السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تلقائية الملل طاقة هائلة متجددة مهدرة

تلقائية الملل طاقة هائلة متجددة مهدرة

    إن حصار الملل وضغطه الذي لا يفتر هو العامل الرئيسي للإحساس بالزمن واستثقال الوقت فهو دافع قوي على الحركة والنشاط والبحث عن أي شيء للانشغال به لذلك فإن الأفراد يضطرون أن يبحثوا عن أي منفذ لفك حصار الملل

إن أكثر الناس ربما لا ينتبهون لأهمية الملل بوصفه المحرك الأدوم للنشاط الإنساني ،إن الملل هو الخصم اللدود للرتابة والتكرار والجمود فهو دافع التجدد والتغيير لكن الناس يتضايقون منه لأنهم في الغالب لا يدركون وظيفته الحيوية ،إنهم في فراغهم يبحثون عن أي ملاذ ينقذهم منه لأنه يحاصرهم بضراوة غير أنهم في الغالب يغفلون عن آثاره الإيجابية العظيمة وعن نتائجه السلبية المدمرة.

فلابد أن نكون على وعي تام بطبيعة الملل اللحوحة وأن ننتبه لوظيفته الإيجابية أو السلبية وأن نفطن لحضوره الدائم ونحرص على استثمار فاعليته بدلاً من الهروب السلبي ومحاولة الإفلات من قبضته فهو المحرض الخفي لإنجاز الأعمال الباهرة في العلم والعمل والاختراع والأدب والفن والإبداع كما انه المحرك المجهول لاقتراف الآثام المؤذية أو الأعمال التخريبية أو طيش المراهقين أو نزوات الشباب أو انفجارات الفارغين.

إن تلقائية الملل وديمومته تجعله المحرك الأول للنشاط الإنساني فما لم يكن الإنسان منشغلاً بعمل ممتع أو قراءة مثيرة أو شيء لذيذ فإن الملل لا يفارقه بل يلازمه ملازمة ظله ويجثم على صدره فيحركه ربما لغير هدف ،إنه يشعره بالضيق الذي لا فكاك منه إلا بالانشغال عنه فيضطره إلى الحركة نحو أي شيء أو إلى لا شيء لأن الإنسان يجد صعوبة شديدة في أن يبقى ساكناً من غير انشغال بأي شيء مما يدفعه إلى الحركة والانشغال عن الملل بأي شيء نافع أو ضار.

إنها آلية تلقائية جاهزة دائماً لتنغيص وقت الراحة وإثقال ساعات الفراغ فالملل لا يكف عن الحضور والمضايقة انها آلية مستمرة الفاعلية في البناء أو الهدم ،وقد كشف العلم أخيراً أن الدماغ جهاز لا يطيق الفراغ إنه بطبعه يبحث عن المعرفة وعن الإثارة وعن المتعة ولا يستطيع البقاء دون انشغال فما لم يكن الإنسان مشغولاً فإن الملل يحاصره فالملل هو المحرك الأدوم للنشاط والحركة ولكن هذه الآلية العظيمة المدهشة مازالت غير مستثمرة بل إن طاقة الملل الهائلة المتجددة تتحول عند الشعوب المتخلفة إلى طاقة للهدم والشجار والغيبة والنميمة وتبادل الشكوى وإشاعة التذمر وتكرار الدعابات الهزيلة التي ترسخ الجهل وتنشر الحقد.

ان الإنسان محكوم تلقائياً بآليات الإثارات والاستجابات ، إنها آليات جسدية ونفسية وذهنية وعاطفية إنه خاضع تلقائياً لآليات الحب والكره وآليات اللذة والألم ولكن الملل هو أدوم أنواع الألم ومع أنه ليس ألماً حاداً يدفع إلى التأوه والصراخ إلا أنه ألم مقيم وثقيل ودائم، إنه الألم الذي لا يرحل وإذا رحل فإنه يعود بسرعة فليست الحياة سوى ديمونة الملل إلاّ إذا نحن صرفناه بالانشغال عنه بتحصيل معرفة أو أداء مهمة أو الانغمار في متعة فكرية متجددة.

