الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل يقع المجلس العسكري المصري ضحية للابتزاز؟

هل يقع المجلس العسكري المصري ضحية للابتزاز؟

أي قرار سيتخذه المجلس العسكري سيكون في غير صالحه. إصدار قانون دور العبادة الموحد سيؤدي إلى إضعاف المجلس لأنه اتخذه تحت ضغط العنف، مما قد يولد الاعتقاد أنه بالعنف يمكن الحصول على كل شيء

اتخاذ القرار أهم عمل يقوم به القائد السياسي أو الاجتماعي أو الوظيفي. تأتي أهمية القرار اعتماداً على مستوى متخذه، وموقعه في التنظيم. يمكن أن يحول القرار الأوضاع إلى صف القائد أو ضده. القرارات هي ما يبقى عادة بعد ذهاب متخذيها. يحكم التاريخ على الرؤساء والقادة على مختلف مستوياتهم بعد سنين وربما قرون من تركهم للسلطة بناء على ما اتخذوه من قرارات.

يرتبط كل سياسي مشهور بخصائص طبعتها قراراته في ذاكرة الناس. القائد المحنك كان يتخذ قرارات هادئة، ويصل إلى حلول منطقية تتعامل مع المشكلة وتحلها بشكل كامل. والقائد الضعيف يترك الأمور تسير مدعياً أنها ستصلح نفسها بنفسها، حتى يحاصر في ركن لا يستطيع الخروج منه. وهناك القائد المزاجي والقائد المبتكر.

تطبع القرارات شخصية القائد في الذاكرة الجمعية. عندما نتذكر نابليون بونابارت تقفز إلى الذهن صورة محددة بنتها قرارات الرجل. نرى الفكر العسكري والمزاجية والتحدي الذي ميز حياة هذا القائد، وقراراته. الرئيس الأميركي لنكولن يعيد للذاكرة الحريات ومنحها للناس بغض النظر عن خلفياتهم وأصولهم، وهذا أيضاً نتيجة قراراته. باستخدام نفس هذه الطريقة نستطيع أن نرى شخصيات مختلفة بنيت في الذاكرة من خلال ما اتخذته من قرارات فصدام حسين مثلاً يختلف عن غاندي ويختلف هذا عن نيكسون، وهكذا.

تفنن علماء الإدارة في وضع الشروط والمتطلبات للقرار الصحيح، بل إن هناك مدارس للقرار، وكيفية الوصول إليه وأساليب مختلفة لإيجاد الأرضية الملائمة لإصداره وضمان تقبله. تخصصت كل مدرسة من مدارس الإدارة في تقديم رؤيتها للقرار، فالمدرسة اليابانية تؤمن بجماعية القرار، والمدرسة الأميركية تؤمن باستقلالية القرار، هناك من يؤمن بأن القرار يفقد قوته مع تأخر صدوره، وآخرون يؤمنون بأن القرار لا بد أن يتخذ بعد التعرف على جميع الحقائق. كل هذا يهدف للوصول إلى القرار المناسب في الوقت المناسب.

يتبع هذه الآليات وجود تنظيم محدد لاتخاذ القرار، ووسائل لقياس نتائج القرار، وأساليب التعامل مع الظروف والملابسات التي تتكون قبل وأثناء وبعد اتخاذ القرار. تجد لدى المسؤول أكثر من مستشار ومركز خبرة وتنظيم يساعدونه في اتخاذ القرارات المهمة. هذه كلها وسائل لدعم اتخاذ القرار.
يتأثر القرار المتخذ بعناصر أساسية أهمها:

المعلومات: فكلما توفرت كمية أكبر من المعلومات عن الحالة التي يجب اتخاذ القرار حيالها؛ كان القرار أقرب للصواب.

البدائل: إذا كثرت البدائل أصبح التفريق بينها والتعرف على مزاياها وعيوبها أصعب، إلا أنها توفر للقائد قدراً أكبر من الحرية في اتخاذ القرار.

القيم: يعمل متخذ القرار وهو محاصر بمجموعة معينة من القيم والأخلاقيات التي تحكم القرارات التي يتخذها، ومدى قبولها لدى المجتمع المتلقي.

