الأحد , 4 ديسمبر 2016

إلى أين تتجه ليبيا؟

ينبغي عدم التقليل من أهمية التاريخ، ومع ذلك سيكون هناك الكثير من التعليقات على ماضي ليبيا القريب. في هذا المقال سيكون التركيز على المستقبل. ربما يوما ما نحاول كتابة ملاحظات بشأن الماضي، لكن ليس هذا وقته الآن، فلنطرح بعض الأفكار من أجل المستقبل، لكن لا يتسع المقام هنا سوى لتلمس ثلاث قضايا فقط، وهي القطاع الخاص والتعليم والسياحة الثقافية.

المنظور الذي يتم تناول هذه القضايا منه، هو منظور رئيس إدارة دولية مستقلة ومجموعة استشارية لديها بعض التجارب في ليبيا.. لقد تولينا مشاريع استشارية وبحثية في ليبيا خلال الفترة من عام 2008 وحتى وقت قريب قبيل التغيرات التي شهدتها البلاد. أهم ما في الانخراط في هذه المشاريع التي تتطلب تحليلا شاملا وتخطيطا وتدريبا في بلد ليس بلدك، هو رؤيتك لأمور يتجاهلها أهل هذا البلد. انطباعي عن الشعب الليبي هو أنه شعب مهذب دمث الخلق لا يستطيع استغلال قدراته. الموهبة الكامنة هي نقطة انطلاق مناسبة في هذا السياق، ومع ذلك من الضروري تصفية الخلافات الداخلية في ليبيا.الأمر الذي كثيرا ما يعقب ثورة شعبية هائلة، في الوقت الذي يشعر فيه الناس بضياع كبير، هو المساحة المتاحة للتحول، بطبيعة الحال لا تكون النتيجة مؤكدة، لكن الدول تستقر مع الوقت، لذا هناك حاجة ماسة لمنظور على المدى الطويل من أجل تقديم فكر جديد.. قد يكون هذا كارثيا بالنسبة إلى الأشخاص المتفائلين أصحاب التطلعات الكبيرة، الذين يسعون إلى تغيير فوري محدود نحو الأفضل، لكن الصبر ضروري في هذا السياق.

هناك مرحلتان، تتضمن الأولى مهمة فورية ملحة، وهي استمرار الحياة واستعادة البنية التحتية الأساسية والخدمات، وإقامة مؤسسات يمكن أن يشعر الناس أنهم جزء منها. أما المرحلة الثانية تتشكل من البرامج طويلة المدى.

في المرحلة الأولى، ربما لن تكون هنالك أولوية للمصالح التجارية، وسيكون من الجيد الالتزام بالمركزية خلال المرحلة الأولى، وينبغي أن يكون التحكم المركزي داعما للتقدم الذي ذكرته في البداية، وهو تنمية قطاع خاص قوي مستدام.. ربما يكون الدعم الدولي هاما، لكن ينبغي أن يتضمن تبادل خبرات وتوفير فرص عمل وتعلم عن طريق الفعل. إذا تم تحقيق ذلك، فسيؤدي بالتأكيد إلى إقامة اقتصاد يتسم بالحيوية ويحتوي بداخله على مقومات الحياة.وليبيا، شأنها شأن الكثير من الدول العربية، تملك ميزة تحمل عبء ديون قليلة واقتصادا كليا يتميز بموازنات مالية وأسس اقتصادية قوية، لكن يمثل التعدين والصناعات الهيدروكربونية حاليا 95 في المائة من الاقتصاد الليبي، وينبغي أن يتم التفكير في طرق جديدة لتوليد وتوزيع الثروة من أجل ازدهار ليبيا.

يمكن لليبيا الترحيب بشراكات بين القطاعين العام والخاص، من أجل توفير فرص عمل لجزء كبير من سكانها، وينبغي أن يتبنى المجلس الانتقالي الليبي هذا النهج، الذي يمكن أن يؤدي إلى توليد المزيد من الأفكار والموارد لتنمية البنية الاجتماعية، وهو الأمر اللازم لتحول الاقتصاد الليبي من اقتصاد يقوم على الصناعات الهيدروكربونية إلى اقتصاد يقوم على المعرفة والخبرة. إذا تم تشجيع ودعم القطاع الخاص، يمكنه أن يوفر فرص عمل جيدة تقوم على المعرفة، كجزء من القطاع العام الذي يعمل بدوره على تنمية البنية التحتية الاجتماعية.