إن حصار الملل وضغطه الذي لا يفتر هو العامل الرئيسي للإحساس بالزمن واستثقال الوقت فهو دافع قوي على الحركة والنشاط والبحث عن أي شيء للانشغال به لذلك فإن الأفراد يضطرون أن يبحثوا عن أي منفذ لفك حصار الملل وتخفيف ضغطه فيعالجونه بالتكيف مع الواقع ويتعايشون معه وفق المتاح من وسائل الإثارة والترويح فسواء تنوعت واتسعت وسائل مقاومة الملل أم ضاقت وانحصرت.

فإن الناس لابد أن يعالجوا مللهم بالوسائل المتاحة وأن يبحثوا عن إثارات وانشغالات ومتع بشتى الوسائل والطرق الممكنة وأن يحاولوا تجديد نفوسهم بأي شيء يخفف الملل الثقيل بأي انشغال ولو بتداول الشائعات ومقارفة الغيبة والانشغال بالتفاهات وتكرار الطرائف وإعادة التذكير بالمواقف المسلية والنكات المضحكة فيعيدونها آلاف المرات لأنها الوسيلة المتاحة التي يوهمون بها أنفسهم بأنها تنقذهم من الملل الخانق .

إن من أغرب الفجوات المعرفية في العالم عدم اكتشاف الطبيعة التلقائية للإنسان والغفلة عن حاجتها الدائمة إلى الإثارة وإهمال دور الملل رغم انه المحرك الأقوى للنشاط ،فالملل ظاهرة محورية في الحياة الإنسانية لكنها ظاهرة لم تنل من الدراسة والاهتمام ما يتناسب مع تأثيرها القوي على الحياة البشرية إيجاباً وسلباً.

إن طبيعة الإنسان التلقائية وحاجته الدائمة إلى الإثارة وتكيفه السريع مع المثيرات ومحاصرته الدائمة بالملل ما لم يحصل على إثارات منتظمة ومتجددة تدل على أنه خلق ليعرف من أجل أن يعمر الأرض ويقيم العدل ويلتزم بالحق لذلك فإن مواصلة التعلم وإتقان العمل هما أهم مهماته الأساسية لأنه يبقى محاصراً بالملل ما لم ينغمر في الإثارات المعرفية المتجددة أو بالعمل المثير البهيج .

إن الملل مدمر للفرح ومزهق للمباهج الفردية باستثناء مباهج العقل وملذات المعرفة ومسرات الإبداع وراحة الإنجاز فإنها تقهر الملل وتضمن دوام المتعة وتحقق تنوع المسرات لأنها مباهج لا تنفد ،إنها ملذات متجددة ومتنوعة ونامية وذات مصادر متعددة زاخرة بالإثارة المستمرة كما أنها مباهج حرة فليست مرتبطة بعلاقات الفرد بالآخرين ولا هي مرتهنة بموافقتهم ولا بتعاونهم ولا بمشاركتهم وإنما يعيشها الشخص متى شاء وأينما كان.

إن الإنسان يحتاج دائماً إلى الإثارة المتجددة لكن التكيف والتعود يعيده بسرعة إلى الرتابة ويسلمه إلى الملل فيطفىء وهج الإثارة ويذهب بحلاوة المتاح ويخنق طراوة الجديد فالفرح لحظات خاطفة أما الملل فامتداد سرمدي ولكن الأكثر أهمية أن نعرف أيضاً أن هذه الطبيعة المقلقة والمضجرة عظيمة النفع على المستوى الفردي والاجتماعي والإنساني فنتائجها النافعة غالبة وراجحة بأضرارها الفردية والجماعية والإنسانية، فالملل محرك قوي إنه طاقة متجددة لا تنفد فهو ملازم للإنسان طول حياته لكنه لا يستثمر إلاّ عند الأمم الراقية .

ان الملل طاقة محركة قوية ومتفجرة تلقائياً لكن ان لم تستثمر هذه الطاقة المتجددة المتحفزة في الارتقاء بالأخلاق والمعارف والآداب والفنون والمهارات البانية فسوف تتنوع انفجاراتها الضارة على المستويات الفردية والأسرية والاجتماعية والإنسانية.

