الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تونس هل تكون رائدة التطبيق الديمقراطي؟!

تونس هل تكون رائدة التطبيق الديمقراطي؟!

تونس فجّرت الثورات العربية في أبوعزيزي، فهل يقود نظامها الراهن البدايات الأولى الحقيقية للديمقراطية وفق الأسس المتعارف عليها عالمياً؟ أم من يسيطر على الفوز في الانتخابات هو الاتجاه التغريبي من الناطقين بالفرنسية، وتيار العلمانية، أم يخطفها الإسلاميون برؤية معتدلة بعيدة عن الطالبانية والقاعدة؟

الرئيس بورقيبة وضع تشريعات أعطت المرأة حقوقاً غير مسبوقة في الأنظمة العربية، وقد عارضها الكثيرون، ولكنها أخذت مسارها بقانون قوتها التي أصبحت حقاً مكتسباً لا يستطيع أحد معارضته، وقد قيل الكثير عن الرئيس الراحل، أنه كان يعشق نهج «كمال أتاتورك» ويريد محاكاته ولكن بدون تصريح في وقت كانت الخلافات العربية – العربية في أوج قوتها، وكذلك الأمر مع تركيا التي كانت تدخل الجدل السياسي من باب وجودها في حلقة حلف الأطلسي، وربما اختار الرئيس بورقيبة إصلاحاته متأثراً بالجوار الأوروبي، في نهجه وثقافته، رغم شطحاته الكثيرة التي فجّرت ضده العديد من المواقف..

عادة ما تخلّف الثورات أنماطاً جديدة في الصراع السياسي عندما تهب أنسام الحرية، لكن الخطورة تأتي إذا ما تجاوزت الحرية الوليدة نطاقها إلى ثارات وتصفية حسابات، وسيطرة المصالح الشخصية البحتة، أو الاستقواء بالأحزاب، أو أبناء العشيرة والمنطقة مثلما حدث من تجارب في بعض الدول العربية التي أصبحت تعاني خللاً أمنياً وبنيوياً عجزت عن أن تتعافى منه..

فدول الثورات لم تطرح نموذجاً توافقياً يحمي الأقليات ويساوي بين أبناء الشعب الواحد، وهي أزمة ظهرت مشاهدها في تدمير الكنائس ودور العبادة، وتشريد مجمعات سكانية لها تاريخ طويل في كل بلد، وهي أزمة وجود وأخلاقيات بدلت السلام الوطني باحتقان سياسي لبس ثياب الدين والطائفة، وهنا يصبح اللبس واضحاً في تحديد مفهوم الحرية وبناء الديمقراطية وثقافة التعايش..

دول المغرب العربي، وبحكم ثقافتها التي قرّبتها من أوروبا أكثر من قربها من المشرق العربي، لُوّن سلوكها وثقافتها بشيء من التجانس، وحتى لو برز الدين السياسي، فتجربة الجزائر لا أحد يريد استنساخها، لكن أن تأتي فئة تحتكر السلطة بأي مسمى فالفرصة ستضيق على الجميع، غير أن نموذج المملكة المغربية التي قادت إصلاحات جذرية في أنظمتها وقوانينها وإعلان تطبيقاتها ربما يكون له تأثيره المباشر على القائمين على السلطة في تونس، والأقرب إلى الأخذ بالاعتدال بديلاً عن نشوء خلافات تؤدي إلى الفوضى..

تونس لا يوجد فيها تنافر مذهبي، ولا قبلي وحتى وجود «الأمازيغيين» لا يظهر على الواجهة السياسية بأنهم مقزمون أو غير معترف بهم، وهذا يساعد القيادة في أن تتخذ إجراءات أكثر شجاعة في الانتخابات وسن الدستور دون تحفظ على فئة ما، أو الاستعانة بقوى خارجية تصور الإسلاميين وكأنهم أعضاء في القاعدة، بينما وجودهم هو وجود حقيقي إن لم يكونوا أكثرية بين الأحزاب والتنظيمات..

الوعي الوطني أهم شروط الانسجام بين فئات المجتمع التونسي، وأعتقد بتوفر هذا الوعي قياساً على حجم المتعلمين في الأوساط الشعبية، وليس النخبة فقط، عندما يشهد المقهى والنادي وقاعات الجامعات والمعاهد، حوارات جادة ومتطورة عن أي بلد عربي آخر، لكن المخاوف تبقى قائمة إذا ما جاء التغيير سريعاً، وربما غير متوقع ما يعزز جانب العديد من الأخطاء، لكن إذا كانت تجيَّر الخلافات العامة دون أن ينقسم حولها الرأي الوطني العام، فهي إثراء لهذه المرحلة، بل وتعطي قيمة مهمة لتجاوز المرحلة لتأسيس أخرى وبنمط يهيئ للاستقرار والتلاحم الوطني..

-- الرياض:يوسف الكويليت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*