الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الجامعة العربية والثورة السورية

الجامعة العربية والثورة السورية

تقف الجامعة العربية، ومعها النظام السياسي العربي، أمام استحقاقٍ كبير ومفصلي فيما يتعلق بالثورة السورية.

فرغم كل الاعتبارات التاريخية التقليدية المتعلقة بطبيعة الجامعة وطريقة صناعة القرار فيها، إلا أن الموقف الراهن يقتضي نقلةً نوعيةً في الحسابات والقرارات.

معروفٌ أن الحسابات الخاطئة تؤدي للكوارث. لكن مثل تلك الحسابات في هذه المرحلة قد يُعتبر أُمّ الأخطاء، وقد يؤدي إلى حصول أُمّ الكوارث.

لهذا، لابد للعرب جميعاً أن تكون حساباتهم دقيقةً جداً، وأن تضع في اعتبارها كل المتغيرات الحاسمة التي نعيش في خضمّها.

أهم ما في القضية أن تأخذ الحسابات في اعتبارها الحاضر والمستقبل، فلا تعيش في الماضي أو تستميت في الدفاع عنه.

الأسوأ من هذا طبعاً هو أن تحاربَ من أجل قضيةٍ خاسرة.. وإذا كانت هناك قضيةٌ خاسرة في الواقع العربي المعاصر، فهي قضية النظام السوري أمام شعبه وثورته.لن نتحدث عن سبعة أشهر من الإصرار والعزيمة أظهرها الشعب السوري، ومن المعيب ألا يدرك العرب مغزاها. سنتحدث فقط عن يوم الجمعة الماضية الذي شهد زخماً كبيراً جداً من المظاهرات وكان ختام أسبوعٍ من عمليات الإضراب في كثيرٍ من أنحاء سورية.

فرغم قمعٍ غير مسبوق،وأساليب وحشية مارسها النظام لأكثر من سبعة أشهر وبات يعرف تفاصيلها القاصي والداني، خرجت المظاهرات في اليوم المذكور في أكثر من مائة مدينة ومنطقة وقرية تغطي جميع أنحاء سورية. في احدى تلك المظاهرات هتف الثوار بشكلٍ جماعي قائلين بالعامية: «صوّر صوّرماني خايف خللي المالوشايف شايف..».أين حدث هذا؟السؤال في غاية الأهمية والخطورة لأن الحدث لم يجرِ في منطقة معزولة أو هامشية وفي مظاهرةٍ طيارة سريعة، وإنما حدث بشكلٍ منظّمٍ ودقيق في قلب مدينة حمص.المدينة التي لاتنافسها سوى منطقة حوران لتكونا دون منازع رمز الربيع العربي المعاصر.

ضروريٌ جداً أن يكون لدى أطراف النظام السياسي العربي خبراء استراتيجيون يملكون الأدوات العلمية والمنهجية لقراء تاريخ الشعوب وقوانين الاجتماع البشري في مثل هذه الظروف، وألا يقع هؤلاء فريسة قراءةٍ سطحيةٍ مجتزأةٍ تنبثق من الرغبات بدلا من الحقائق والمعطيات العملية.

ضروريٌ جداً أن يفهم النظام الرسمي العربي الدلالات الاستراتيجية لهذا النوع من الإصرار والعزيمة في مدينة ذاقت صنوفاً من الحصار والتدمير والترويع والقتل لايعرف لها التاريخ المعاصر مثالاً.

ضروريٌ جداً أن يُدرك النظام السياسي العربي أن سورية تعيش ثورةً لن تعود إلى الوراء. وأن ثمة إجماعاً فيها على أن نصف ثورة هي انتحارٌ مؤكد، وعلى أن الموت بكرامة باتَ أهونَ بكثير من موتٍ بشعٍ في ثوبٍ من الذلٍّ والهوان سيكون مصير جميع الثوار ومن ساندهم بأي طريقة، في حال وقفت الثورة في منتصف الطريق.

هذه حقائق لم يعد فيها جدال بالنسبة للسوريين، والخوض في الدعايات والشائعات وعمليات التخويف التي يقوم بها النظام جدلٌ بيزنطيٌ يَشغل النظامُ السوري به العرب ليحاول شراء الوقت، لكن هذا الوقت حساسٌ جداً بالنسبة لساعةٍ عربيةٍ يجب أن تُحسب فيها الدقائق بأداةٍ مثل ميزان الذهب..