إن من أبلغ ما قيل عن طبيعة الإنسان الملولة المتلهفة إلى المفقود والزاهدة في الموجود والمحتاجة دوماً إلى الإثارة ما كان يرفعه شعاراً المفكر الألماني قوتهولد افرايم ليسنج وهو من أبرز قادة التنوير فقد كان يقول: «لو أعطيت لي الحقيقة في اليد اليمنى والبحث عنها في اليد اليسرى لاخترت اليسرى» إنه لا يريد ان يستلم حقيقة جاهزة مكتملة ليس له دور في كشفها وليس عليه سوى ان يلتزم بها بل يريد الاستغراق بالبحث عنها والاهتمام بها والسعي إليها والفرح بما يتحقق منها من جرعات مثيرة وغير نهائية .

ان الحقيقة هي أعظم مطلوب وأشرف غاية وأغنى نهاية فهي أساس العلم والعدل والاستقامة والتطور ومصدر كل ما هو رائع في الحياة الإنسانية فإذا اندفع الإنسان في البحث عنها والتحقق منها والالتزام بها فإنه يحقق أعظم وأعجب وأنقى وأصدق النتائج ،فالولع التلقائي بالحقيقة هو حافز الكشف وهو دافع البحث وهو محرك النشاط وهو الواقي الحقيقي من الملل وهو المجدد للإثارة دون توقف وهو الذي يجعل الإنسان يتحمل المشاق وربما رضي بأن يدفع حياته ثمناً لكشف الحقيقة وإعلانها.

إن الأوروبيين قد جعلوا قول (ليسنج) شعاراً حافزاً للبحث والتجديد والتغيير في مجالات المعرفة والكشف والمغامرة والبناء والسعي إلى الكمال الذي لا يكتمل أبداً وإنما كل كمال يدفع إلى ما هو أكمل.

إن الأوروبيين حين كان العالم كله يغط في سبات الرتابة والملل قد انتفضوا من السبات فأمعنوا في مغامرات الفكر والفعل فقطعوا المحيطات المظلمة واكتشفوا القارات المجهولة وانشغلوا بالبحث والاختراع واستثمروا قابليات الإثارة وفجروا الطاقات الكامنة فحققوا ازدهارهم العظيم باستثمار طاقة الملل والثورة على الرتابة والتلهف التلقائي إلى الإثارة والمغامرة فاندفعوا باحثين مغامرين كاشفين.

لقد استثمروا هذه الطبيعة الملولة للإنسان فبقوا في حالة ولع لا يفتر وبحث لا يقنع لقد شيدوا بهذا الاستثمار تطورهم الاستثنائي العجيب فكل اكتشاف يفتح الآفاق لاكتشافات أعظم وكل إنجاز يدفع إلى إنجازات أوسع وأروع .

ان الأوروبيين قد استثمروا هذه الطبيعة المستطلعة الملولة غير المكتفية فأنجزوا بها امتيازهم العظيم ان الحصول على الشيء وامتلاكه يكشف سره ويزيل غموضه ويطفئ دوافع الرغبة فيه ويؤدي إلى التآلف معه والاعتياد عليه والانتظام فيه وعدم الاستثارة به فالإثارة ليست هدفاً في ذاتها وليست غاية نهائية وإنما هي وسيلة للتحريك إنها عامل أساسي من عوامل الإنجاز وتحريك النشاط .

إن اللذة ليست بما هو متوفر بل تأتي وتتأجج وتلوح في الإثارة والأمل والتخيل والتطلع والبحث والاستشراف وليس في الامتلاك والحيازة.

لقد نهضت الشعوب الأوروبية بهذا الولع الدائم للمغامرة والكشف والمثابرة على البحث والاستمتاع بهذا البحث وعدم الاقتناع أو الاكتفاء بما تحقق مهما كان عظيماً ورائعاً واعتبار التلهف الدائم إلى الحقيقة هو المهمة العظمى في الحياة الإنسانية .

