الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قراءة في خطاب ملك المغرب أمام البرلمان .

قراءة في خطاب ملك المغرب أمام البرلمان .

ترأس الملك محمد السادس يوم الجمعة 14 أكتوبر 2011 ، افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة للبرلمان بإلقاء خطاب تاريخي يريد به القطع مع التجارب السياسية التي عرفها المغرب خلال العقود الماضية ، والتأسيس لتجربة سياسية تعيد المصداقية للمؤسسات الدستورية وتزرع الثقة لدى المواطنين في العمل السياسي . وأهمية الخطاب الملكي تكمن في تحديد مفاصل العمل الحكومي والحزبي وفق ما ينص عليه الدستور الجديد .

وإذا كانت التجارب الحكومية السابقة تظل رهينة الوجيهات الملكية ومقيدة بها ، سواء في وضع البرامج أو في تنفيذها ، مما حول الحكومة إلى ملحقة بالقصر وأفرغها من عناصر المبادرة حتى بات الوزراء مجرد موظفين سامين لا يتحملون مسئولية أدائهم الإداري والسياسي داخل كل قطاع .

ومن أجل تجاوز هذه الوضعية التي تعفي أعضاء الحكومة من المحاسبة الشعبية والمؤسساتية ، جاء الدستور الجديد يقرن بين المسئولية والمحاسبة . وحتى لا يضع الملك نفسه وصلاحياته في تعارض مع الدستور ، دعا الحكومة والأحزاب إلى الاضطلاع بكامل مسئوليتهما من أجل :

1 ـ ضمان نزاهة الانتخابات التشريعية ليوم 25 نونبر القادم ( وهو ما يقتضي من كل الفاعلين في هذا التحول الحاسم، تحمل مسؤوليتهم كاملة، ومواصلة الجهود، لإنجاح الانتخابات النيابية المقبلة، بالالتزام بضوابط نزاهتها، وذلك بروح الثقة والوضوح، والغيرة الوطنية الصادقة ) . وهذه إشارة قوية إلى أن الدولة قد تخلت عن عادتها القديمة في صنع الخريطة السياسية والتحكم فيها عبر شتى السبل : التقطيع الانتخابي ، التزوير ، التغاضي عن المفسدين الخ .

2 ـ تقديم نخب جديدة تتصف بالكفاءة والنزاهة والفاعلية لتتحمل مسئولية إدارة الشأن العام . فالتغيير الحقيقي الذي جاء به الدستور ( لا بد أن يتجلى في تجديد المؤسسات، بمصداقيتها الديمقراطية، ونخبها المؤهلة، وعملها السياسي الناجع، والتنموي الملموس، الكفيل بتوفير أسباب العيش الحر الكريم، لكافة أفراد شعبنا الوفي، ولاسيما فئاته المعوزة، وشبابه الطموح ).

وهذا انتقاد صريح وواضح للأحزاب التي ظل هاجسها هو الحصول على أكبر عدد من أصوات الناخبين ، وبأية وسيلة ، للظفر  بالمقاعد البرلمانية .

وهذا الهاجس فتح شهية الأحزاب على تزكية الفاسدين ونخاسي الانتخابات من فئة الأعيان  وتجار المخدرات . وقد أثبتت التجارب الانتخابية السابقة أن إفساد الانتخابات لا تتحمل الدولة وحدها كامل المسئولية ، بل الأحزاب شريك في هذا الإفساد الذي أفقد المؤسسات مصداقيتها وعطل عملها .

3 ـ   توفير كل الشروط لانتخاب ( برلمان قوي، معبر عن الإرادة الشعبية الحرة، يمارس صلاحياته التشريعية الحصرية، والرقابية الواسعة، وينهض بدوره الفاعل في المجال الدبلوماسي، خدمة للقضايا العادلة للأمة، وفي طليعتها قضية وحدتنا الترابية.) .

