الثلاثاء , 12 ديسمبر 2017
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » كيف تكون قدوة في الخير والإصلاح ؟
كيف تكون قدوة في الخير والإصلاح ؟

كيف تكون قدوة في الخير والإصلاح ؟

في عالَمٍ يمُوجُ بالفِتَنِ والاضطِراب، ويعُجُّ بالفِرَق والطوائِفِ والاحتِراب، كلٌّ يدَّعِي الحقَّ واحتِكارَ الحقيقةِ والصواب، ويرَى من نفسِه أنه القُدوة، وبه تكونُ الإِمَّةُ والأُسوَة.
ومع كثرة التحديَّات والأزمَات، والتحوُّلات والمُتغيِّرات، يحتاجُ المرءُ إلى تلمُّس طريقِ النجاة، وإعمالِ النَّقل والعَقل في أمورِه مع الحِلمِ والأناةِ، وهنا تبرُزُ من بين الثَّنايَا قضيَّةٌ من أهمِّ وأعظم القضايَا، هي سببُ خيرِ الأفرادِ والمُجتمعات، وتشيِيد الأمجادِ والحضارات، ألا وهي: قضيَّةُ الأُسوة والقُدوة، والتأسِّي والاهتِداء، والاتِّباع والاقتِداء، وهي قضيَّةٌ ما أعظمَها وأجَلَّها!
قال بعضُ أهل العلم: “سِيَرُ الرِّجال أحبُّ إلينا من كثيرٍ مِن الفقهِ”.
لقد أولَى القرآنُ الكريمُ موضوعَ القُدوةِ اهتِمامًا كبيرًا، وعنايةً بالِغةً؛ فحثَّ على الاقتِداء والائتِساء بالرُّسُل والأنبِياء، فقال – عزَّ مِن قائل -:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90].
قال الإمامُ الطبريُّ – رحمه الله -: “فبالعملِ الذي عمِلُوا، والمِنهاجِ الذي سلَكُوا، وبالهُدى الذي هديناهم، والتوفيقِ الذي وفَّقنَاهم اقْتَدِه؛ أي: فاعمَل وخُذ به واسْلُكْه”.
فإنه عملٌ لله فيه رِضًا، ومِنهاجٌ مَن سلَكَه اهتدَى، ووصَفَ بعضَ عبادِه المُصطَفَين الأخيار بالإمامةِ؛ إيماءً أنهم أهلٌ للاقتِداء والتأسِّي، فقال – سبحانه -: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: 73]، وقال مُخاطِبًا إبراهيم – عليه السلام -: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124].
قال الإمامُ ابنُ كثيرٍ – رحمه الله -: “قامَ إبراهيمُ – عليه السلام – بجميعِ الأوامِر، وترَكَ جميعَ النَّواهِي، وبلَّغ الرِّسالةَ على التمامِ والكمال، فاستحَقَّ بهذا أن يكون للناسِ إمامًا يُقتدَى به في جميعِ أحوالِه وأفعالِه وأقوالِه، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾[الممتحنة: 4]”.
وآياتُ التأسِّي والاقتِداء في كتابِ الله كثيرةٌ جليلةٌ، وأشهرُها الاقتِداءُ بسيِّد الأنبِياء نبيِّنا وحبيبِنا وقُدوتِنا وشفيعِنا وقُرَّة أعيُنِنا مُحمدِ بن عبد الله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
ولا تنحَصِرُ القُدوةُ في الأنبِياء والمُرسَلين وحدَهم؛ فمِن الأُسواتِ الحسنة التي ذكرَها القُرآنُ الكريم: لُقمان الحكيم، ومُؤمِنُ آل فِرعون، وأصحابُ الكهف، وذُو القرنَين، وغيرُهم كثير.
ولقد عُنِيَ النبيُّ القُدوة – صلى الله عليه وسلم – بوَضعِ المَثَل والأُسوة أمامَ أعيُن الصحابةِ ونواظِرِهم؛ فكان – صلى الله عليه وسلم – يقولُ:«صلُّوا كما رأيتُمُوني أُصلِّي»؛ رواه البخاري.