ان الحقيقة الهاربة حلم مثير نلاحقه وليست شيئاً محدداً نمسك به وليست واقعاً ثابتاً نصل إليه .ان حصار الإنسان بالملل وحاجته الدائمة إلى الإثارة التي تخرجه من هذا الحصار طبيعة رائعة تحفز للبحث وتدفع إلى الاستقصاء وتثير الطاقات الإنسانية الكامنة فلو كان الإنسان يقنع بما حصل عليه ويكتفي بما توفر له لما تحققت هذه الاكتشافات العظيمة ولما نشأت العلوم الدقيقة الشاملة ولما تنوعت الوسائل ولما تطورت الأدوات ولبقيت الحضارة راكدة ساكنة مستقرة تجتر ما هو متحقق وتكرر استخدام ما هو جاهز من التصورات والأفكار والمعارف والآراء والوسائل والأدوات.

ولكن هذه الطبيعة التلقائية الملولة المتأججة المترحلة ذات المنافع العظيمة ليست خيراً محضاً إنها قد جعلت السعادة الدائمة مطلباً لا يمكن تحقيقه انها تزهق الفرح وتديم الترح إنها السبب في الكثير من التوترات والانفجارات والتذمرات والخصومات والإحساس بالنكد وسرعة الغضب وحصول الشجار واللجوء للثرثرة الضارة للبحث عن الإثارة ومحاولة الخروج من حصار الملل فبسبب هذه الطبيعة يحس الإنسان دائماً بالضيق والسأم وعدم الارتياح ويشتد لديه الإحساس الثقيل بالزمن فلا تنتظم له متعة ولا تدوم له بهجة إلا في مجالات التعلم المثير والإبداع المبهج فالإنسان كائن ملول وفيه جوع دائم إلى الإثارة فبدون الإثارة يجثم الملل على صدره ويخنق أنفاسه وبسبب هذه الطبيعة الملولة الظامئة الجائعة غير المستقرة تلاحقه التعاسة ويحاصره الضجر فهو يضطر أن يتحرك حتى ولو لغير هدف.

إن الإنسان تتنازعه حالة الإثارة الطارئة القصيرة وحالة التكيف التي تعيده إلى الرتابة الثقيلة المنتظمة ليمسك به الملل .

ان الانتظام بالتآلف والاعتياد هو الشيء الدائم أما الشيء الملازم لهذه الرتابة فهو الملل ولا يخرج الإنسان منه إلا بمثير مبهج أو مزعج فيصيبه الملل الثقيل إذا بقي على شيء واحد أو في مكان واحد إنه يمل ألذ الطعوم وأجمل الأمكنة وأفخم القصور وأكثرها ثراء وأشدها تنوعاً وأحفلها بأسباب الراحة فيتركه بين فترة وأخرى ليس زاهداً فيه وإنما مللاً مؤقتاً منه ورغبة في التغيير عنه.

فهو يخرج منه ويذهب لأسوأ المواقع وأشدها جدباً وعسراً ومشقة كما في حالات الصيد والقنص في الصحاري اللاهبة الغبراء ،إنه يفر مؤقتاً من النعومة إلى الخشونة ومن الراحة إلى التعب ومن الوفرة إلى الندرة وذلك من أجل البحث عن الإثارة التي لا تتحقق إلاّ بالمختلف حتى وان كان أدنى كثيراً مما هو متوفر لأن هذا المختلف يحقق له الإثارة التي تعالج الملل أو تخففه ولا يحصل الإحساس الجياش بالحياة إلا بها ثم يعود الإنسان إلى مكانه الجميل المريح فيصير أشد إحساساً بجماله وأكثر إدراكاً لمزاياه.

ويتكرر التأرجح بين الملل الدائم والإثارة العابرة ليس زهداً في الأوفر والأجمل ولكن لتجديد الإحساس بالجمال واستعادة الإثارة انه من حيث لا يدري يحتاج دائماً إلى أن يخلق مسافة كافية بينه وبين الأشخاص والأشياء والأماكن من أجل استعادة القيمة واسترجاع الأهمية وإحياء الإحساس بالفاعلية وتجديد حركة الرغبة.

