الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

الرأسمالياتُ والدول

حين خرجتْ الرأسماليةُ للوجودِ شبهِ المكتمل في أوروبا كانت هيمنةُ الدولِ بعيدةً عنها، ولم تظهرْ الرأسماليةُ إلا بغياب الدول!
الاقتصادياتُ والتشكيلاتُ تنامتْ وانهارتْ في آسيا عبرَ مصائر الدول، ففي هيمنتِها الكليةِ تطلعُ ثم تموتُ، في حين كانت التشكيلاتُ في أوروبا غير ذلك، وفي العبودية الإغريقية على سبيل المثال كانت التشكيلة أسبق من الدولة، ومن هنا كانت دولُ المدن الإغريقية العبودية هذه ديمقراطية!

ضخامةُ القارتين الافريقية والآسيوية ما كان من الممكن أن تنشأ فيهما دويلاتُ المدنِ إلا كبروقٍ سريعة، واحتاجت المساحاتُ الشاسعةُ أو سيطرة الصحارى إلى أجهزةٍ حكومية تنظمُ الري، وعبرَ هذه الأجهزة التنظيمية الاقتصادية المتنامية مع الزراعة والحكم ظهرتْ الحكوماتُ الكبيرة الاستبدادية.

نشوء الرأسماليةِ في القارةِ الصغيرة أوروبا بإرثٍ أقل فتكاً سياسياً وبتعددِ مراكزها جعلا الأسواقَ هي التي تنظم الاقتصاد بدون تدخل حكومي، هذا الواقع هو الذي أتاح تطور العقول والأفكار والفلسفات والاقتصاد والبشرية كلها بعد ذلك.

السوق المُنظِّم للفوضى الاقتصادية، هو نفسه لم يستطع أن يستمر في هذا الضبط، بسبب تعدد المنتجين وكثرة المنتوجات، وتحول السوق إلى فوضى لا تنتهي إلا بالقضاء على جزء مهم من ثمار العمل البشري وإزالته، إضافةً إلى أن السوقَ لم تستطع أن تسيطر على العمليات الاقتصادية والاجتماعية كلها التي احتاجت إلى إدارات سياسية ورؤى من مختلف الطبقات المالكة والمنتجة، وبهذا تطور حضور الدول ومشروعاتها الاجتماعية المتضادة في الاقتصاديات الوطنية والعالمية.

تحولُ الاقتصادِ الرأسمالي القاري إلى اقتصادٍ كوني أدى إلى تدخل الدول في الاقتصاد الوطني وحمايته، وبعد الأزمات السياسية والاقتصادية إلى توجيههِ وإدارته، وغدتْ صراعاتُ الدولِ الرأسمالية الضارية هي المحرك الأكبر للسياسة العالمية ولحروبها واضطراباتها.

والرأسماليةُ الحرةُ غدت حرةً في نطاقٍ ضيقٍ محلي، واحتكاريةً واستعمارية في الأسواق والدول الخارجية، وأسهمت في إنشاءِ الدولِ غيرِ الموجودة أو الضعيفة وسيّجتها بأجهزةِ القمع والجيوش، وغدت هوامش الليبرالية أضيق فأضيق في الدول المسماة نامية ومتخلفة.

كان الاستبدادُ متفشياً في القارات الأخرى منذ بناء الأهرام، وقد دُعم باستبداد جديد قادم من الدول التي شكلتْ الحريات الديمقراطية. ولهذا حين قامتْ تجاربُ الاستقلال والحرية والاشتراكية وغيرها قامت على أسسِ الاستبداد.

ما أنشأته الحضارة الغربية من ديمقراطية وتعددية وثقافة شخصية مزدهرة ودول منظمة متحدة الأقاليم والقوميات، هو أمرٌ محصورٌ في قاراتها، وغدت الأسواق داخلها تنظم العمليات الاقتصادية، وإذا ارتبكت أو فاضتْ بالسلع أو اختلتْ المعادلاتُ النقديةُ المُنظِّمة قامتْ الدولُ بدورِها في ضبطِ العمليات الخارجة عن السيطرة العضوية السوقية.

هذه عملياتٌ تاريخيةٌ، أي أنها نتاجُ قرونٍ من التطورات الاقتصادية والفكرية والسياسية، وحين تخرجُ بعضُ الدول عن هذا الإيقاع كاليونان واسبانيا فبسبب محدودية تاريخها الحديث في ضبط الرأسمالية التي هي إعصارٌ اقتصادي يجابه بالأسواق المنظمة ومراقبة الدول.

في حين ان تجاربَ الدول الشرقية مختلفةٌ فهي أسستْ بحسبِ جذورِ تاريخِها الاستبدادي رأسمالياتٍ حكوميةً شمولية، والرأسماليةُ الشموليةُ تمثلُ مفارقةً في التأسيس، فكيف تكونُ رأسماليةً وشمولية معاً؟

ولكنه المسارُ الموضوعي، فهي رأسمالياتُ الحمايةِ الاقتصادية السياسية الكبيرة والتسريع والتخطيط والتحديات القومية الكامنة المؤسِّسة لهذا الاندفاع، وهنا تتداخلُ التشكيلاتُ ما قبل الرأسمالية وما بعد الرأسمالية في هذا النسيج الحديدي والمتنوع الداخلي المضغوط بتلك الإرادات الشديدة.

التنوعات الايديولوجية هي أشكالٌ لتمايزِ الرأسمالياتِ الشرقية، حيث تعبرُ الجوانب السلبية التراثية فيها عن بقاءِ قسمٍ كبير من الإقطاع في البنية الاجتماعية وعرقلته لقوى العمل والوعي والتنظيم، وتعبر الليبراليةُ فيها عن توسعِ المصالحِ الخاصة والتجارية والسلبية فيها حين تهيمن على الدول وتخضعها لفوائدها، وتعبرُ الاشتراكيةُ عن البناء المخطط المفيد للدول النامية وللعدالة بين أقسام الشعوب ولكن على أن لا يكون على حساب العاملين.

وكل هذه الجوانب سوف تتمايزُ في دواخل أبنيتها الاجتماعية، ولن تنفك إلا لعقود طويلة، وفي العواصف الرهيبة القادمة للرأسمالية الغربية الهرمة التي عاشت عدة قرون تتأثر الرأسمالية الفتية في الشرق بها بشدة، من دون أن تملك ضبط الأسواق الحرة التاريخي الطويل ولا الدول المستقلة عن الطبقات، ولهذا كلما أسرعت في ديمقراطياتها المعبرة عن جميع الطبقات وتوسعت في الثقافات الفكرية والعلمية والتقنية المحللة والمعبرة عن البُنى الشرقية وتواريخها والمغيرة لمشكلاتها، يمكنها أن تواصل التنمية في ظل هذه التشكيلة المهتزة حيث يقودها قسمٌ مريض، مستفيدة من الدول كأدوات ضابطة لفوضى الإنتاج، ومخططة له .

-- أخبار الخليج:عبدالله خليفة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*