الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » عاش سلطان: وأكثر الأحياء أموات

عاش سلطان: وأكثر الأحياء أموات

    نعم هي لحظة مواجهة الحقيقة الكبرى التي لا مناص عنها، وهو يوم الخبر الأعظم الذي سمعته الدنيا كلها وردّدت صداه شعوبها مات “سلطان بن عبدالعزيز” أسطورة الخير ونهر العطاء. ودّعنا “سلطان الإنسان” بابتسامته تاركا دنيانا الفانية حقيرة صغيرة أمامنا ليعتبر بحياته ومماته كل من عليها ممن يتدافعون على المغانم ويقصرون أمام ذي الحاجة الملهوف. كان “سلطان” – يرحمه الله – في حياته جامعة فريدة للمكارم وهو اليوم في مماته جامعات الذكرى والعبرة لمن أراد أن يتعلّم ويعتبر كيف تكون نهاية الرجال العظام.

“إنّا لله وإنا إليه راجعون” ولا مرد لحكم الله وإننا وإن غاب عنّا “سلطان” هذا الإنسان الاستثنائي فسيبقى “أبو خالد” خالدا في الضمير الإنساني صورة حيّة لكل معاني النبل والشهامة. كانت حياته – يرحمه الله- سحائب كرم ما هطلت على ارض إلا وسقاها الغيث العميم، خلدته الشمائل الكبرى والخصال الفريدة لتحكي لنا وللتاريخ قصة “سلطان” مكارم الأخلاق قولا وفعلا الذي عبر الدنيا مثالا ونموذجا لشهم كريم الوجه واليد واللسان.

سيرة فارس نبيل ، ومسيرة شهم سخي في رواية طويلة سطّرها “سلطان بن عبدالعزيز” في ضمير شعبه ووجدان أمته ليقصد العبد الكريم جوار الكريم الوهاب الذي وهبه حياة حافلة بالعطاء ومنحه وجها وضاء بالتبسم والشيمة. لا عجب أن تنتحب الأمة ولا دهشة أن يذهل شعب، فقد رحل “سلطان” الزمان عن وحشة المكان إلى أنس جوار الرحمن مقبولا مغفورا برحمة مولاه وسجل وافر في كل دروب الخير.

كان “سلطان بن عبدالعزيز” وسطاً في كل امر تولّاه، وخلال مسيرته الطويلة لم تتجاذبه عواصف الإغراء السياسي وهو يعيش في منطقة هي الأسخن على وجه الكرة الأرضيّة. استوعب المتغيرات وأسهم – وهو ركن أصيل في الإدارة العليا لبلاده – في صيانة فضيلة الاتزان السعودي في مراحل حالكة من تاريخنا الحديث. أذكر أنني حظيت مع مجموعة صغيرة من أساتذة الإعلام بفرصة لقائه – يرحمه الله – بناء على رغبته وكان اللقاء خاصّا وحميميّا سرد فيه الأمير بأريحيّته وعفويّته بعض خفايا المواقف ودقائق اللحظات التاريخيّة وخرجنا من مكتبه وفي جعبتنا دروس مهمة في الحياة والإعلام والسياسة.

وفي موقف آخر طلب منّي والد طفل معاق مقيم في مدينة “جدّة” أن أتابع طلباً تقدّم به للأمير لعلاج ابنه وكان قد سجّل رقم هاتفي على ورقة “الطلب”. لم أكن اعرف أين أُتابع الطلب وما هي إلا أيام قلائل واذا بأحد موظفي مكتب الأمير يهاتفني لاستقبال مندوب مكتب الأمير سلطان والتقيته فسلمني مظروفا حوى “شيكا” مصرفيا بمبلغ كبير هو اليوم ثمن منزل الطفل المعاق وأسرته.

رحم الله “سلطان بن عبدالعزيز” فقد عاش معنا حياته، وعاش فينا بعد وفاته في حين نرى كثيرين من القادرين أمواتا وهم بيننا عائشون ولله درّ القائل: قد مات قوم وما ماتت مكارمهم

وعاش قوم وهم في الناس أموات.

 

*مسارات:

قال ومضى: هو المقام قبل فواته، فرحم الله “سلطان” الخير يوم وفاته.

-- الرياض:د.فايز بن عبدالله الشهري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*