الإثنين , 5 ديسمبر 2016

بعد مقتل القذافي

 القتل بشع، أياً كان القتيل وأياً كان القاتل. ولا تقلل من هذه البشاعة عقود من الطغيان والديكتاتورية والقتل الاستنسابي، ولا الانتقام الفردي من الطاغية.

وقد يكون بقاء العقيد القذافي حياً مورداً لهموم إضافية للسلطة الجديدة أو أحد مكوناتها، لكنه بالتأكيد ثروة من المعلومات والقضايا الغامضة والملتبسة كان يمكن لبطلها أن يلقي، خلال محاكمة جدية، الضوء على بعضها. خصوصاً أن كثراً من المتورطين معه في صفقاته القذرة، في منطقتنا والعالم، ما زالوا أحياء.

وبعضهم ما زال في سدة الحكم. ما كان يسدي خدمة أكيدة لشعوب تواقة، مثل الشعب الليبي، إلى الحرية والديموقراطية.
 
وقتل القذافي، على النحو الذي شاهدناه، بعدما قبض عليه حياً، إضافة إلى بشاعته، يشكل ثغرة أولى لدى السلطة الجديدة. فهي إما لم تتحسب لاحتمال أن يسقط الطاغية أسيراً في أيدي مقاتلين لن يترددوا في ارتكاب هذا النوع من الانتقام، وتالياً خسارة ثروة المعلومات، القيّمة بالتأكيد، عن ممارسات أربعة عقود من الإرهاب والديكتاتورية وكشف المتواطئين معه، خصوصاً خارج ليبيا. وإما رغبت في التخلص منه على أسرع نحو، بما يريحها من أعباء تحمل وجوده حياً معتقلاً لديها، ما يعني شعورها بالضعف إزاء بقائه حياً، ولو في المعتقل.
 
تخلصت السلطات الليبية الجديدة من القذافي، وأركان أساسيين في حكمه. لكن مشكلة القذافية قد تستمر لفترة في إزعاج هذه السلطات، عبر عمليات حربية يقوم بها هؤلاء الذين لا يزالون يحنون إلى حكم الطاغية، كما حصل في طرابلس قبل أيام. لكن ذلك لن يتجاوز الإزعاج إلى تشكيل تهديد.
 
التهديد الذي يعرض الوضع الليبي إلى انتكاسة فعلية قد يكون مصدره أبناء الثورة انفسهم. إذ أن توحدهم حول فكرة القضاء على حكم القذافي لم يعد مضموناً بعدما قتل الطاغية وانهيار حكمه بالكامل.

ولعل ما شهدته السلطة الجديدة، بعيد سقوط طرابلس، من تعارض واختلاف في شأن تركيبة الحكم وقيادته يشكل مقدمة لما يمكن أن يكتنف عملية تشكيل الحكومة الانتقالية، بعد إعلان التحرير وبدء تطبيق خريطة الطريق التي وضعها المجلس الوطني الانتقالي.

ولم تتضح حتى الآن كيفية الانتقال من مرحلة القتال ضد القذافي إلى مرحلة بناء ليبيا الجديدة. فمن المعلوم أن الذين قاتلوا بضراوة على مختلف الجبهات، ليسوا طرفاً واحداً تحت قيادة واحدة وذات برنامج واحد.

فإلى الخلافات السياسية والإيديولوجية، تُضاف اختلافات الانتماء المناطقي والقبلي. ما يعني أن عملية التوحيد العسكري، وهي ذات أهمية حاسمة في توحيد السلطة، تشكل التحدي الأساسي أمام الحكم الجديد.
 
وبمقدار ما تتأخر هذه العملية ستتسع الهوة بين أطرافها، ويندفع كل منها في اتجاهه العسكري أو الأيديولوجي أو السياسي. مع كل ما ينطوي عليه ذلك من خطر مواجهة، كما حصل في أفعانستان بعد رحيل السوفيات وفي العراق بعد إطاحة صدام حسين.

وإذا كان رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل يتمتع بسمعة جيدة بين كل فئات الليبيين، فان هذه السمعة وحدها لن تكون ضمانة في وجه التصعيد عندما تصل الأمور إلى أقصاها.
 
وبالارتباط مع تحدي توحيد القوى العسكرية المتنافرة، وفي موازاته، تطرح مسألة طبيعة الحكم الجديد. وما لم يحصل إجماع، بين جميع القوى، على ضرورة أن تتمكن كل الأطراف من التعبير والعمل السياسي في إطار تعددي، من أجل إقامة الدولة المدنية، فإن خطر الاقتتال يستتبع خطراً لا يقل أهمية، وهو عودة شكل جديد من أشكال الديكتاتورية والذي دفع الليبيون ثمناً باهظاً جداً بالأرواح والمال من أجل التخلص منه.

-- الحياة:عبدالله إسكندر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*