الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لكيلا يتحول الربيع العربي إلى عصف مأكول..!!

لكيلا يتحول الربيع العربي إلى عصف مأكول..!!

هناك فرق بين التشاؤم السلبي والتخوف الإيجابي، وعلماء الفلك يتوسلون بالتنبؤات، ويحذرون من سيول جارفة أو رياح قاصفة، وعلماء السياسة ليسوا كعلماء الفقه والتفسير والحديث، فهؤلاء أمام نصوص تحمل دلالات ظاهرة أو باطنة،

تكشف مقاصدها عبر آليات النحو والصرف والبلاغة ومناهج اللغة الحديثة وسائر آليات القراءة ومستوياتها، ويحدو ذلك ويرود له، نوايا حسنة، ومقاصد سليمة، كالعلامات التي يهتدى بها.

أما علماء السياسة فوسيلتهم الخبرة والحدس والتخمين، وقليلاً ما تصدق توقعاتهم، ولترشيد مسار السلطة ، ندب الخالق إلى الاستشارة والاستخارة، وفي ظل انبهام الشأن السياسي والتواء دهاليزه، كثرت اللعب السياسية، وتنوع اللاعبون، وما يقال عن قواعدها لا يعدو التوقع، فالمحترفون يجترون تجاربهم الفاشلة والناجحة، ويلتقطون منها ما يسمونه بالقواعد، والراسخون في علم السياسة والمتسطحون والأدعياء ممن زجوا بأنفسهم في أتونها، تشظى بعضهم، واحترق آخرون، والسالمون منهم خلصوا نجيا، والعقلاء الذين مسهم طائف منها، لعنوا (ساس ويسوس وما تصرف منها) لأنها تدور مع المصالح، ولا تهتم بالقيم، ولا تحترم المواقف، والغلبة فيها للقوة الرعناء، والتسلط البغيض، وهدفها الانتصار الجائر، وإن لم يكن حقاً.

ولأن الصراع إكسير الحياة، ولأن تنازع البقاء بين الحق والباطل أزلي، فإن مضامير السياسة يتقحمها، الراغب والراهب والمكره والبطل، وليس لأحد الخيار فيما يأتي ويذر، والمغلَّبون للمواقف والمبادئ يمرون بها سراعاً كما سحائب الصيف، وفي كل مرحلة تاريخية يبدو مثل هذا البصيص الخافت، ولكنه سرعان ما يخبو، ولعلنا نذكر (عمر بن عبدالعزيز) الذي عد من بقايا الخلافة الراشدة، ولأنه جاء نشزاً في سياق الملك العضوض فقد وجدت الفرق والأحزاب في ظل تسامحه فرصة لإعادة لملمة أشلائها، وإشاعة مبادئها، والتخطيط لجولة حاسمة.

حتى قيل: إن سقوط الدولة الأموية كان بسبب تلك التنظيمات التي وجدت فرصتها في ظل هذا العهد المتسامح، وعلى ضوء تلك المفاهيم، تظل السياسة شراً مستطيراً لا بد منه، وعندما يتلبس بها أصحاب المواقف وحماة القيم، تكون مهماتهم صعبة، ونجاحاتهم محدودة.

والعالم العربي الذي ظل في صراع مستحر مع الاستعمار الذي رحل بمفهومه التقليدي، وأعاد نفسه بأقنعة مختلفة، وبوجوه متباينة، مني بخلف، أضاعوا العدل، واتبعوا الشهوات من حكام سوء، ليسوا بأحسن منه حالاً ولا مآلاً، وبعد عقود من الاحتقان والضجر، تململت البراكين من تحت الأقدام، فمنها من انفجر وصهر الصخر، وأذاب الحديد، ومنها من اهتزت من فوقه قشرة الأرض وزلزلت شواخص العمران زلزالاً شديداً، أتى على كل المثمنات، واستبشر الناس بهذا الحراك الإيجابي الذي جاء ليضع حداً للظلم والاستبداد والأثرة وحكم الفرد ومصادرة الحقوق ونهب الثروات وتشريد الكفاءات، وبدت بوادر الخير كما لوكانت الشعوب على موعد معها.