الأهداف: تحكم غايات متخذ القرار على الطريقة والمفهوم الذي سيتبعه وبالتالي القرار الذي سيتخذه.

الوقت: أهم عناصر اتخاذ القرار هو الوقت. فكلما توفر الوقت لاتخاذ القرار تمكن تنظيم اتخاذ القرار من دراسة البدائل والتعرف على نتائج القرار مبكراً، وتنفيذ الدراسات التي يبنى عليها ترجيح طريقة حل على طريقة حل أخرى.

التعامل مع المؤشرات مبكراً أمر مهم، ذلك أن الانتظار حتى تقع المشكلة للبدء في حلها أمر يضع القائد والنظام كله تحت رحمة الظروف، وتدفع لاتخاذ قرارات مهزوزة وغير مدروسة.

تتميز القيادات المتمكنة بوجود إدارات للتنبؤ بالأحداث، تقوم هذه الإدارات بتصوير سيناريوهات مختلفة لما سيحدث، ومن ثم تبني قرارات معينة للتعامل مع كل سيناريو. يتم استخدام القرارات الجاهزة عند حدوث الحالة التي بنيت مشاريع القرارات عليها.

التراخي وعدم التفاعل مع الأزمات بالشكل الصحيح والتسويف والتأخير والاعتماد على أن الأمور ستحل نفسها وسيلة خاطئة، هذه الوسيلة هي العجز نفسه، وهي ما دمرت دولا وحضارات. ولنا في التاريخ القديم والحديث عبر كثيرة في أن عدم اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب أدى إلى كوارث.

يقع المجلس العسكري ومجلس الوزراء في جمهورية مصر العربية هذه الأيام تحت ضغط الشارع. بقيت القيادات تعتمد على أن الأمور ستهدأ، وأن الناس لن تطالب بأي شيء من المجلس العسكري ومن حكومة تصريف الأعمال. اعتمدوا كذلك على أن الشعب سيهدأ بمرور الوقت. تأخر إصدار القوانين وتأخرت القرارات المهمة الأساسية، وتأخرت الانتخابات. بدأ الناس يتململون.

عادت المظاهرات وظهرت المشاحنات، وأصبح الكل يطالب بكل شيء.
أذعنت الحكومة لمطالب تغيير أحد المحافظين في محاولة لتهدئة الرأي العام، تم إلغاء تكليف وزير لنفس السبب. بدأ احتكاك بين المسلمين والأقباط، وقفت الدولة موقف المتفرج. تصرف أصحاب النوايا الحسنة لحل المشكلة التي كان لا بد للدولة أن تتصرف فيها.

ثم جاءت الطامة.. مظاهرة عنيفة تؤدي لمقتل 36 وتصيب ما يقارب مائتي شخص. أفقدت هذه المشكلة الدولة توازنها، وفقدت قدرتها على السيطرة على النظام.

اتخاذ القرار اليوم يستدعي أن تضع الدولة نفسها في موقف سيئ للغاية، فالمعلومات كلها ضد الدولة، والقيم لم تعد أساسية هنا، والبدائل أصبحت محدودة للغاية، والأهداف ضبابية وغير واضحة، والوقت يخنق متخذ القرار.

أي قرار سيتخذه المجلس العسكري سيكون في غير صالحه. إصدار قانون دور العبادة الموحد سيؤدي إلى إضعاف المجلس لأنه اتخذه تحت ضغط العنف، مما قد يولد الاعتقاد أنه بالعنف يمكن الحصول على كل شيء، كما أن فرض حالة الطوارئ سيكون دليلاً على أن المجلس يتخبط. سيعود المجلس ليراهن على العقلاء لتهدئة الوضع. لكنه ملزم اليوم باتخاذ العقوبات القوية والرادعة ضد كل مثيري الشغب والفتنة للإبقاء على ماء الوجه. كل هذا كان نتيجة التراخي وتأخر اتخاذ القرار.

-- الوطن أونلاين:علي الجحلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*