وكان يعملُ العملَ أمامَ الصحابةِ – رضي الله عنهم -، ثم يقول لهم: «أيها الناس! إنما صنَعتُ هذا لتأتمُّوا بِي، ولتعلَّمُوا منِّي»؛ متفق عليه.
وكان يقولُ: «خُذُوا عنِّي مناسِكَكم»؛ رواه مسلم.
وخلَعَ نَعلَيه وهو في صَلاتِه – صلى الله عليه وسلم – يومًا، فخلعَ الصحابةُ نِعالَهم، فلما انصَرَفَ قال: «لِمَ خلَعتُم نِعالَكم؟»، فقالوا: يا رسولَ الله! رأينَاكَ خلَعتَ فخَلَعنا؛ رواه أحمد بإسنادٍ صحيحٍ.
إنِّي أرَى حُبَّ النبيِّ عِبادةً***يَنجُو بها يومَ الحِسابِ المُسلِمُ
لكِن إذا سلَكَ المُحِبُّ سَبِيلَهُ***مُتأسِّيًا ولهَديِه يترسَّمُ
لقد حثَّ – صلى الله عليه وسلم – على الاقتِداء به، وبخُلفائِه الراشِدين، فقال – عليه الصلاة والسلام -: «ليكُم بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلفاء الراشِدين المهديِّين، عضُّوا عليها بالنواجِذِ»؛ رواه الترمذي، وقال: “حديثٌ صحيح”.
إن الاقتِداءُ والمُحاكاةُ غريزةٌ فِطريَّةٌ في الإنسانِ؛ لأنه اجتِماعيٌّ بطبعِه، فهو يُؤثِّرُ ويتأثَّرُ بمَن حولَه، وإن للقُدوة أركانًا وشُروطًا:
فأركانُها أربعة: المُقتَدِي، والمُقتَدَى به، والمُقتَدَى فيه، ووسِيلةُ الاقتِداء.
وأهمُّ شُروطِها: الإيمانُ بالله تعالى؛ لأنه أساسُ قَبولِ العمل، وإخلاصُ الدينِ له، وأصلُ التأسِّي، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].
وثانِي الشُّروط: الإخلاصُ لله، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5].
ثم الاستِعانةُ بالله؛ فمَن خابَ مَن استعانَ بالله، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].
وفي حديثِ ابنِ عباسٍ – رضي الله عنهما -: «وإذا استَعنتَ فاستَعِن بالله»؛ رواه الترمذي، وقال: “حديثٌ حسنٌ صحيحٌ”.
ثم يأتِي شاهِدُ الحالِ، وهو مُوافقةُ الأعمالِ الأقوال، فأصدَقُ المَقال: ما نطَقَت به صُورُ الفِعال. فعلى كُلٍّ مِن المُقتَدِي والمُقتَدَى به أن يُصدِّقَ قولُه فِعلَه، ودعوَاهُ حالَه، وقد قال شُعيبٌ – عليه السلام – لقومِه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88].
ومع قِمَّةِ السَّناء الباهِر، والألَقِ الظاهِر في خصائِصِ القُدوة في شريعَتِنا الغرَّاء، فلا يخفَى على أُولِي الألبابِ أن للقُدوة أنواعًا عديدَة:
فمنها: القُدوةُ الحسنةُ، وهي أطيَبُ الجنَى وأشذَى الطيُوبِ؛ كالاقتِداءِ بالصحابةِ – رضي الله عنهم -، والتابعين، والسلَف الصالِح، وأئمة المُسلمين، وعلمائِهم الربَّانيِّين.
ومنها: القُدوةُ السيئةُ؛ كمَن يُسلِمون مقادَةَ عقولِهم لكلِّ زائِفٍ مارِقٍ، يُحاكُون الأفعالَ دُون فَهمٍ أو إدراكٍ، حالُهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23].
وأساسُ القُدوة ينبُعُ مِن داخِلِ النفسِ، فيكونُ الإنسانُ قُدوةً في نفسِه، ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2، 3].