لقد بذلت الشعوب تضحيات كبيرة، ما كان لها أن تغيب عن البال، ولا أن يستخف بها المنتصرون، والشهداء الذين قضوا نحبهم، يرقبون من ينتظر، وعسى ألا يبدلوا تبديلاً، وإذ خلد التاريخ شهداء (الجزائر) في معارك التحرير مع الفرنسيين، وشهداء (ليبيا) في معارك التحرير مع الإيطاليين، وشهداء (فلسطين) مع الصهاينة، وشهداء آخرين في بقاع كثيرة من الوطن العربي، فإنه سيخلد شهداء ليبيا واليمن وسوريا ومصر وتونس في صراعهم مع أبناء جلدتهم.

ولما تزل قوائم الشهداء في نمو مطرد، وإذ نال الشهداء شرف الشهادة، فإن واجب الأحياء أن يحترموا مشاعرهم، وألا يضيعوا ما يتطلعون إليه، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، لقد هبت الشعوب، وليس في (أجندتها) إلا رفع الظلم، ودفع الجور، وتحقيق العدل والإحسان والحرية والمساواة وتكافؤ الفرص وبناء الإنسان وتعمير الأرض، ولم يكن الولاء إلا لله، ولم يكن الحب إلا للوطن، ولم يكن الحق إلا للمواطن، وأي طائفية أو عرقية أو إقليمية أو أثرة تبدي أعناقها، تؤذن بتحول الربيع المرتقب إلى عصف مأكول، يعقبه ريح قاصف، تدمر كل شيء أتت عليه، وتلك بوادر ليست من رجم الغيب، إن ما نراه ونسمعه لا يبشر بخير، ولما كان الهدف الرئيس دفع الظلم وإحقاق الحق، وقد تحقق بسقوط الأنظمة الظالمة ومصير السلطة إلى الشعب، فإن الواجب رعاية تلك المكتسبات.

وتلك فرصة ذهبية إذا مرت دون متلق رشيد، فإنها لن تعود، لقد حطمت الأصنام، وكسرحاجز الخوف، واستطاع المواطن أن يقول: (لا) بكل حرية، وبدون خوف أو وجل، وتلك لحظات مشرقة، وواجب الجماهير أن تعود إلى هدوئها، لتملأ النخب الفراغات الدستورية، وتعيد الحياة إلى طبيعتها، وتبدأ رسم خطة البداية وخارطة الطريق لحياة جديدة، لم تألفها الأمة العربية من قبل.وحق الرأي العام أن يراقب دون تعجل أو تشنج، ودون تدخل مباشر، يعيق الحراك، وأي تكتل فئوي أو حزبي، وأي تنازع طائفي على الغنائم سيكون من باب التنازع الذي يؤدي إلى الفشل وذهاب الريح.

إن على الأمة أن تعي خطورة المرحلة، فالفرص الثمينة لا تطرق الباب أكثر من مرة واحدة، والرأي العام الذي ألهب المشاعر، وجيش العواطف، وهد العروش، وأحرق القلاع الورقية، يحسن به أن يعود إلى منطلقاته، ليبدأ أهل الحل والعقد مرحلة البناء، فالفوضى لا يمكن أن تكون خلاقة، والغوغاء لا يمكن أن تكون راشدة لا بد من التقدير والتدبير وحساب الخسائر والأرباح، وذلك لا يكون بيد الشارع، ولا يمكن أن تتمخض عنه الغوغاء. إن المتربصين والمرجفين والمنافقين كالشياطين يجرون في شرايين الوطن مجرى الدم في العروق، وإذا لم نضيق الخناق عليهم فإنهم سيحولون ربيع الأمة إلى خريف، تتصحر معه فيافي الإنجازات، لقد سمعنا بحسيس المشاكل، متمثلاً بنبش العفن، وتجريم الآخر، واستعداء الأقوياء واتهام الأبرياء، وتخوين الأمناء، والمطالبة بتصفية الحسابات الوهمية، وخلق العداوات في زمن الضعف ومرحلة النقاهة، والمصلحة تقتضي فقه الواقع والأولويات، وتأمين أدنى حد من الأمن النفسي والغذائي، وتجاوز تقعير الرؤية في الأشياء حتى يأذن الله بالقوة والنصر والاستقرار.

فليتق الله من هم قادرون على إعادة المياه إلى مجاريها، وليتذكر المبذرون للمكتسبات قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}.

-- صحيفة الجزيرة:د. حسن بن فهد الهويمل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*