الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الصومال والمشهد الأمني الجديد

الصومال والمشهد الأمني الجديد

توغلت قوات مدرعة كينية، يوم الأحد الماضي، في مناطق الصومال الجنوبية، معززة بدعم جوي، ومساندة وإرشاد من قوات الأمن الصومالية.

وشن الطيران الحربي الكيني غارات جوية على قاعدتين لحركة الشباب، التي تحارب الحكومة الانتقالية.

ومن ناحيتها، دفعت الحركة بتعزيزات عسكرية إلى منطقة الحدود الكينية، فيما بدا تأهباً لمواجهة قادمة. وتسيطر حركة الشباب على القسم الأكبر من جنوب الصومال ووسطه، لكنها خسرت مؤخراً معظم وجودها في العاصمة مقديشو.

ويبلغ طول حدود الصومال مع كينيا 682 كيلومتراً، مقابل 1600 كيلومتر مع إثيوبيا و 58 كيلومتراً مع جيبوتي.

ويمثل التوغل الكيني الراهن في الصومال تطوراً جديداً في مسار الأزمة الصومالية، قد يفرز الكثير من العواقب والتداعيات، على الصعيدين الصومالي والإقليمي.

إن هذا الصومال، الذي نحن اليوم بصدده، هو نموذج جلي لدولة عاجزة أو مهترئة، يدفع ثمن فشلها بالدرجة الأولى الداخل المغلوب على أمره.

وقد تم هذا التوغل بغطاء أفريقي، على الأرجح. كما أن هناك صمتاً دولياً، قد يفسر على أنه موافقة ضمنية على التحرك الكيني. والأهم من ذلك كله، هو التنسيق والتعاون الصومالي الرسمي الذي جرى مع القوات الكينية.

ولا توجد لدى الصومال قوات نظامية يعتد بها، سواء لحفظ النظام العام، أو مواجهة الحركات المسلحة، أو حماية الحدود الدولية، أو تأمين المياه الإقليمية.

وبفعل الوهن العسكري للدولة، تمكنت المعارضة المسلحة، وتحديداً حركة الشباب، من السيطرة على غالبية التراب الوطني. وحصرت وجود السلطة الرسمية في مقديشو، وبعض مناطق المحافظات الوسطى.

وكان الاتحاد الأفريقي قد اتخذ قراراً، بعد الإطاحة بنظام المحاكم الإسلامية عام 2006، قضى بإرسال 8000 جندي إلى الصومال.

إن على المجتمع الدولي دعم جهود المصالحة الوطنية في الصومال، وتعزيز فرص التنمية فيه، وتحقيق العيش الكريم لأبنائه.

وعلى الرغم من ذلك، فإن أية حكومة أفريقية لم ترسل قوات، ما عدا أوغندا وبروندي. وقد أعلنت كل من جيبوتي ونيجيريا وغانا وسيراليون عزمهم إرسال قوات للصومال، إلا أن ذلك لم يحدث.

وأرسلت أوغندا وبروندي مجتمعتين حوالي 5000 جندي, ينتشرون في مطار مقديشو ومينائها الدولي، وبعض الطرق والمواقع الحيوية في العاصمة، والقصر الرئاسي, الذي يمثل مقر الرئيس ورئيس الوزراء وغالبية أعضاء الحكومة.

وفي الثلاثين من أيلول/ سبتمبر 2011، دعا مجلس الأمن الدولي الاتحاد الأفريقي لزيادة قواته في الصومال، لتبلغ 12 ألف جندي. ولكن ليس واضحاً ما إذا كان الاتحاد قادراً على تلبية هذا الطلب، مادام لم يستطع حتى اليوم الوصول بقواته إلى ثمانية آلاف، كما كان مقرراً في الأصل.

ويبقى أن العنصر المتغيّر في المعادلة قد يتمثل في احتفاظ كينيا بقوات في مناطق الصومال الجنوبية، وتحديداً تلك المتاخمة لحدودها.

ولقد تسبب الصراع في الصومال في مقتل 21 ألف صومالي منذ بداية العام 2007 ، كما أدى إلى تشريد مليون وخمسمائة ألف شخص من منازلهم.

وإضافة للضحايا الذين يسقطون جراء الحرب بين الفرقاء السياسيين، هناك أبرياء يدفعون حياتهم بسبب غياب النظام العام، واتساع الجريمة المنظمة، وانتشار السلاح على نطاق متزايد بين الأفراد.

وهناك حوالي 580 ألف لاجئ صومالي في بلدان الملجأ الرئيسية الأربعة: جيبوتي وإثيوبيا وكينيا واليمن. والبعض من هؤلاء اللاجئين عاشوا في المنفى لأكثر من 18 سنة. وهناك في الداخل الصومالي أيضاً نحو 1.5 مليون شخص مرحّل داخلياً.

