الخميس , 8 ديسمبر 2016

حروب.. ثم هروب!

دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق كان يسخر من أوروبا باعتبارها القارة العجوز عندما اعترضت على احتلال العراق، وتمادى الرئيس السابق بوش الابن بأن قال إن أمريكا تستطيع خوض ثلاث حروب بنجاح، لكن كوارث الرئيس بدأت تتضح الآن عندما هزت أرقام (الترليونات) الثلاثة الخزانة الأمريكية لتدخل في أزمة مالية، وليتحول العراق إلى غنيمة بيد إيران، وعدوّ بدلاً من أن يكون صديقاً..

حلف الأطلسي يقول إنه أنهى مهمته في ليبيا وسينسحب، لكن من يدفع الفاتورة؟! سيدفعها الشعب الليبي الذي يعلم أن هناك صفقات نفطية مع شركات أوروبية وأمريكية جرى توقيعها، وكذلك تكاليف التدخل العسكري، لكن المخاوف من انتشار السلاح بين الثوار، وبروز روح القبيلة، ومغريات السلطة والثروات قد تقلب الواقع إلى ما هو أسوأ، وحتى الأوروبيين ينظرون لهذه الاحتمالات بقلق، وخوف..

أمريكا بدأت الانسحاب من العراق، وتخطط لمثله من أفغانستان، وهذا يخرج عن إطار غرور القوة عند بوش الابن عندما لم ينظر إلى مخلّفات الحرب وأعبائها، حتى إن مسؤولاً أمريكياً قال إن خسائر أمريكا بتدخلها في ليبيا طيلة الأشهر الماضية، لا تساوي خسارة أسبوع في العراق وأفغانستان، وحصيلة ما حدث في العراق أنه بقي نمطاً هجيناً، أي صار شكلاً ديمقراطيَّ المظهر، بينما في المضمون هو حكومة طائفية إقصائية، حتى إن روائح الفساد، سواء في فترة الاحتلال، أو الحكومة الراهنة، رغم تزايد إنتاج النفط وارتفاع أسعاره، عجزت هذه الأموال عن تأمين الكهرباء والمياه، وهناك عزلة تامة مع المحيط العربي، وأمن غير مستقر، وقائمة طويلة أخرى من توزيع العراق إلى كيانات تحكم بأسماء الطوائف والقوميات..

ونفط العراق الذي طالما كان هدفاً أمريكياً لم تجنِ منه إلا الروائح المتطايرة من مخلفاته وإحراقه، ولا تستطيع المطالبة بتعويضات لعمل عسكري قامت به مع سبق الإصرار، بل إن دوافع الاحتلال حفزت إيران لامتلاك سلاح نووي، وإيواءٍ ودعمٍ لطالبان والقاعدة لمحاربة أمريكا..

بالمقابل نجح حلف الأطلسي في ليبيا عسكرياً بقتل القذافي وأبنائه وفلول نظامه، لكن النتائج، ما بعد العملية مجهولة أو ضبابية..

صحيح أن الشعب الليبي بارك وشجع للخلاص من الديكتاتور، لكن من قال إن البديل هو استعمار أبيض، أي بدون أسلحة وإنما هيمنة اقتصادية وتوجيه للسياسة؟

المنطقة العربية كانت ساحة حرب باردة، ثم انقلبت إلى ساحة حرب ساخنة، حروب في الخليج ولبنان والصومال والسودان وليبيا، وكذلك مع إسرائيل، ولاتزال الدائرة تتحرك لمفاجآت جديدة، ولا يحتاج الأمر قراءات خارج الواقع، إذ إن الهدف أن تبقى المنطقة ضمن العالم الثالث، وهذا لا يُعزى لأسباب المؤامرة التي تتكرر بعدة وجوه، بل إلى طبيعة الأنظمة العربية التي اعتبرت بلدانها إقطاعيات تملكها، وشعبها قطيعاً من الحراس والخدم، ما دفع المواطنين لأنْ يثوروا ويغيروا بقوةٍ الضغوطَ التي مورست عليهم..

الاحتلال وفرضْ النفوذ، واتخاذ القرارات أحادية الجانب، أسقطتها العديد من العوامل أهمها الخسائر البشرية والمادية، وفي بيئة قابلة لأن تكون ميداناً لانتشار العنف سواء لدول الاحتلال، أو تجاه طوائف وقوميات داخلية، نما شعور عام عند المحتلين والمعتدين أن الظرف الدولي، حتى باحتفاء جناحيْ القوة السوفيات وحلف الأطلسي لا يسمح بحروب مجهولة النتيجة، بل إن منظور الغرب، وبعد التدهور المالي، أدرك أن المستفيد من تلك الأزمات هو الشرق الآسيوي، وهي هزيمة أخطر من الخسائر العسكرية وعبثيتها..

-- الرياض:يوسف الكويليت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*