الجمعة , 2 ديسمبر 2016

التحدي والاستجابة

بلادنا ولله الحمد تملك من العقول الفاعلة الكبيرة، ومن الثروات الهائلة، ومن الاستقرار والاجتماع ما يجعل فرص الاستجابة الإيجابية للتحديات الكبرى أمرا ممكنا وسهلا

قدر الله للمنطقة التي نعيش فيها أن كانت محور اهتمام العالم الصناعي، ومطمعا لكل القوى الكبرى، لما حباها الله تعالى من ثروات وخيرات، فاتفق فيها أن كانت منبع الرسالات ومخازن الثروات، وهذه العوامل تجعل منها ميدانا كبيراً للصراع والمطامع والمخططات.

والتاريخ يشهد أن العالم الإسلامي منذ أن بدأت الحضارة الإسلامية وهو في حالة صراع مستمر ابتداءً من الحروب الصليبية، ومرورا بعصر الاستعمار وانتهاء بعصر الاستراتيجيات الغربية المعدلة والناعمة في المنطقة العربية، وقراءة سنن الاجتماع الإنساني تدل على أن التحديات الكبرى هي التي تصنع الفرص الكبرى، وهي التي تنتج الحضارات الجديدة، وهي التي تنقل الناس من أوضاعهم المتردية إلى أوضاع حضارية راقية.

 كيف يمكن لنا في هذه التحديات التي نمر بها أن نصنع منها عاملاً إيجابياً في الخروج من هذه التحديات الكبرى؟ يرى المؤرخ “أرنولد توينبي 1889 – 1957” وهو من أشهر المؤرخين المعاصرين.

حيث كتب موسوعته التاريخية في دراسة الحضارات والشعوب في 12 مجلدا، متأثرا بالمؤرخ الإسلامي الكبيرابن خلدون رحمه الله أن الاستجابة الإيجابية عند وجود التحديات هي التي تصنع الحضارات القوية والممكنة.

بينما تكون الاستجابة السالبة نكوصا عن التحدي وتخلفاً ورجعية، وهذا يحتاج إلى حركة وديناميكية سريعة من خلال طبيعة استجابة الناس لهذه التحديات، ومن ثم استثمارها بما يحقق لهم الفوز والنجاح، ولا يتأتى ذلك إلا بإعادة الاعتبار للعقول الخلاقة المبدعة القادرة على النظر في المشكلات وتقديم الحلول لها بسرعة وفاعلية وتخطيط، وإلا فإن الأمر سيكون انعكاسه خطيرا، لأن التحدي إن لم يواجه باستجابة فاعلة فإنه سيكون مكرساً للتخلف وللتقهقر.

 إن بلادنا ولله الحمد تملك من العقول الفاعلة الكبيرة، ومن الثروات الهائلة، ومن الاستقرار والاجتماع ما يجعل فرص الاستجابة الإيجابية للتحديات الكبرى أمرا ممكنا وسهلا، إذا صادف عزيمة راسخة في المضي قدماً لمواجهة هذه التحديات، وموازنة بين الأصالة والمعاصرة، وجعل الرجوع إلى التراث والماضي عاملاً ومحفزاً حضاريا للانطلاق نحو المستقبل.

ولا يتأتى ذلك إلا ببصيرة نافذة تتلمس مواقع الخلل ومعالجتها بلا تأخر، ودفع الناس إلى المساهمة في مواجهة هذه التحديات بإيجابية من خلال بث روح الفأل والأمل، وترك خطاب التيئيس الذي يصنع لنا جيلا مستخذياً غير قادر على مواجهة الخطوب، وتعميق مفاهيم الوحدة والاجتماع، فالبلد المفكك شعوريا وواقعا لا يمكن أن يواجه التحديات، بينما يستطيع المجتمع المتماسك أن يقف أمام أبشع التحديات بقوة ورباطة جأش.

إن الفناء لا يطرأ على أمة قادرة على قراءة سنن الله في الكون والخلق، وناظرة في عوامل الانهيار والانتصار، ومدركة سنة التدافع التي أودعها الله في خلقه، متفهمة طبيعة الصعود والهبوط الحضاري، محفزة عوامل البقاء ومقللة عوامل الاضمحلال.

ولا يتأتى ذلك إلا بالجمع بين العقل والنقل، بين السنن الكونية والسنن الشرعية، مرجعة الاعتبار للعقل وقيمته في تلمس طرق النهضة والرقي، جاعلة الإنسان محوراً مهماً في عملياتها البنائية، فإن ارتكست في شهواتها، وتخاذلت في مواجهة التحديات التي تعترض طريقها فإنها أمة لا تستحق العيش والبقاء، وهذه الحيوية والإيجابية هي التي جعلت الحضارة الغربية تهيمن على العالمين.

فالقدرة على المكاشفة بالأخطاء، والسرعة في معالجتها، واحترام كينونة الإنسان وعقله، وإعادة الاعتبار للعلم والمنهج، واحترام القوانين والنظم التي يتساوى فيها الناس كلها عوامل تنفخ الروح في هذه الحضارة المعاصرة كلما مرت عليها أزمة من الأزمات القاتلة أو المقعدة.

 إن حركة التاريخ وسننه أشبه بحركة الكواكب والأفلاك في انتظامها الظاهري، إلا أنها حركة تراوح بين السرعة والبطء، ولكنها حركة تقدمية لا تتقهقر، والله تعالى ضرب لنا الأمثال بحركة التاريخ .

وماجرى فيه من أحداث لنستخلص منها العبر التي ترسم لنا طريق الخلاص، فكم ضرب الله لنا الأمثال في القرآن عن الأمم، عوامل قوتها وضعفها، أمم مكنها ثم أعرضت فأذاقها الله العذاب، وأمم أقامت العدل والقسط فبقيت وقويت وسادت، (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين)، وهذه الحركة التاريخية ليس فيها واسطة ولا محاباة، ولا يمكن أن تستثني أحداً، وكل ما يطرأ على هذه الأمم من تحديات فإنها تبطل بسنن مضادة ومقابلة، ويستطيع الناس من خلال ذلك أن يكتشفوا هذه السنن حتى يسلموا من التحديات الكبرى ويخرجوا من مشكلاتهم بأقل الخسائر والتكاليف.

-- الوطن اونلاين :بدر سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*