ومن أوضح وأوسع وأقرب وأقوى الشواهد على حاجة الإنسان الشديدة إلى الإثارة المتجددة دون انتظار لأي كسب مادي أو معنوي ما يعيشه الناس في كل مكان من حماسة طاغية متوقدة ودائمة للانتماءات الرياضية ولو كان هذا الحماس الشديد محصوراً باللاعبين المستفيدين مادياً ومعنوياً لكان شيئاً واضح السبب وله مبرراته الواضحة لكن الحماس الرياضي الطافح والمتأجج والمستمر يشمل الجميع فينتمي هؤلاء لهذا الفريق الرياضي وينتمي آخرون لفريق آخر ويعيش الجميع إثارة فائرة متكررة ومتجددة ومستمرة ،ومن البداهة ان هذه الانتماءات لا تتكون نتيجة لاختيار مدروس أو طمع في كسب مادي أو معنوي وإنما هي انتماءات عفوية محكومة بالظروف .

ان المشجعين الرياضيين لا يبحثون عن أي نفع مادي ولا القيام بأي واجب ولا الوفاء بأي التزام وإنما يهتمون كل هذا الاهتمام المتوقد الجياش لمجرد الحصول على الإثارة والخروج من حصار الملل وتحقيق الانتماء المريح ومما يؤكد أهمية هذه الظاهرة انها ظاهرة بشرية عامة فوارة وطاغية ومستمرة وعميقة وواسعة وفي ذلك تستوي المجتمعات المتخلفة والمجتمعات المزدهرة وتلك التي تعيش بين التخلف والازدهار فالجميع يبحثون عن الإثارة بأية وسيلة فيخرجون بهذه الإثارة من حصار الملل الخانق.

هكذا هو الإنسان يحاصره دائماً الملل الملازم للحياة الإنسانية فيبحث عن أي منفذ للخروج منه والدخول في عوالم الإثارة أياً كانت هذه الإثارة وأياً كان مجالها ونوعها ومحتواها، انه لا يطيق البقاء حيث هو من غير ان ينشغل بما يثير اهتمامه ،انه لا يرضى التوقف عند أي شيء متحقق له ولا الشعور المثير بما توفر له وإنما كل متوفر يراه تحصيلاً لحاصل إلاّ إذا فقده ولو مؤقتاً أو غاب عنه ولو لفترة قصيرة أو خاف عليه عند ذلك فقط تستعاد الإثارة وتحضر القيمة وتتجدد الأهمية انه لا يشعر بقيمة المتوفر إلا بوجود مسافة فاصلة كافية للإغراء والإثارة.

فهو لا يكف عن طلب المزيد ولا يتوقف عن الرغبة في التغيير إلا في المجال الثقافي الذي تبرمج به فإنه ينغمر فيه ويستسلم له ويغتبط به ولا يريد الخروج منه لأن الثقافة هي التي صاغته وشكلت عقله وعواطفه ،إنها ذاته ومنها استمد وعيه وطريقة تفكيره ومعايير التقييم عنده فهو منها وليست هي منه.

أما في مجال المطالب المتغيرة فإنه لا يكف عن طلب التغيير لأن المتوفر لديه لا يثيره إلا إذا ابتعد عنه بعض الوقت أو جرب غيره عند ذلك فقط يحس بالفارق فيتجدد لديه الإحساس بالقيمة ويستعيد الإثارة.

ولكن هذه الإثارة المستعادة لا يطول أمدها وإنما تخمد مرة أخرى فيحتاج المرء إلى تجديدها بشيء من الابتعاد المؤقت عن المثير الذي كف عن الإثارة فالإنسان بطبعه لا يغادره الملل إلاّ حين يكون مشغولاً بالبحث عن الإشباع الجسدي أو النفسي أو العقلي أو العاطفي .

إن من يتوفر له كل شيء يزهد في كل شيء فتصبح حياته مللاً لا يطاق!! لذلك فإن فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ) يخشى ان الناس سوف يملون رتابة الحياة حين تختفي الصراعات العالمية فيرتدون إلى صراعات أشد هولاً وأمعن فتكاً.

 إن الملل نعمة عظيمة ولكنه نقمة فظيعة ولا ينقذ الإنسان من الاختناق الناتج عن حصار الملل سوى مباهج العقل التي لا تنفد وملذات الفن التي لا تنتهي!!

إن الذي يهمني هنا هو تأكيد نظرية ان الإنسان كائن تلقائي وان استجاباته وفاعلياته وطاقاته وقدراته ومهاراته ومعارفه وجميع كفاياته مرتهنة باندفاعاته التلقائية.

-- الرياض:إبراهيم البليهي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*