الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لماذا التشكيك في الاغتيال

لماذا التشكيك في الاغتيال

 قبل أسبوع تقريبا كشف وزير العدل الأمريكي أريك هولدر عن معلومات خطيرة، وقال إن إيران متورطة في التخطيط لاغتيال عادل الجبير، سفير السعودية في واشنطن، وعندما يأتي التصـريح من وزارة العدل الأمريكية فالأمور تختلف، والمسألة لا علاقة لها بأحــــداث جديدة أو قديمة، أو بالبيت الأبيض ووزارة الخارجية، لأن التورط كمـا قرأت وطبقا للصحافة والإعلام الأمريكي.

وصل إلى علم السلطات الأمنية في الولايات المتحدة، عن طريق عميـــــــل لـمكتب التحقيقات الفيــدرالية أو ما يعرف اختصارا بـ «إف بي آي»، والعميل المذكور كان مزروعا في عصابة المخدرات المكسيكية «لوس زيتاس» واستعان به المتهم المعتقل منصور اربا بسيار وهو أمريكي من أصل إيراني، في التنسيـق مع العصابة لاغتيال السفير السعودي، وهناك أدلة تؤكد مشاركة الحرس الثوري الإيراني في دعم العملية لوجستيا.

دخول الجهات العدلية على الخط وعدم تقديم إيران لما ينفي الاتهامات بالمفهوم الأمني، وأيضا استعداد أمريكا لعرض الأدلة الثبوتية على مجلس الأمن، يعزز من صدق الرواية ويستبعد احتمـــــــالات الفبـركة أو التلفيق، فالقاعدة أن بناء الدليل في الأعمال الأمنية، لا يكون إلا بالمتابعة وضبط مؤكدات الإدانة، وهذه العملية تحتاج إلى وقت ونفس طويل ودقة في الرصد والتحليل.

وتكفي قراءة عابرة لروايات وقصص كونان ديول حول شارلوك هولمز، وبوليسيات أجاثا كريستي، حتى نعرف أن المتهم أحيانا قد يكون بعيدا تماما عن الشبهة وغير متوقـع أبدا، وبالمنطق لا أن يجوز نستهين بالقدرات العقلية لدولة أو شخصيات بارزة فيها، ونرفض ما ينسب إليها من تصرفات غير مقبولة، أو نتمسك بحجج من نوع أنها لم تكن مباشرة وواضحة، أو لا تستثمر في سياق متداول ومتعارف عليه، أو مع بصمة الحرس الثوري في تنفيذ عملياته.

إيران للأسف تلعب على خطوط كثيرة، والأمثلة موجودة في السعودية والبحرين والكويت واليمن ولبنان والعراق وغيرها، فقد أيدت بالكلمة مرة وبالمادة مرات، دعوات غامضة لثورات جملت باسم «مظاهرات سلمية» والمفارقة أنها تقمع المظاهرات ولا تقبل بها إطلاقا في أرضها، وجـــــاءت أغــــرب تدخلاتها في معمعة الثورة الليبية في سبتمبر 2011، ومطالبة شخصية عربية مسيحية، بتوضيح ملابسات اختفاء موسى الصدر ومن معه في ليبيا في أغسطس 1978، ويجوز أن في المطالبة وجاهة، إلا أن مصدرها وتوقيتها يطرح علامات استفهام لا تنتهي.

فالمفـــــروض أن يطالب بالتوضيح من يمثل الصدر في بلد الشخصية العربية، خصوصا أن ذراعه قوية ونفوذه ممتد لدول مجاورة بشهادة العارفين، إلا إذا كان الغياب يخدم دوره في التمهيد لصاحب الزمان، الذي لن يحضر إلا في الأزمات، ويساعد من يمارس أعماله بالوكالة في تكريس أمنيات سياسية وجغرافية يحاول تحقيقهــــا باسم الدين، ما لم أقل بأن الأصوات المتوشحة بالعباءة «السعودية» والمنسجمة مع التوجه الإيراني تقيم وتنشط في واشنطن نفسهـا.

والجبير للإنصاف تفوق في دحض افتراءات وتقولات وخيالات مجموعة من المتحاملين على السعودية في أمريكا، ويظهر أن خيار الاستئصال والبتـر بالكامـــل طرح ونوقش، ويحتمــــل أن التخطيط للاغتيال تم بمباركتهم أو بعـد استشارتهم والاستئناس برأيهم، والسابق سيناريو وارد ومقبول، فالباب مفتوح وواسع لكل التوقعات والتخمينات، ولن يقفل إلا بنشر الحقائق التفصيلية ومن جهة محايدة ليست لها مصلحة كمجلس الأمن.

لا أرغب في عرض أمثلة محرجة لبعض العرب، وسأقول فقط إن مبدأ تعاون الدول العربية وغير العربية مع التنظيمات الخارجة حدث ويحدث، والوثائق والتسجيلات متوفرة لمن يجتهد في الوصول إليها، ومن يتاجر في المخدرات ويتربح من أوجاع الناس، لن يتردد في تغيير مبادئه أو طبيعة عمله مقابل مبالغ مالية دسمة.

وإيران تنفق بسخاء نادر لتنفيذ أجندتها الخارجية، ووضعها الإقليمي والدولي في صورته الحالية معقد وحساس، ومخطط اغتيال العصابة المكسيكية للسفير السعودي لو تم فعلا، سيضر حتما بالعلاقة بين السعودية وأمريكا، ويشغل الرأي العام العالمي عن تجاوزات إيران وحلفائها في مناطق كثيرة، والمحصلة أن الدولة الإيرانية مستفيدة من النتيجة السياسية للاغتيال، وعلى وجه التحديد تزامن الحدث مع موسم الحج.

 فمظاهرات الحجاح الإيرانيين وقتلهم لما يزيد على أربعمائة حاج ورجل أمن في أغسطس 1982 ما زالت حاضرة، واعترافات الحجاج القديمة ووجود عناصـــر موجهــــة من الحرس الجمهوري بينهم، مؤرشفة ومحفوظة في ذاكرة من عاصر وفــــي مكتبة التلفزيون السعودي، ولا أبالغ لو قلت بأن الأسباب الأساسية للخــلاف بين السعودية وإيران، فكرية مخلوطة بغيرة من وجود الحرمين الشريفين في السعودية، ووزنها الإسلامي والاقتصادي والسياسي الثقيل في العالمين العربي والإسلامي.

لدرجة أنهم جعلوا «قم» محجا دينيا وبنوا كعبة فوق قبر «الخميني» وهم طبقا للأزهر الشريف يجتهدون في تشييع السنة مستفيدين من حالة الفوضى بعد الثورة المصرية، ويستغلون الفرص لشق الصف بين السنـــة وإخوانهم الشيعة في الداخـــــل الخليجي، متناسين أنهم أصلا شركاء في الوطن والمصير، وأن راوبط الدم والقرابة بين الاثنين لها جذور عميقة يصعب شطبها وتهميشها، وهم كذلك يحرضون الحوثيين ويمولون القاعدة لخلق شاغل أمني للسعوديين في الحد الجنوبي، ولا أدري لماذا التشكيك رغم زحمة الإثباتات.
binsaudb@ yahoo.com

-- عكاظ:بدر بن سعود

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*