ويوجد في كينيا وحدها ثلاثمائة ألف لاجئ صومالي، يعيشون أوضاعاً مزرية. وقد أدى اتساع رقعة المعارك في الشهور الأخيرة إلى تدفق موجات كبيرة من اللاجئين نحو الأراضي الكينية، التي أغلقت حدودها رسمياً في العام 2007. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2010، اتهمت الأمم المتحدة القوات الكينية بإجبار آلاف النازحين الصوماليين على قطع الحدود مجدداً، والعودة للصومال في ظروف الحرب.

وكان من نتائج الحرب الأهلية في الصومال، التي مضى عليها عشرون عاماً، تشظي وحدة البلاد الترابية على نحو مبكر، حيث انسلخ شماله منذ العام 1991، تحت مسمى” جمهورية أرض الصومال”.

كما أن إقليم الوسط والجنوب، الذي يضم 13 محافظة من أصل 18 هي إجمالي محافظات الصومال، قد تعرض هو الآخر لخطر التشظي، حيث اتجهت عدد من محافظاته لتنظيم نفسها في إقليم خاص أطلق عليه “بونت لاند”. وهو يصبو لشكل متقدم من الحكم الذاتي، مع جعل الانفصال النهائي عن الوطن خياراً قائماً.

وجرت المصادقة في هذا الإقليم على دستور جديد، في 29 أيار/ مايو 2009، أثارت بعض مواده تساؤلات حول مستقبل بقائه في إطار الدولة الصومالية.

وإضافة إلى “جمهورية أرض الصومال”، وإقليم “بونت لاند”، أعلن في نيسان /أبريل عام 2002 عن كيان جديد تحت اسم “كيان جنوب غربي الصومال”. وكذلك، أعلن في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه عن انفصال منطقة جالكعيو، الواقعة شمال شرقي الصومال، وتشكيلها إدارة ذاتية خاصة بها.

وقد حدثت هذه التطورات في ظل استمرار انسلاخ إقليمين رئيسيين عن الصومال، هما إقليم أوغادين، الذي لا زال تحت الاحتلال الإثيوبي منذ العام 1954، وإقليم (NFD)، الذي تحتله كينيا منذ عام 1963.

إن الأزمة الصومالية، مُعبَّر عنها بالاقتتال الأهلي المديد، وتعثر العملية السياسية، قد ولّد عجزاً تجذر في بناء الدولة، وطبع هيئاتها المدنية والأمنية المختلفة، وحال بينها وبين النهوض بوظائفها الأولية.

ومبدئياً، يمكن الوقوف على منظومة مؤتلفة من الخلفيات السياسية والاجتماعية، التي دفعت باتجاه اندلاع الحرب الأهلية في الصومال، وأمنت استمرارها، على نحو لم تشهده أي من دول المنطقة.

هذه الخلفيات، أو الجذور الأولى، تجلت في التدخلات الخارجية، وطبيعة النظام السياسي، وتعثر التجربة التنموية، وهيمنة القبيلة على التكوين الاجتماعي.

لقد اتحدت هذه العوامل فيما بينها لتدفع بالصومال إلى حيث هو اليوم. وربما لم يكن ليُقدّر للحرب الأهلية أن تندلع، أو تأخذ هذا المدى الزمني الطويل، لو غاب أو تلاشى أي من العوامل سابقة الذكر.

إن هذه الحرب هي محصلة لنسق تفاعلي من عناصر سالبة، تكاثفت في وقت متزامن في الفضاء الوطني، سياسياً واجتماعياً ونفسياً.

وعلى صعيد الجوار الإقليمي، زادت الخلافات الحدودية مع هذا الجوار من منسوب الضغوط على الصومال، ودفعت في أحيان معينة باتجاه التورط في الشأن الداخلي الصومالي، وتشجيع النزعات الجهوية والانفصالية.

وقد مثل الغزو الإثيوبي للصومال في كانون الأول/ ديسمبر من العام 2006 أحد الفصول الأخيرة في هذا المسار.

وكان اتحاد المحاكم الإسلامية قد سيطر، في حزيران/ يونيو من ذلك العام، على العاصمة مقديشو وغالبية مناطق جنوب ووسط البلاد، بعد أن هزم جنرالات الحرب. وتمكن اتحاد المحاكم من تحقيق قدر من الاستقرار الداخلي، وفتحت مطار مقديشو وميناءها الدولي.

وفي الأصل، بدأ تنظيم اتحاد المحاكم الإسلامية كحركة اجتماعية وثقافية، اتجه لملء الفراغ الناجم عن غياب الدولة.

وعلى الرغم مما أنجزه على الأرض، فقد أُخذ على اتحاد المحاكم الإسلامية عدم الحذر في خطابه السياسي، وعدم مراعاته لهواجس القوى الإقليمية والدولية، الأمر الذي أفقده كسب هذه القوى. وتم النظر إليه بنوع من الريبة والوجل.