وغيرُ تقِيٍّ يأمُرُ النَّاسَ بالتُّقَى***طبِيبٌ يُداوِي النَّاسَ وهْوَ سَقِيمُ
ومنها: القُدوةُ المُقيَّدة، وهي تصِحُّ لكلِّ واحدٍ يتَّصِفُ بصِفةٍ حسنةٍ؛ كالكرمِ والشجاعةِ ونحوِها.
وأهمُّ أنواعِ القُدوة وأجَلُّها وأعظمُها: القُدوةُ المُطلَقة، وتعنِي: الاقتِداء بالشخصِ في كل أفعالِهِ وأقوالِه وتصرُّفاتِه، ولا تصِحُّ لأحدٍ إلا لرسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -؛ فلقد تمَّت به القُدوة، وتألَّقَت في أبهَى وأسمَى صُورِها في شَخصِه – صلى الله عليه وسلم -، فجعلَ الله التأسِّيَ به من علاماتِ الإخلاصِ لله – سبحانه – والإيمانِ باليومِ الآخر.
فكان – عليه الصلاة والسلام – قُدوةً في التوحيدِ والعقيدةِ، والعباداتِ والمُعاملاتِ، والأخلاقِ والسُّلُوكِ، قُدوةً في حِفظِ كرامةِ الإنسان، بل والرِّفقِ بالحيَوانِ، والمُحافظةِ على البِيئةِ، وإصلاحِ المُجتمع بأَسْرِه.
الله أكبر! الله أكبر! أنها النفسُ التي اتَّصَلَت بالسماء، وعاشَت على الثَّراء دانِيةً مِن الناسِ، مِلؤُها الإحسانُ المَديد، والعَقلُ السَّديد، والقولُ اللَّطِيفُ الوَئِيد، في أقصَى آمادِ الحِرصِ، والإخلاصِ، والصِّدقِ، والأمانةِ.
هو الكرمُ أُنشِئَ نفسًا .. والفضلُ تمثَّلَ شخصًا، ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
قد طلَبنَا فلم نَجِد لك في السُّؤدَدِ والمجدِ والمكارِمِ مِثلًا.
واللهِ ما طلَعَت شمسٌ ولا غرَبَتْ***إلا وذِكرُك مقرُونٌ بأنفاسِي
ولا جلَستُ إلى قَومٍ أُحدِّثُهمْ***إلا وأنتَ حدِيثِي بين جُلَّاسِي
وإن مِن أخطرِ ما تُعانِيه المُجتمعات: مُحاولةَ إسقاط الرُّموز، والنَّيل مِن القُدوات، وهَزِّ الثِّقة بالأُسوات، وإن لمواقِعِ التواصُلِ الاجتماعيِّ في ذلك أثرًا خطيرًا على الناشِئة والشبابِ والأجيالِ في بثِّ الشَّائِعات ضدَّ رُموز الأمة وقُدواتها.
ومَن أرادَ القُدوةَ فليَقتَدِ بهَديِ سيِّد المُرسَلين، والصحابةِ المَيامِين، وسلَفِ الأمةِ مِن العلماء الربَّانيِّين والأئمَّة الصالِحين، فالقُدوةُ لا ولم ولن تتحقَّق إلا باتِّباع السلَف الصالِح؛ لأنهم تأسَّوا بالنبيِّ – صلى الله عليه وسلم – حقَّ التأسِّي، فبلَغُوا الذِّروَة.
أقامَ مُجتمعَ الفَضِيلةِ والتُّقَى ***وأشادَ مَجدًا شامِخَ البُنيَانِ
العَدلُ جَوهَرهُ وأُسُّ بِنائِهِ***بِمكارِمِ الأخلاقِ والإحسانِ
لقد وجَّه النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – الصحابةَ إلى التوسُّط والاعتِدال، ومنَعَهم من التبتُّلِ والتنطُّعِ؛ فدينُنا دينُ الوسطيَّة والاعتِدال، لا إفراطَ فيه ولا تفريطَ.
