الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ليبيا.. “ولا بد لليل أن ينجلي”!

ليبيا.. “ولا بد لليل أن ينجلي”!

معلوم أن الليل يدور في فلك (اثنتي عشرة ساعة) تزيد أو تنقص قليلاً، لكنه عند بعض الأنظمة القمعية الحاكمة التي بُلِيت بها بعض الشعوب العربية، تمطَّى بصلبه على كواهلهم، فأصبح ليلهم في خانة (العقود).

وخير مثال على ذلك ليل الشعب الليبي الذي تطاول حتى بلغ (42) سنة حملت لهم البؤس والضيم والاستعباد! وتأكيدًا لما صدح به الشاعر التونسي (أبو القاسم الشابِّي) ذات يوم بقوله «ولا بد لليل أن ينجلي» فقد انجلى ليل الشعب الليبي وبزغت شمس غده الجديد بعد أن وصل لدرجة اليأس والقنوط. أُزيح القذافي عن صدور الليبيين بعد أن ترك وراءه آلاف الضحايا من أبطال الثورة، وترك وراءه دمارًا وخرابًا في الممتلكات سوف تعاني ليبيا من تَبِعاته كثيرًا.

أربعون سنة أو تزيد غُيِّب خلالها الشعب الليبي عن حُريَّته، وغُيِّبت ليبيا عن أدوارها العربية والإسلامية والدولية بفعل حماقات القذافي وتَوَهَانه ما بين القومية العربية والاشتراكية، ثم انشغاله فيما بقي من عمره بالزعامة الأفريقية الوهمية ودعمِ الإرهاب وتدبير الاغتيالات للزعماء.

هذه الحماقات كان ضحيتها الشعب الليبي وسمعة ليبيا التي خرجت من منظومتها العربية والإسلامية فعلاً وإن بقيت شكلاً، حتى أصبحت نكرة بين أخواتها، وأصبحت هامشًا بعد أن كانت متنًا، وجثم الفقر على شعبها في حين أن أنهار البترول تجري من تحتها، ولم تجد ما تُسلِّي به نفسها وتغسل فيه همومها إلا (النهر الصناعي) الذي شقَّه معمر في الصحراء ليصرف به أعين الشعب الليبي عن النهر الطبيعي (البترول) ليبقى له هو وأسرته وزبانيته وبعض حلفائه في الخارج.

 بل وصل الأمر لما هو أبعد من ذلك، حين ألَّف كتابه (الأخضر) وزعم مجيئه بنظرية ثالثة لتزاحم النظريتين الرأسمالية والاشتراكية، ثم كان من أمره أن صرف الحجاج الليبيين عن الحج لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة ووجههم إلى بيت المقدس! عبث وجنون لم يعرف لهما التاريخ مثيلاً، واستعباد لم يمارسه حتى فرعون على قومه!

 وكانت آخر عجائبه أن وصف شعبه بالجرذان واتهمه بتعاطي حبوب الهلوسة، فماذا كانت النتيجة الحتمية لهذا الطغيان والعبث؟ هي ما رأيتموها، حيث قُبِض عليه في أنابيب (الصرف الصحي) وبذا دارت الدائرة عليه حين عاش عيشة الجرذان التي وَصم بها شعبه، ثمَّ أُجهز عليه وعددٍ من أفراد أسرته وجرذانهم، وأُسدل الستار عن مسرحية أليمة دامت أكثر من أربعة عقود.

واليوم وقد نال الظالم عقابه في الدنيا وسوف ينال عقابه (المُستَحَق) في الآخرة من الله الذي لا يُظلَم عنده أحد، ولا تُجدي عنده الأموال ولا الجاه ولا السلطان، بل العدل وحده سيد الموقف، اليوم وبعد أن تنفس الشعب الليبي أنسام الحرية جدير به أن يتوحد تحت راية المجلس الوطني الانتقالي الذي أخذ على عاتقه توحيد صفوف الثوار والعمل على تماسك الثورة طوال مسيرتها التي امتدت لأشهر حتى حققت مبتغاها. جدير بالمواطنين الليبيين أن يُخلوا بيوتهم من الأسلحة، وأن يضعوا أيديهم في أيدي القائمين على المجلس الانتقالي.

جدير بالثوار أن يضعوا أسلحتهم ويُقبِلوا على صناعة مستقبل مشرق لليبيا، وجدير بهم ألا يستعجلوا ثمرة الثورة، وأن يُنحُّوا حظوظ النفس جانبًا فالكل شارك والكل ضحى والكل بذل، فالكل شركاء في الثمرة.

أما المجلس الانتقالي فيجدر به ألا يجير النصر لفئة بعينها، أو أن يرمي التهم على بعض الأحزاب التي لا شك أن لكل حزب أثره ودوره في هذا النصر، عليه أن يبتعد عن نغمة التهديد باجتثاث حزب أو فئة ما؛ لأن الظرف الراهن لا يحتمل مثل هذه الأمور التي تمحو بركة الثورة وتذهب بريحها، جدير به أن يعمل على جمع الكلمة، وأن يسرع بتشكيل حكومة انتقالية مؤقتة تقوم بضبط البلاد، وتعمل على التقاء الأطراف على طاولة المصالحة الوطنية الشاملة، وتعمل على الترتيب لانتخابات حرة نزيهة في أقرب وقت لتشكيل حكومة وطنية جديدة.

على الليبيين جميعًا بأطيافهم المختلفة ومعهم المعارضة في الداخل والخارج أن يعوا حجم المسؤولية الملقاة على عواتقهم، عليهم أن يدركوا أن دول التحالف التي شاركت في اجتثاث الطاغية لابد أن تأخذ نصيبها من الكعكة، لكنهم – أقصد الليبيين- متى اتحدوا فإن غنيمة التحالف لن تكون كبيرة، وسيضطر لترك ليبيا لأهلها، ولن يجد ما يبرر بقاءه فيها.

وبعد أن تتشكل الحكومة الوطنية الليبية الجديدة فإن عليها أن تعمل على بناء ليبيا الجديدة المغايرة لفترة الحُكم الديكتاتوري البائد، عليها أن تزيح الحواجز التي وضعها القذافي بين ليبيا وأشقائها، وأن تجعل من ليبيا ذات أثر إيجابي وانتماء حقيقي وفاعل في المنظومة العربية والإسلامية والدولية، وأن تعمل على أن تجعل من ليبيا واحة أمن ورخاء، ومصدر خير وعطاء للإنسان الليبي وأشقائه وشعوب الأرض كافة، وأن تعمل على رسم صورة زاهية لليبيا تحمل قيم الأمن والسلام والرقي الحضاري والمعرفي.

-- المدينة:محسن علي السُّهيمي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*