الأحد , 4 ديسمبر 2016

الرد على إيران

لو سقطت الأنظمة الموالية لإيران أو تحولت إلى أحضان العرب لوجدت إيران نفسها بلا أجنحة. الشعب الإيراني وقتها سيتكفل بالرد المؤلم على سياسات حكومته الخرقاء التي لم تجلب له إلا الضياع

الرد على إيران بعد محاولتها الأخيرة اغتيال سفيرنا في واشنطن قد لا يكون تقليدياً كما اعتدنا، مثل قطع العلاقات أو نحو ذلك. في حالة إيران يوجد حل مختلف تماماً، ذلكم هو التركيز على إعادة توجيه اهتمام قادتها لشؤون إيران الداخلية ليواجهوا مصيرهم. كيف؟ بدعم الأطراف الدولية والإقليمية للجهات التي تسعى إلى إسقاط الأنظمة الموالية لإيران في المنطقة. لو سقطت تلك الأنظمة أو تحولت إلى أحضان العرب لوجدت إيران نفسها بلا أجنحة. الشعب الإيراني وقتها سيتكفل بالرد المؤلم على سياسات حكومته الخرقاء التي لم تجلب له إلا الضياع.

الواقع أن السبب الرئيسي لمعظم التهور الذي تقدم عليه حكومة طهران ويفاجئنا بل ويفاجئ العالم برمته؛ هو الانشغال المصطنع في عدو جديد للجمهورية الإسلامية، حتى لو أتى ذلك على حساب التنمية الداخلية. حتى لو دفعوا مقابله القمع والتنكيل والقتل والتعذيب لكل معارض كما حدث قبل ثلاث سنوات في طهران.

وطبيعي عند وجود البلاد ـ أي بلاد ـ في حالة حرب، التفاف الناس مع حكومتهم لدواعي الدفاع عن الوطن من كيد هؤلاء “الأعداء”. إيران وفي سبيل تكريس هذا الوهم لم تتوقف عند هذا الحد، بل سعت ومنذ عقود إلى بناء تحالفات متعددة في المنطقة لمواجهة “أعداء الأمة”، أو كما تريد أن تمرره على السذج والبسطاء، أهمها بالطبع ارتباطها الوثيق بلبنان وسورية. هذا إضافة إلى محاولاتها التي لا تتوقف لضم الإخوان المسلمين وقيادات حماس.

لو توقف الحديث عن هذه القصص المختلقة والمبالغ بها لما بقي أمام وسائل الإعلام الإيرانية إلا الالتفات إلى الشأن الداخلي، ولو حدث ذلك فإنه إعلان الحرب سيكون من قبل الإيرانيين أنفسهم على هذا النظام الغارق في الأدلجة والإفلاس.

استمعت إلى الكثير من الإيرانيين هنا في لوس أنجلس، التي يقطنها مئات الآلاف منهم هرباً من نظام ولاية الفقيه والقمع المصاحب له. الجميع بلا استثناء ينتظر سقوط النظام. صحيح أن غالبيتهم أصبحوا من حملة الجنسية الأميركية، لكنهم تواقون للعودة إلى بلادهم والمساهمة ببنائها وتطويرها.

ومما لا شك حوله أن خسارة الجمهورية الإسلامية للملايين من أبنائها هو بحد ذاته مدمر لمشاريع التنمية وبناء الفرد الإيراني، كون معظم هؤلاء من النخب المتعلمة.

أحدهم هنا يملك أكثر من مئة براءة اختراع في الطب والجراحة، ولو أراد أن يتنازل عن القيمة السوقية لهذه الاختراعات لحصل على عشرات الملايين من الدولارات مقابل ذلك. إنه إنتاج العقل الذي ترعرع في البيئة المناسبة، التي حرمه هذا النظام وحرم غيره منها.

من هنا فإن التركيز على إزالة نظام الأسد المفلس الآخر والداعم لرؤية الجمهورية الإسلامية عبر الدعم الدولي والإقليمي للثوار في سورية، والبدء الفعلي بمحاكمة المتهمين بقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وإعادة حماس والإخوان المسلمين، على صعوبة الأخير، إلى حاضنة العرب سيشكل حجر الزاوية في هذه المواجهة.

قبل أن أكتب هذه المادة كنت أستمع إلى مقطع يوتيوب لخادم الحرمين حفظه الله وهو يتحدث أمام الحضور في مجلسه العامر قبل سنوات عن كارثة الزلزال الذي وقع في إيران.

كان الملك يبدي امتعاضه ممن كان يقلل عبر الكتابة في الإنترنت من أهمية الحاجة لدعم متضرري الزلازل هناك، وكان حفظه الله يقول ويردد إن مساعدات المملكة واجب إنساني لا منة فيه. كرر ذلك أكثر من ثلاث مرات في كلمة لم تتجاوز عشر دقائق. هذا هو الجانب السعودي في المعادلة، إضافة بالطبع إلى رعايتها للحجاج والمعتمرين المسلمين بمن فيهم الإيرانيون.

يعجب المرء حقيقة من تخطيط القائمين على قيادة فيلق القدس لاغتيال السفير السعودي في واشنطن، هذا الفيلق الذي يتصل مباشرة بأعلى المستويات التنفيذية في الحكومة الإيرانية.

إنه عمل في غاية الخطورة والتهور، ولكنه مفهوم لمن يراقب سلوك حكومة نجاد والمصير الذي ينتظرها. يقول أحد المعلقين في محطة سي بي إس الأميركية إن أيام الجمهورية الإسلامية أصبحت معدودة، يقول ذلك في سياق حديثه عما يجري في سورية والمنطقة، وهو يؤيد ما أشرت إليه في مطلع هذا المقال. هل هذا التهور دليل بالفعل على قلة الحيلة وخلط الأوراق على طريقة عليّ وعلى أعدائي؟ الله أعلم.

لو تخلصت إيران من ممارسة هذه الصناعة (صناعة خلق الأعداء) هل سيجد هذا الرئيس ومن يحكم بإمرتهم أي صعوبة في بناء علاقات ودية مع المملكة؟

المملكة برأيي أسهل دولة في العالم تستطيع أن تقيم معها علاقات. فلا هي فقيرة تحتاج إلى أعباء مالية من مساعدات وغيرها، ولا هي دولة عدوانية وذات تجارب في التدخل بشؤون الدول الأخرى.

دولتنا العزيزة “إن ما جاك منها خير ما جاك شر” كما يقال.

لكن من في هذه الدائرة يبحث عن الخير؟ بل إن بإمكان نجاد وكل من يعمل بإمرتهم في قم أن يعيدوا تشييد إيران نفسها وفتحها على العالم، واكتساب الخبرات وتصدير المنتجات بأدوات عصرية تضعهم ضمن الدول الكبرى اقتصاداً. بإمكانهم القضاء على البطالة والفقر في دولتهم الغنية بمواردها الطبيعية الهائلة، وبمهارات سكانها، إلا أن فاقد الشيء لا يعطيه، إذ لم نسمع يوماً أن خلط الأدلجة مع الطموح نحو البناء والتنمية كان مثمراً. فإما أن تبقى مؤدلجاً عاجزاً عن بناء الإنسان والاقتصاد أو متحرراً من ذلك ومنافساً للعالم من حولك.

-- الوطن أونلاين:فهد إبراهيم الدغيثر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*