وهذه دعوةٌ حانِيةٌ مِن مهدِ الإسلام للتأسِّي بسيِّد الأنامِ – عليه الصلاة والسلام – ظاهِرًا وباطِنًا، والاقتِداء بالصحابةِ – رضي الله عنهم أجمعين -، والبُعد عن البِدَع والمُحدَثات، ومُخالفة أهلِ الأهواءِ والضَّلالاتِ؛ لتتحقَّقَ القُدوةُ، وتسلَمَ القُدوات، ويُنالُ الأجرُ والتوفيقُ في الحياةِ وبعد المماتِ.
إن ارتِباطَ الأجيال اللاحِقة والناشِئة المُعاصِرة بسلَفهم مِن الأئمَّة الحُنَفاء، والقادَة النُّجَبَاء يَسِيرُون بسِيرَتهم، ويقتَفُون أثَرَهم، ويقتَبِسُون مِن نُورِ علمِهم وفضلِهم لهُو مِن أهمِّ القضايَا التي ينبغي أن يُعنَى بها العُلماء، والآباء، والمُربُّون، ولن يتحقَّق ذلك إلا بالتعاوُن البنَّاء بين أفرادِ المُجتمع وأبنائِه، ومُؤسَّساتِه وهيئاتِه.
فالبَيتُ، والأسرةُ، والمسجِدُ، والمُؤسَّساتُ التعليميَّةُ، ووسائلُ الإعلام، ومواقِعُ التواصُل كلٌّ مسؤُولٌ في مجالِه عن تحقيقِ القُدوةِ والتغلُّب على مُعوِّقاتها، بل ومُحاربة كلِّ ما مِن شأنِه أن يقِفَ حائِلًا بين تعزيزِ وتوطِيدِ أركانِها، وتحقيقِ شُروطِها؛ كالجَهلِ والعُنفِ، والغلُوِّ والتطرُّف، والتعصُّبِ والتحزُّبِ، ومُفارقَة الجماعةِ، والإرهابِ والطائِفيَّة، والانحِلال والانهِزاميَّة، وهَزِّ القِيَم والثوابِتِ، والنَّيل مِن مُحكَمات الشريعةِ ومُسلَّماتها في الأفكارِ والرُّؤى والأطرُوحات، وغيرِها من الأفكارِ المُنحرِفة المُخالِفة لمنهَج الوسطيَّة والاعتِدال، والتي لا تأتِي إلا بالبَوارِ والانحِلالِ على الأفرادِ والمُجتمعاتِ.
إن القُدوةَ الحسنةَ التي يُحقِّقُها المُسلمُ عُمومًا بسِيرتِه الحسنةِ هي في حقيقةِ أمرِها دعوةٌ عمليَّةٌ للإسلام، بكلِّ ما يحمِلُه مِن مبادِئ وقِيَمٍ تدعُو إلى الخير، وتحُثُّ على الفَضِيلةِ والإعمار، وقد انتشَرَ الإسلامُ بالقُدوة، وحُسن المُعاملَة، والتسامُحِ عبرَ التأريخِ.
فيا أيها الآباء والأمهات:
كونُوا قُدوةً لأبنائِكم في القَولِ والعَملِ؛ فالأبُ الذي يطلُبُ مِن ولدِه أن يقولَ لمَن يطرُقُ البابَ، أو عند رَنِين الهاتِفِ: قُل له: غيرُ موجُودٍ! كيف يكونُ قُدوةً؟! والأبُ الذي يُمارِسُ عادةَ التدخينِ مثلًا أمامَ أبنائِه، أو يتلفَّظُ بالألفاظِ النابِية غيرِ اللائِقة، كيف يكون قُدوةً؟!
ويا أيها العالِمُ الأرِيبُ .. والداعِيةُ والخَطيبُ! أن تكون قُدوةً ذلك أيسَرُ وأسرَعُ في إيصالِ المعانِي، وأبلَغُ مِن كثيرٍ مِن المواعِظِ والنصائِحِ القولِيَّة؛ لأن مُستويَات فَهمِ الكلامِ عند الناسِ تتفاوَتُ. فادأَب نفسَك في سُبُل الخير، وكُن قُدوةً في أقوالِك وأعمالِك وأخلاقِك.
يا أيها المُعلِّمُ والمُربِّي! كُن قُدوةً لطُلَّابِك ومَن تتعهَّدُه بالتربِية؛ فإن العُيُونَ ترصُدُ قبل العُقُولِ.
