الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » طهران.. ثورة ضد الثورة

طهران.. ثورة ضد الثورة

 الدبلوماسية الإيرانية في موقف لا تحسد عليه، إنه العنوان الأبرز لما بعد إحباط مؤامرة اغتيال السفير السعودي في واشنطن، ومستقبلاً سيكون العنوان هو “الدبلوماسية الإيرانية تختنق”، وذلك

الدبلوماسية الإيرانية في موقف لا تحسد عليه، إنه العنوان الأبرز لما بعد إحباط مؤامرة اغتيال السفير السعودي في واشنطن، ومستقبلاً سيكون العنوان هو “الدبلوماسية الإيرانية تختنق”، وذلك حين تدوَّل القضية وتبدأ العقوبات والقرارات الكبرى _الخيارات مفتوحة_ بسبب العمل الإجرامي الذي تولت كبره طهران.

 تخبط إيران السياسي يدعو للشفقة، وما تصريحات بعض سياسييها إلا مؤشر على حجم النازلة التي حطت رحالها في طهران، حيث تجني الدبلوماسية الإيرانية ثمار الشوك من شجرة الانفلات السياسي الحاصل في أروقة صنعها للقرار.

 وحتى تكون المسألة أكثر وضوحاً، فإن على المحلل أن يرسم سلفاً أكثر من سيناريو للرد المتوقع من طهران، وما مدى جدواه السياسية في موقف خطير كهذا، فقد جاء أول رد بعد ساعات (بالطبع كانت حافلة بالصراخ خلف الأبواب المغلقة) من مستشار للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، إذ علق بأن التهمة غير صحيحة وأن الولايات المتحدة تسعى إلى إشغال الرأي العام الأميركي عن مشكلاته الداخلية! وفي اليوم التالي أدلى علي لاريجاني، وعلي أكبر صالحي، ومسؤولون إيرانيون آخرون بتصريحات تدور جميعها في فلك فبركة واشنطن للقصة بهدف استهداف إيران!

 ويبرز السؤال وماذا كان بإمكان ساسة طهران أن يقولوا غير ذلك، فهم بين نارين، إما الرد بالنفي كما حصل، وإما أن يلوذوا بالصمت الذي يعني سياسياً الإقرار بالتهمة! ولعل الصمت في مثل هذا الموقف كان أجدى من مثل هذه الردود الباهتة، فبعض التهم توحي من سياقها بأنها ثابتة، ولن يزيدها النفي إلا ثباتاً.

هناك نار ثالثة كبرى، تحيط بساسة طهران الذين لن يجرؤوا على الاعتراف بخطرها الذي يفوق التهمة الموجهة لهم، نار قد تخرج ملايين الإيرانيين إلى الشوارع مرة أخرى، على غرار خروجهم مناصرة لزعماء الإصلاح الأخضر حين غصت شوارع طهران وغيرها من مدن إيران الكبرى بالشعب، إثر تزوير الانتخابات الرئاسية في عام 2009، وكيف تعامل النظام معهم بأقسى وأقصى درجات العنف والقمع، وسقط آلاف الجرحى ومئات القتلى، في ظل تعتيم إعلامي غير مسبوق مارسه النظام الإيراني على جميع وسائل الإعلام، ولم يخرج للعالم إلا النزر اليسير من تلك الأعمال الوحشية، التي روى ذوو الضحايا أحداثها فيما بعد.

 إذن ما هو الشيء الخطير الذي تخفيه الدبلوماسية الإيرانية عن العالم، وعن شعبها في هذه القضية تحديداً؟ إنه عودة أنشطة الحرس الثوري الإيراني في داخل دوائر السياسة الخارجية الإيرانية، وسيطرته على مفاصلها!

الولايات المتحدة في لائحة الاتهام لمحاولة الاغتيال الفاشلة تربط المنفذين مباشرة بـ”قدس” الحرس الثوري، وأبدت واشنطن ثقة كبيرة في لغتها الاتهامية الحازمة تجاه طهران، فضلاً عن الأدلة الموثقة لديها التي تعتزم من خلالها إلى جانب المملكة، وعدد من الدول، تقديمها إلى مجلس الأمن، إضافة إلى بدء تنفيذ عقوبات اقتصادية جديدة على طهران، وما المواقف الدولية المتتالية المستنكرة للعمل الإجرامي الذي اضطلعت به إيران، إلا دليلاً آخر على صدقية وثائق واشنطن.

 وفي أحسن الأحوال، وبفرض براءة النظام في طهران من التهمة، إلا أن ضلوع الحرس الثوري الإيراني في هذه المؤامرة يعني فقدان المؤسسة السياسية الإيرانية السيطرة على عناصرها وهم يعودون إلى سابق عهدهم كأحجار شطرنج بأيدي الحرس الثوري.

 طهران اليوم أمام معضلة كبرى، قد ينتفض الداخل الإيراني بسببها، فالشعب الإيراني وصل إلى درجة كبيرة من السخط على الحرس الثوري، فكيف إذا تيقن الشارع الإيراني من أن حرس الثورة (بصفتهم دولة داخل دولة) عادوا من جديد إلى قيادة السياسة بعد أن نحوا عنها بموجب الدستور في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني، وتم فصل وزارة الخارجية الإيرانية تماماً عن الحرس الثوري الذي كان يسيطر عليها، حين كان حلم إيران أن تصدر ثورتها، وكان الحرس الثوري يقوم بعمليات عنف قذرة خارج إيران لصالح الثورة.

 إن مؤامرة استهداف السفير السعودي من شأنها وفق ما سبق أن تشعل ثورة في داخل طهران عاجلاً أم آجلاً، وليس لنا إلا انتظار قادم الأيام وما تحمله، فشعب خرج بالملايين في الشوارع قبل عامين، لم يعد من السهل إقناعه بأن أحداً يتآمر على إيران ويلفق لها التهم، بل سيقول الشارع الإيراني كلمته للمؤسسات التشريعية ولمرشد الثورة علي خامنئي، بل أنتم من يتآمر على الشعب، وأنتم من جعل إيران أضحوكة للمجتمع الدولي بسبب الانفلات الكبير الحاصل باسم الحفاظ على الثورة.

 يستحيل أن تعترف طهران بضلوع الحرس الثوري في المؤامرة، لأن ذلك يعد صفعة كبيرة موجهة من قائد الحرس الثوري اللواء محمد علي جعفري لكل المؤسسات التشريعية والسياسية على طول البلاد، واعترافاً بأن “التشدد والحرس” هما الحاكم الفعلي للبلاد، لدرجة وصلت إلى إدخال الجمهورية في متاهات مع دول أخرى، وسينفض السامر قريباً عن إيران وحيدة، معزولة، ضعيفة، منبوذة، ثار عليها شعبها بسبب رجال الثورة!

-- الوطن أونلاين :عيسى سوادي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*