يعلم النظام السياسي العربي في هذا الإطار أيضاً أن نبض الشارع العربي بأسره يقف بقوة إلى جانب الشعب السوري وثورته. والاستجابة الرسمية لهذا النبض، والتجاوبُ العلني معه، يُشكّلان عنصراً من عناصر التوافق بين الشعوب والحكومات في القضايا الكبرى. وكما هو معلوم في عالم السياسة، فإن حصول مثل هذا التوافق والانسجام يُعتبران من عناصر المشروعية السياسية التي يبحث عنها كل نظامٍ سياسيٍ في هذا العالم..

أهم مافي القضية كلها، لابدّ من معرفة الأوراق الرابحة والمراهنة عليها بعيداً عن كل القراءات التقليدية، وفي معزلٍ عن كل الحسابات القديمة. وانتصارُ الثورة السورية القادم في معزلٍ عن تأييدٍ عربي آن أوانهُ سيكون مدخلاً للمآزق.. في حين يريد الجميع لسورية المستقبل أن تكون عنصر أمنٍ واستقرارٍ في المنطقة.

نعلم أن أطرافاً في النظام العربي وقفت بوسائل مختلفة مع الشعب السوري وثورته، مثل ليبيا ودول مجلس التعاون الخليجي. وهؤلاء يدركون جيداً أن هذا الشعب يعرف معنى الوفاء ومقتضياته. لكن الأمل يبقى قائماً بأن يحسم النظام الرسمي العربي، من خلال جامعته، موقفه من جرائم النظام السوري وممارساته، وألا يقع فريسةً لمنطقٍ لايتقن قراءة التاريخ وقراءة متغيرات الواقع الكبيرة.

باختصار، نعيد ماقلناه أكثر من مرة عن بعض العرب سابقاً:

يحاول بعض العرب أن يحجبوا الشمس بغربال.

يحلمون بأن تعود عقارب الساعة إلى الوراء.

يأملون بإمكانية السير عكس اتجاه التاريخ، وعكس اتجاه المنطق، وعكس كل اتجاهٍ يتفق عليه البشر.

يحاول بعض العرب أن يعيشوا بعقلية (الإنكار). إنكار المتغيرات، وإنكار المستجدات، وإنكار الحقائق، وإنكار المعادلات الجديدة.

يعرف هؤلاء أن قمقم السكون والرّتابة والتقليد انكسر في هذا العصر، وأن إمكانية ترقيع ذلك الكسر أو إصلاحه أصبح مجرد ذكرى تنزوي بحياءٍ في ذمّة التاريخ.

يدركون أن مارد التغيير خرج منه بضجيجٍ يصمَّ الآذان.وأن مياه نهر الإنسانية المتدفق لن تجري في نفس البقعة مرتين.وأن الحيوية البشرية فجّرت مع ثورة الاتصال والمعلومات، مرةً واحدةً وللأبد، كل الأسوار والحصون والقلاع التقليدية القديمة.

يعلمون أن (الثابتَ) الوحيد في هذا الزمن أصبح (التغيير). رضي من رضي، وسخط من سخط.وأن تحنيط الزمان أو اختزاله في موقفٍ أو شخصٍ أو جماعةٍ أو قرارٍ أو هيكلٍ إداريٍ أو سياسيٍ معين لم يعد ممكناً على الإطلاق.

يشعرون بأن (عزل) بيتهم أصبح مستحيلا. وبأن الجدران التي كانوا يختبئون وراءها بالأمس القريب صارت من زجاج.وبأن إخفاء الحقائق والوقائع والأحداث صار ضرباً من الأوهام.وبأن عين العالم والتاريخ باتت تخترق كل الحواجز والسدود.

يعرفون أن لغة اليوم اختلفت عن لغة البارحة. وأن المفردات والمصطلحات والتعابير والأساليب القديمة صارت من خشب. فإما أن تأكلها نار الشمس التي ستصل عاجلاً أو آجلاً إلى كل مكان. أو تملأَها بالرطوبة والعفن ماءُ الحقيقة التي باتت تتسرب في كل طريق.

رغم هذا. ترى بعض العرب يستمرون في (محاولة) استخدام اللغة القديمة بكل مفرداتها البالية. عسى ولعلّ..

هكذا يحاولون.. عسى ولعل..

وعبثاً يحاولون..

ليست المشكلة أن تكون عربياً في هذا الزمان كما يُشيع البعض.

ليست المشكلة في كلّ العرب.

إنما المشكلة في بعض العرب.

waelmerza@hotmail.com

-- المدينة:د. وائل مرزا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*