وقد يحضُرُ مجلِسَ الإمامِ أحمد – رحمه الله – خمسةُ آلافِ طالِبٍ، خمسمائةٍ كانُوا يكتُبُون العِلمَ، والبقِيَّةُ ينظُرُون إلى أدبِهِ وأخلاقِهِ وسَمتِهِ.
وقال ابنُ وَهبٍ – رحمه الله -: “ما نقَلنَا مِن أدبِ مالِكٍ أكثرُ مما تعلَّمنَا مِن علمِه”.
ويا شبابَ الأمة .. يا عِمادَ مُستقبَلِها! تمسَّكُوا بقِيَم الدين، ومنهَجِ الأسلافِ الصالِحِين؛ فأمَّتُنا زاخِرة بأهلِ القُدوة والصلاحِ، وتذكَّرُوا دائِمًا قولَ بعضِ الحُكماء: “قد عرفنَاك باختِيارِك؛ إذ كان دليلًا على اللَّبِيبِ اختِيارُه”.
وكُونُوا على قَدرِ المسؤوليَّة؛ فأنتُم اليومَ تقتَدُون بغيرِكم، وغدًا يُقتَدَى بكم.
يا أيها المُوظَّفُون! كُونُوا قُدوةً في المُحافظةِ على الأمانةِ والمسؤوليَّة، والنَّزاهةِ ومُكافحةِ الفساد، والانضِباطِ في الحُضورِ والانصِرافِ والإنتاجِيَّة، وحُسن مُعاملَةِ المُراجِعِين، وعدمِ استِغلالِ سُلطةِ الوَظيفة، والحِفاظ على الأموال العامَّة، ومُقدَّرات البُلدان، ومُكتسَبَات الأوطانِ.
والمُوظَّفُ الذي يُضيِّعُ المُعاملات، ولا يُتقِنُ في قامُوسِهِ إلا: “راجِعنا غدًا!”، كيف يكونُ قُدوةً؟!
والمرأةُ المُسلِمةُ قُدوةٌ في صلاحِها، وحِجابِها، وعفافِها، وحِشمَتِها، وعدمِ اختِلاطِها بالرِّجال.
ومما ينبَغِي أن يُعلَمَ أن القُدوةَ لا تعنِي العِصمةَ والكمالِ؛ فكلُّ ابنِ آدم خطَّاء، وخيرُ الخطَّائِين التوَّابُون. فليتأمَّل ذلك مَن يتتبَّعُون السَّقَطات، ويُضخِّمُون الهِنات.
وإن الأمرَ الذي لا يُسأمُ تَكرارُه، ولا يُملُّ إزجاؤُه وإقرارُه: تعمِيقُ الشُّعورِ والمسؤوليَّة بنموذجيَّة وفَرَادةِ هذه البلادِ المُبارَكة بلادِ الحرمَين الشريفَين، وِجهةِ البلادِ وقُدوتِها، وقِبلةِ العبادِ وحظوَتها.
فكما أن للأفرادِ قُدوة، وللمُجتمع قُدوة؛ فإن للبلادِ قُدوة، وبِلادُ الحرمَين مهبِطُ الوحيِ، ومنبَعُ الرِّسالةِ، تحقَّقَت فيها هذه القُدوة، فهي مَهدُ الإسلام، ومأرِزُ الإيمان، وإنها – بحمدِ الله وفضلِه – لتنتَهِجُ المنهجَ الوسطيَّ القائِمَ على نُورِ الكتابِ والسنَّة، ومنهَجِ سَلَفِ هذه الأمة.
فلنَكُن جميعًا فيها أُسوةً في تحقيقِ القُدوة.
إن الحديثُ عن القُدوة ليس حديثًا عابِرًا، لكنَّه مشرُوعٌ إسلاميٌّ حضاريٌّ شامِلٌ، ألا إنه مشرُوعٌ عظيمٌ رائِدٌ، ينطلِقُ مِن البُقعة القُدوة: “كيف نكونُ قُدوةً؟”.
———————————–
فضيلة الشيخ الدكتور/ عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*