وهذا إقرار رسمي بأن البرلمان الحالي لا يعبر عن الإرادة الشعبية الحرة ؛ وإقرار كذلك بوجاهة الانتقادات التي وجهتها حركة 20 فبراير إلى مؤسسة البرلمان مطالبة بحله وهو الذي يعاني من العجز والشلل وغياب الأعضاء حتى إن القوانين التي تهم مصير الشعب لا يشارك في التصويت عليها سوى أقلية قليلة قد لا تتجاوز ربع الأعضاء .  وحتى يضطلع البرلمان بسلطة التشريع ، كجهة وحيدة يخصها الدستور به ، يتوجب أن يمثل إرادة الشعب وأن يكون نابعا من اختياره .

4 ـ تشكيل (حكومة فاعلة، منبثقة عن أغلبية نيابية، متضامنة ومنسجمة، تنهض ورئيسها بكامل سلطتها التنفيذية) . وهذا يقتضي بناء تحالفات حزبية وسياسية على أسس واضحة وبرامج محددة ترقى بالعمل السياسي ، بحيث لا يكون الاستوزار غاية في ذاته ومحددا لشروط التحالف على حساب القناعات السياسية لكل حزب . الأمر الذي يفرض على الأحزاب أن تصوغ برامج انتخابية دقيقة ومفصلة تسمح للمواطنين بالتمييز بينها واختيار ما يخدم تطلعاتها إلى التنمية والكرامة .

5 ـ تحمل الحكومة (مسؤولية وضع برنامجها وتطبيقه، وبلورة أسبقياته، في سياسات عمومية ناجعة ومتناسقة.) . وهذا التزام من الملك باحترام مقتضيات الدستور المتعلقة بفصل السلط ، بحيث لا يتدخل في عمل الحكومة ؛ بل يترك لها كل الاختصاص في وضع برنامجها الحكومي الذي تشكلت على أساسه الأغلبية المكونة لها . وهذه أولى بوادر تفعيل الدستور التي من شأنها طمأنة حركة 20 فبراير التي لازالت تطالب بملكية برلمانية يسود فيها الملك  ولا يحكم ، وتكون الحكومة هي المسئولة عن وضع البرامج وتطبيقها . بعد هذا لن يكون من عذر للحكومة تعلق عليه فشلها أو ضعفها في تدبير الشأن العام .    

6 ـ إعادة الاعتبار للعمل السياسي ( والارتقاء بأداء المؤسسات إلى مستوى مكانتها الدستورية المتقدمة، وذلك بإرساء ممارسة سياسية جديدة، قوامها النجاعة والتناسق والاستقرار المؤسسي، ونهوض كل سلطة بمسؤوليتها كاملة، في إطار فصل السلط وتوازنها وتعاونها.) . ولا يمكن للحكومة والأحزاب الارتقاء بأداء المؤسسات إلا بالالتزام التام بخارطة الطريق التي وضعها الملك ، ومن مقتضياتها :

أ ـ دمقرطة الدولة والمجتمع وذلك بـ ( انتهاج الحكامة الجيدة، بتفعيل المبادئ والآليات التي ينص عليها الدستور. وعلى رأسها ربط تحمل المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة، وتخليق الحياة العامة، بالتصدي لكل أشكال الفساد والرشوة، والريع الاقتصادي والسياسي والاحتكار، وكذا العمل على ضمان تكافؤ الفرص، وحرية المبادرة الخاصة، والمنافسة الحرة.) . إذ لا يمكن للمواطنين أن يطمئنوا إلى عمل المؤسسات الدستورية إلا إذا لمسوا فاعليتها في محاربة الفساد ونهب المال العام . وهذا لن يتم بالشعارات والوعود الانتخابية ، وإنما بتدابير عملية تهم التحقيق في كل الملفات التي حولها شبهات وتقديم كل المتورطين في جرائم نهب المال العام إلى القضاء على قدم المساواة . ذلك أن إجراءات محاربة الفساد  المتخذة حاليا لا تهم سوى الجماعات المحلية وفي بعض منها فقط . في حين أن الجرائم الحقيقية توجد في قطاعات أخرى غير الجماعات المحلية التي اقتصرت المتابعات في  معظمها  على  مستشارين عاديين لا حول لهم ولا قوة . وكان الأجدر أن تهم المتابعات المفسدين الكبار الذي ضيعوا على  خزينة الدولة مليارات الدراهم ولا يزالون  . أما الاقتصار على ضعاف المستشارين المحليين فليس سوى البحث عن أكباش فداء لذر الرماد في عيون المطالبين بمعاقبة المفسدين .

