الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المواقع الاجتماعية وثقافة الأجيال

المواقع الاجتماعية وثقافة الأجيال

المواقع الاجتماعية أو ما يُعرف بشبكة التواصل الاجتماعي كـ(الفيس بوك والتويتر واليوتيوب وغيرها) تعتبر من أبرز ما أنتجته التقنية الحديثة التي جعلت العالم قرية صغيرة يعرف الساكن أقصاها الحدثَ الذي يقع في الطرف الأقصى منها لحظة وقوعه. هذه الشبكات تُعتبَر حديثة على المجتمع السعودي؛ فهي لم تُعرَف إلا في الألفية الجديدة بعد دخول شبكة المعلومات (الإنترنت) منتصف تسعينيات القرن الميلادي المنصرم.

 والواقع الذي لا مناص عنه هو أن التقنيات الحديثة لا مجال لصدها أو الوقوف في وجه مدها العاتي، فهي لا محالة داخلة كل منزل مهما كانت المتاريس ومهما كانت مبررات الممانعين.

وكأي منتَج فهذه الشبكات الاجتماعية تحمل الضدين (الإيجاب والسّلب) بحسب المستخدِمين لها. وفي هذا المقال لن أتطرق لإيجابيات هذه الشبكات الاجتماعية؛ لأنها عديدة، وليس المقام مقام سرد وتفصيل لها، فهي معروفة ومؤثرة في قضايا وأحداث شهدها ولا يزال يشهدها العالم ثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.

ولن أُركِّز على سلبياتها التي وبحسب بحث (بنان علي دخيل، ومشاعل البشر) الطالبتين في جامعة الأمير سلطان، قسم علوم الحاسب والمعلومات تتمحور في: (إضاعة الوقت والإدمان وإضعاف مهارة التواصل وظهور لغة جديدة بين الشباب).

لكنني سأتحدث عن سلبية واحدة ربما لم تحظَ بالاهتمام، ولم يُلتَفت إليها كثيرًا؛ كونها –برأي المدمنين لهذه الشبكات – تُغتفَر في بحر الإيجابيات التي تقدمها، وكون هذه السلبية يمكن تدارُكُها من خلال هذه الشبكات المتكاثرة.

السلبية التي أعنيها وأؤكد عليها هي (الانصراف عن القراءة الجادة) في الكتب بمختلف أطيافها وتوجهاتها؛ نظرًا للأهمية القصوى للقراءة في البناء الفكري والمعرفي للأفراد والمجتمعات، والتي بواسطتها نهضت الأمم وتقدمت درجات في سُلَّم الرقي العلمي والحضاري، وبسببها قامت الحضارات، وعلى أكتافها سادت دول وتقهقرت أخرى.

ولعل قائلاً يقول إن الفعل الذي يقوم به (الفيسبوكيون والتويتريون) وإخوانهم من الرضاعة التقنية لا يخرج عن كونه (ممارسة للقراءة) بطريقة أو بأخرى.

وقبل الدخول في مناقشة هذا الرأي أتذكر وجهة نظر صديقي الذي جمعتني وإياه وبعض الأصدقاء جلسة فما كان منه إلا أن أخذ بزمام الحديث وجعله كله عن (الفيس بوك) كونه أحد رواده فأضفى على هذه الخدمة ما فاق الوصف وجعل من في المجلس ينصتون له وهم مشدودون إليه ومطرقون لحديثه عن هذه الخدمة العجيبة، وكل منهم يمنِّي نفسه بأن يدخل عالمها –حالاً- ليعيش في أفيائها الجميلة، وينعم بخدماتها الجليلة.

 وبعد هذا الكم الهائل من الإيجابيات التي سردها الصديق العزيز قلت له: إنني أقدر رأيك ولا أنكر الإيجابيات العديدة لهذه الخدمة الرائعة، لكنها –وهذا ما أعتقده- لا يمكن أن تكون بديلاً عن الكتاب، ولا يمكن أن تؤسس لثقافة جادة وفكر راقٍ، ولا يمكن أن تُخرج لنا من حائطها عالمًا ولا مفكرًا ولا أديبًا ولا ناقدًا ولا يمكن أن تُغني النهمَ بالقراءة والاطلاع عن الكتاب مطلقًا.

 ثم ما هي الثقافة التي يمكن أن أنميها عندما يخبرني صديق ما بزيارته لوادٍ أفيح أو قتله لحيَّة ضخمة أو تجهيزه لطبخة لذيذة أو يضع على الحائط صورة غريبة أو خبرًا يتكرر في وسائل الإعلام المختلفة أكثر من مرة؟

وهل يصح أن تكون ثقافة الأجيال على هذا النسق؟

أؤكد مرة أخرى على أهمية هذه الشبكات الاجتماعية إذا ما قُنِّن استخدامُها ووجِّه لغاياته النبيلة، وأؤكد في الوقت نفسه أن هذه الشبكات أخذت (جُلَّ) وقت الشباب –بل والكبار- وصرفتهم عن بعض أمورهم الحياتية التي هي أهم من كثير مما يُعرض فيها، وصرفتهم عن القراءة الجادة في أمهات الكتب والمؤلفات الفكرية والثقافية والعلمية.

 ثم إن ما يُعرض على هذه الشبكات لا يخضع للتدقيق والتمحيص، فهي وسيلة نشر مفتوحة لكل من أراد أن يضع بصمته فيها، لذا فلا غرابة إن جاء المحتوى هزيلاً.

أعرف تمامًا أن من فوائد هذه الشبكات التواصل بين الأفراد ومعرفة الجديد عن الآخرين، لكن ما هي الحصيلة التي يخرج بها المرء من تتبع أخبار شخصية ما أو التواصل معها؟

أكثر ما يمكن أن يحصِّله هو كم المعلومات التي لا تختلف عما يُقدم في برامج المسابقات التلفزيونية ذات الأسئلة المكررة على شاكلة (ما عاصمة جيبوتي؟).

 وليسمح لي الإخوة المدمنون لهذه الشبكات إذا قلتُ إن معظم ما يدور في هذه الشبكات لا يخرج عن الحكايات والأخبار التي تُتَداول في المقاهي الشعبية.

وقد يحتج البعض بتواجد بعض الشخصيات المرموقة والفاعلة وذات المكانة الاجتماعية، فأقول إن تواجد هؤلاء يكون في العادة بقدر، إضافة لذلك فما يقدمه بعضهم من علم، وما لبعضهم من مكانة اجتماعية، يجعل تواجدهم أحيانًا في حكم المتوجَّب.

هي دعوة صادقة للتخفيف من الأوقات المهدرة أمام هذه الشبكات، ودعوة صادقة للعودة للقراءة المثمرة النافعة في الكتب القيِّمة التي لا تُغني عنها هذه الشبكات ولا يمكن أن تحل محلها، فالعبرة بجودة المُخرَج.

-- المدينة :محسن علي السُّهيمي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*