وقد كان الغزو الإثيوبي الأخير للصومال، تعبيراً عنيفاً عن هذه الهواجس الإقليمية والدولية. بيد أنه مثل في الوقت ذاته احتلالاً لدولة ذات سيادة، لم يكن بمقدور أحد تبريره، أو الدفاع عنه بمنطق القانون الدولي.

ومن المنظور السياسي، كان هذا الغزو خطأ فادحاً، لكونه أجهض أول سلطة تمكنت من فرض سيطرتها على معظم التراب الصومالي، منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1991.

وكان الأجدر بالمحيط الإقليمي، والمجتمع الدولي عامة، البحث عن مواطن لقاء مع هذه السلطة، وإقامة تفاهمات معها حول القضايا ذات الصلة بالمجموعات المسلحة العابرة للحدود، وأمن الدول المجاورة، والأمن البحري، وسواها من القضايا.

وقد بدت المقاربة السياسية ضرورية وراجحة، لكون المجتمع الدولي أمام حركة حديثة العهد بالسلطة وشؤونها، ليس لديها ما يكفي من الخبرة السياسية والإدارية، وأغلب تشكيلها من رجال الدين والشباب المتحمسين.

كان يجب الإفادة من الإجماع القبلي والأهلي على سلطة المحاكم والبناء عليه. لقد كان الصومال عام 2006 أمام فرصة إنهاء حرب أهلية مديدة، لكن هذه الفرصة أُجهضت بقوة الدبابات والمدافع الإثيوبية.

وفي تطوّر لاحق، أسفر الاتفاق الذي وقعه في جيبوتي “تحالف إعادة تحرير الصومال” مع الحكومة الصومالية الانتقالية، عن ولادة أول سلطة سياسية جديدة، في مطلع العام 2009. وقد حظيت بإجماع دولي، وقدر معقول من الرضا المحلي، أو لنقل الدعم الشعبي، القبلي والأهلي العام.

وعلى الرغم من ذلك، ووجهت هذه السلطة، التي تزعمها الشيخ شريف شيخ أحمد، بمعارضة مسلحة، لا تعبر عن أغلبية شعبية، لكنها أكثر قوة وتنظيماً، تمكنت من فرض سيطرتها على الجزء الأعظم من التراب الصومالي، مستندة في ذلك إلى دعم جماعات مسلحة خارج البلاد، تمدها بالمقاتلين، وبالمال والخبرات. وهذا ينطبق تحديداً على حركة الشباب الصومالية.

إن الأجنحة الإسلامية المسلحة قد تحوّلت من كونها قوة بيد السلطة عام 2006 إلى قوة معادية لها ولمشروعها السياسي، ومانعة لتحويل شرعيتها الشعبية إلى سلطة فعلية. والأخطر من ذلك منازعة لشرعيتها الدينية.

وهذا مأزق ذو طبيعة مركبة، واجه سلطة يافعة، محدودة الخبرة والقدرات.

وفي المحصلة، أضحت هناك سلطة سياسية في مقديشو، مرحب بها أهلياً على نحو مجمل، لكنها عاجزة عن فرض سلطتها على البلاد، فضلاً عن القيام بالوظائف الأخرى للدولة.

وفيما بدا تطوراً جديداً في المشهد السياسي، وقع قادة صوماليون، في السادس من أيلول/ سبتمبر 2011، على خريطة طريق لإجراء انتخابات وتشكيل حكومة جديدة تحل محل الحكومة الانتقالية الراهنة. وبموجب خريطة الطريق هذه، يفترض أن تنفذ سلسلة إصلاحات تتعلق بالأمن والدستور والمصالحة السياسية.

وبالطبع، فإن العبرة تبقى في التطبيق. وفي الالتزام بمقتضيات المصلحة الوطنية العليا من قبل الأطراف المختلفة، سواء الداخلة في هذا الاتفاق أو البعيدة عنه.

إن هذا الصومال، الذي نحن اليوم بصدده، هو نموذج جلي لدولة عاجزة أو مهترئة، يدفع ثمن فشلها بالدرجة الأولى الداخل المغلوب على أمره.

إن على المجتمع الدولي دعم جهود المصالحة الوطنية في الصومال، وتعزيز فرص التنمية فيه، وتحقيق العيش الكريم لأبنائه.

وعلى الدول العربية أن تكون سباقة في هذا المضمار. ونحن في الخليج العربي نتحمل مسؤولية مضاعفة حيال أشقائنا في الصومال، وذلك بسبب الروابط المتشعبة التي تربطنا بهم على كثير من الصعد. وعلينا اليوم أن نكون في طليعة الساعين من أجل إعادة السلام والازدهار للصومال..

-- الرياض:عبدالجليل زيد المرهون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*