ب ـ (إحداث نقلة نوعية في الرفع من مؤشرات التنمية البشرية. ولا سيما من خلال إصلاحات وإنجازات، مقدامة وملموسة، تضع في صلبها تحفيز الاستثمار المنتج، المدر لفرص الشغل، والسكن اللائق، وتعميم التغطية الصحية، والحفاظ على البيئة، وتوفير التعليم النافع، بالإصلاح العميق لمنظومة التربية والتكوين، والانخراط في اقتصاد المعرفة والابتكار، مفتاح تقدم المغرب.) . فالمواطن العادي هو وقود العملية السياسية ، وهو مَرجع مصداقيتها . ولا يمكن إقناعه بجدواها إلا إذا لمس التغيير في معيشه اليومي واسترجع كرامته المهدورة بفعل الفقر والتهميش .

ج ـ ( التأهيل الذاتي للأحزاب، التي لا ديمقراطية حقة بدونها، وذلك من أجل انبثاق مشهد سياسي معقلن وفعال ) . لإن من المداخل الرئيسية للارتقاء بالعمل السياسي ، تأهيل الأحزاب من حيث  برامجها وتصوراتها وأطرها وطريقة تأطيرها للمواطنين . ذلك أن الأحزاب التي تفتقر إلى الديناميكية الداخلية التي تسمح لها بتجديد دمائها والانفتاح على كفاءات جديدة ، لا يمكنها أبدا مواكبة التغيير الذي يتطلع إليه الشعب وينص عليه الدستور . لهذا طالب الملك بتأهيل الأحزاب بإرادة منها دون تدخل من الدولة حتى لا تتعارض مع نصوص الدستور .

إن المغرب أمام فرصة تاريخية لتدارك ما ضاع من عقود ، وليتصالح مع ذاته ومع شبابه الذين لا يكفون عن التظاهر من أجل التغيير السلمي والحقيقي  الذي يضمن للمواطنين كرامتهم ويضعهم في مصاف الشعوب الفعالة في التاريخ لا التي تعيش على هامشه . وستكون الحكومة والدولة والأحزاب أمام امتحان حقيقي  قد ينقل المغرب بأمان نحو المستقبل بما يحفظ وحدته واستقراره ، أو قد يضعه ــ لا قدر الله ــ على هاوية الفتن . فكثير هي القوى  التي تتربص ، من الداخل والخارج ،  بوحدة المغرب واستقراره  ، ولا يخدم مصلحتها انخراط المغرب في عملية التغيير والإصلاح .

لهذا ، فإن كل تردد أو تقاعس من الأحزاب والحكومة عن الارتقاء بالعمل السياسي والاستجابة لتطلعات المواطنين إلى التغيير والمساواة والكرامة ومحاربة الفساد ، سيوسع من دائرة الاحتجاج ويقوي صفوف حركة 20 فبراير بما يدفعها إلى رفع سقف مطالبها كرد فعل عن مشاعر الخيبة التي قد تترتب عن الانتكاسة . فلا مجال إذن ، للخطأ في التقدير ، وقد تكون آخر فرصة أمام النظام والدولة والحكومة والأحزاب للبرهنة على إرادة التغيير وجدية العمل من أجل بناء مغرب الغد . 

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*