الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الربيع العربي بين المنطق والواقع

الربيع العربي بين المنطق والواقع

نسمع بالديمقراطية ونسمع بالانتخابات ونرى فوز رجل ما برئاسة دولة باختيار من شعبه، وأيضا نسمع بمن يعتقد بأن هذا هوالصواب والأصح بالمطلق والعام، لكن يفوت على الكثيرين أن الأمم والشعوب تختلف في درجات وعيها وتيقظ عقولها، وبالتالي قدرتها في التمييز والاختيار وجهلها بشروط القيادة والزعامة.

فهل يصح القول إن الديمقراطية التي تعتمد الانتخابات العامة صالحة ومطلوبة لكل دولة مهما كان مستوى الوعي العام فيها ومستوى التعليم ونسب الأمية ومدى القوة والإنتاج ؟ يرى أبوعثمان عمرو بن بحر (الجاحظ) إن الانتخابات لابد أن تقتصر على الخاصة دون العامة وفي ذلك يقول (إن الأمر الذي لأجله استبعدت العامة أنها لا تفصل بين فضل وجودها « الإمامة « ونقص عدمها ولأي شيء أريدت ولأي أمر أملت، وكيف مأتاها والسبيل إليها، بل هي مع كل ريح تهب، وناشئة تنجم، ولعلها بالمبطلين أقر عينا منها بالمحقين) ثم يأتي بعد أن فصل في التبريرات أوالدلالات لرأيه ليقرر ويقول (فمن كانت هذه صفته، وتلك حدوده، فهو همل لا يعدو أن يكون من سقط المتاع، فلا مكان له في أمر الاختيار والتنصيب، لأن مثل هؤلاء هم أداوت يحركها الآخرون، وآلات في يد الخاصة).

ولاشك أن أبا عثمان لا يقصد التقليل أو الحط من شأن العامة فهو هنا يتحدث عن الإمامة بشكل محدد وحق العامة في اختياره، وإنما استندت على هذه الجزئية من فلسفة طويلة في محاجته لمنطق «الإمامية المعصومة» لاستشهد وهو الأديب والفيلسوف بسعة فكره وعمق رؤيته التي تظهر لنا قيمة العقل في كشف المنطق الصحيح والسليم، إذ لا يمكن القفز أوتجاوز مراحل التاريخ ومعطياته إلى تاريخ آخر إلا من خلال استيعاب هذه المراحل واستثمار معطياتها في بناء تجارب تراكمية توصل في النهاية إلى هدف أومدى متجانس ومتوائم مع نفسه.

وربما لهذا لم يكن التلبس الديمقراطي لبعض دول العالم وخاصة العربي منها أكثر من زخرف فضفاض لم يؤدِ إلا لمزيد من الاستبداد والفساد، فقد كنا نشاهد انتخابات تزوّر على رؤوس الأشهاد وأنظمة وقوانين وتشريعات ليس لها إلا بريق السراب، وكنا نراها أي هذه الدول رغم ما تملكه من ثروات وإمكانات تأخذ مسارا هابطا في النمو والتطور ومسارا آخر صاعدا للبطالة والفقر وفساد الذمم.

إن مبدأ الانتخابات العامة كمبدأ هو الصواب والأصح، ولكن الأصح والأصوب أن لا يمارس هذا الصواب إلا بعد أن يتصحح الوعي العام، على الأقل في نسبته الأعلى ويصبح كفؤا ومؤهلا للاختيار والانتخاب، وفي مناخ الربيع العربي الذي ولد فجر هذا العام الميلادي، ألا يصح لنا أن نتساءل عن مدى سلامة ما يهتف له شعوب هذه الأقطار العربية بالانتقال بشكل ثوري إلى تلبس تجارب دول متقدمة في هذا المضمار ؟

وهل تكفي الرغبة والتمني لتحقيق هذه القفزة في التاريخ ؟ أم أن ما يجري اليوم ليس إلا مؤشرا للدخول في مرحلة التهيئة والانتقال وخاضعة لاحتمالية النجاح والفشل ؟ الواقع أن الأسئلة المثارة في هذا الخضم قد لا تساعد في العثور على تصور أواستقراء يمكن الاطمئنان إليه، ولكن أجد أن أخطر مايمكن تصوره هو في مدى زمني دامٍ وموجع، قد يجعل من الفشل نجاحا مؤجلا وهو احتمال قائم.

ولم نرَ حتى الآن في تونس أومصر أوليبيا ما يؤشر بشكل يحفظ التفاؤل من الاهتزاز أو أي بوادر حقيقية نحو الانتقال الطبيعي إلى تحقيق الأمل أوالرجاء الذي قامت لأجله هذه الثورات، وأعوذ بالله أن يكون هذا إرجافا ولكن إيمانا بمنطقية مسار التاريخ وتحفيزا للوعي العام فإنه لابد لهذا الانتقال من مساحته الزمنية المؤلمة، وبالتالي وبرغم الرغبة في اللجؤ إلى جانب التفاؤل إلا إن الحرص على تحقيق النجاح يستوجب استدعاء المحاذير وإبرازها.

ونحن نعلم ونعرف أن نسب الأمية والجهل في عالمنا العربي هي نسب عالية، بل إن مفهوم الأمية المتعارف عليه قد تغير وتطور وأصبح تقنيا وآليا ناهيك عن الإنتاج والنمو المتحرر من تراكمية الأعباء الفكرية والاجتماعية, لكل هذا لابد من التأمل والإدراك لتحقيق دعائم وإسناد للآمال التي يظن البعض أنها صارت قاب قوسين أو أدنى.

وليست من الرجعية في شيء إذا قلت إن بعض الأقطار العربية بل أغلبها لا زالت بعيدة في مسافتها الزمنية عن تاريخ الاستحقاق الانتخابي، وقد يمتعض القلب لسماع هذا ولكن ليس بالقلب تبنى الدول، إننا في حاجة للتدرج ولكن – المنظم – لعملية التحول التقدمي والحضاري مترادف ومنسجم مع تنمية في الوعي الجمعي الذي عماده الإنسان، كي نطمئن على مسار مستقر في أمنه وسلامته ومتحرك نشط في نموه وتقدمه دون أن يعني هذا وقوفا ضد الثورة على الظلم والاستبداد، إذ قد يلتبس على العقل فهم هذه المعادلة المعقدة، ولكن فهمها والإحاطة بها سيكون لاشك البديل الآمن عن مراحل دامية (د.محمد البرادعي حذر من ذلك في جريدة المصريون بتاريخ 5-10-2011) قد تعطل المسار أوتعيد صناعة الظلم والاستبداد بصورة مختلفة ولكن بالمضمون ذاته.

 

-- صحيفة الجزيرة :حسن اليمني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*