصلفٍ وعربده

وتدَّعي بأنها ******مخلصة ومنجده

وكم تجلَّى حيفها ******في الأمم المتحده

فوقفت منحازة ******للمعتدي مُؤيِّده

ومجلس الأمن الأمين ******حوَّلته مصيده

ذو قوة إذا اشتهت ******وإن ترد شلَّت يده

وكان مجلس الأمن – كما هو معلوم – هو الأداة التي أدت إلى الاعتراف الجائر بشرعية دولة الصهاينة في فلسطين عام 1948م، وذلك بدعم كبير من أمريكا، تمثل في ترغيب بعض الدول للتصويت في صالح الصهاينة، أو ترغيب بعضها الآخر لذلك. وظلَّت أمريكا تستخدم حق النقض (الفيتو) ضد كل قرار لا يرتضيه أولئك الصهاينة.

ومن المعلوم أن قادة ما أصبح يسمى السلطة الفلسطينية قد ارتكبوا خطأ باتفاقية أوسلو المشؤومة، التي كبَّلت قضية فلسطين؛ حيث اشتملت على ما جعل منهم أداة تسهم في ضرب أي مقاومة للاحتلال الصهيوني، وجعلهم أنفسهم غير قادرين على التحرك في الأراضي المحتلة إلا بإذن من قادة الاحتلال. وها هم أولاء المنفذون لتلك الاتفاقية يحاولون أن يحصلوا من مجلس الأمن اعترافاً بأن تكون لهم دولة، وذلك بعد أن فشلت جميع استكانتهم طوال ثمانية عشر عاماً منغمسين في سراب مفاوضات لم تقد إلا إلى تنازل إثر تنازل عن جوانب مهمة من جوانب قضية فلسطين.

وفي ظل تلك المفاوضات اللاهثة وراء سراب حسبه الظمآن الفلسطيني المنخدع ماء هُوِّدت معظم أرجاء الضفة الغربية – بما في ذلك القدس – بحيث يرد سؤال مهم، وهو: ماذا بقي من أرض فلسطين كي تُقام عليه دولة فلسطينية؟ لقد فشل أصحاب اتفاقية أوسلو وأشياعهم من قادة العرب الذين استمرؤوا الذل في المراهنة على أريحية مَنْ رضوه وسيطاً بينهم وبين الصهاينة، كما فشلوا في الحصول على أي أمر نافع مما تكونت منه ما تسمى بالرباعية. وأي امرئ عاقل يعرف أن الرهان على أمريكا بأن تكون وسيطاً نزيهاً بين العرب والصهاينة رهان فاشل.

أما الرباعية – وما أدراك ما الرباعية؟ – فقد تشكَّلت نتيجة التجميع الذي جمَّعته أمريكا في أنابوليس، وهو التجميع الذي بيَّن فيه الرئيس الأمريكي لمن حضوره تبنيه ليهودية دولة إسرائيل. ومن أدلة سوء الرباعية أن عُيِّن منسقاً لها السيد بلير، الذي يعلم الجميع أنه غير مؤهل للقيام بأي دور إيجابي محايد في مسائل خلاف بين العرب والصهاينة. ولقد سبق أن برهن على كذبه بادعائه أن العراق كانت تمتلك أسلحة دمار شامل، كما برهن على عداوته لأمتنا بأن كان السباق في مشاركة الرئيس بوش الابن في ارتكاب العدوان على بلاد الرافدين واحتلالها.

وإذا كانت دولته التي مهدت السبيل لاغتصاب الصهاينة لفلسطين، وكان موقفه العدائي لأمتنا بمثل ذلك الوضوح، فإنه لم يكن غريباً أن عُهِد إليه بما عهد؛ وبخاصة أن إدارة بوش كانت هي القادرعلى إملاء ما تريد.

ولو فرض أن المنظمة الدولية استجابت لاستجداء الجانب الفلسطيني الآمل بها نجده معنوية فإن ذلك لن يوقف هدير الجرافات الصهيونية المدمرة لما هو فلسطيني في القدس وغيرها من الأراضي المحتلة.

ومن الجدير بالذكر أن الدول التي كانت تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية قبل مسيرة أوسلو أكثر من الدول التي كانت تعترف بإسرائيل حينذاك، وأن إعلان الدولة الفلسطينية قد اتُّخِذ في الجزائر عام 1988م. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن رئيس السلطة الفلسطينية ظل يؤكد أن «خياره الأول والثاني والثالث هو المفاوضات.. وأن الأمم المتحدة ومجلس الأمن ليسا بديلاً عن المفاوضات».

-- صحيفة الجزيرة :د.عبد الله الصالح العثيمين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*