وتمثل هذه الشراكات بين القطاعين الخاص والعام فرصة لإدارة وتنمية الاقتصاد، إضافة إلى إقامة قطاع خاص مزدهر وصناعي يوفر وظائف، وبالتأكيد سيخرج قطاع خدمات جديد من رحم الاقتصاد القائم على الصناعات الهيدروكربونية. ومن المهم وضع معايير لجودة الخدمات وتطوير معايير التوصيل، التي هي من العوامل الهامة لنجاح أي اقتصاد، وتتمتع ليبيا بقدرات وفرص نجاح هائلة في هذا المجال.

القضية الثانية هي التعليم، وهي قضية محورية في عالم اليوم. وبصفتي أستاذا زائرا في كلية إدارة الأعمال في جامعة متروبوليتان في لندن، وكانت لدي فرصة خوض عدة نقاشات مع أساتذة ليبيين في طرابلس، أرى أنهم أشخاص استثنائيون ولديهم تعطش لمعرفة كل ما هو جديد. لقد شرعت ليبيا في برنامج تطوير الحرم الجامعي لـ27 جامعة في المدن الساحلية وفي المناطق الجبلية وفي الجنوب ومناطق أخرى من الصحراء الكبرى، أي كل أنحاء البلاد، وينبغي أن تتم استعادة المصممين الدوليين والمعاهد التعليمية المنخرطة في هذا المشروع بأسرع ما يمكن، وينبغي أن يتم حث خطى هذا المشروع، بحيث يوفر فرص عمل ويقدم الأمل وينمي المهارات.
لقد كان إعلان استقلال ليبيا في عام 1951، وكانت أول دولة تحصل على استقلالها من خلال الأمم المتحدة، وأحد أول المستعمرات الأوروبية في أفريقيا التي تحصل على هذا الاستقلال. بطبيعة الحال فإن تاريخ ليبيا يمتد إلى آلاف السنين، وبالتالي فهي تملك إمكانيات هائلة، ويقودنا هذا إلى القضية الثالثة التي أشرنا إليها في بداية المقال، وهي السياحة الثقافية، وهي فرصة غير مستغلة حتى هذه اللحظة.. نحن بحاجة فقط إلى النظر في مواقع التراث العالمي لنرى أن مدينة لبدة الكبرى من أجمل مدن الإمبراطورية الرومانية بآثارها الرائعة، ومينائها وسوقها ومخازنها ومتاجرها ومناطقها السكنية. وكانت سبراطة مركزا تجاريا للفينيقيين لبيع منتجات المناطق الأفريقية النائية قبل إعادة بنائها في القرنين الثاني والثالث.

وعندما زرت هذه الأماكن مؤخرا ممثلا للمنظمات المحلية، كانت هناك فرصة واضحة للتخطيط من أجل تطوير هذه المواقع بطريقة إبداعية مبتكرة.

ويمكن لليبيا أن تكون لديها سياحة خاصة تقوم على أساس الاهتمام بالتجارب الثقافية الجديدة والعميقة، واستغلال الأماكن ذات السمات الجمالية، وكذلك الاهتمام الفكري بالثقافة من خلال المتاحف والمعارض والمهرجانات، والعمارة والتاريخ والأعمال الفنية ومواقع التراث، وأيضا الفعاليات التي تسمح بالتواصل بين الثقافات.

وتتمتع ليبيا بأماكن رائعة لكنها تفتقر إلى المرافق، يمكنني أن أريك مواقع أتمنى أن أشارك في تقديم الاستشارات الخاصة بها.

في النهاية عندما قرأت خبر انتخاب عبد الرحيم القب لرئاسة الحكومة الانتقالية الجديدة، وتعهده بمنح الأولوية لقضية حقوق الإنسان، أنبأني حدسي بأن ليبيا تسير نحو الأمام. من واقع تجربتي، أرى أن الشعب الليبي شعب عظيم ويتطلع بشغف نحو المستقبل، وينبغي أن ننظر جميعا بإيجابية وإبداع في كيفية مساعدتهم على النهوض من الضبابية والضياع، ويبدو أن النشاط الاقتصادي هو الطريقة الوحيدة المجربة والأكيدة التي نجحت في دول أخرى على مدى آلاف السنين. وعادة ما تزدهر الأمم عندما يرى الناس مستقبلا مشرقا لهم ولأولادهم.

* بروفسور زائر بجامعة لندن ميتروبوليتان بيزنس سكول، ورئيس شركة «ألترا كابيتال» للاستشارات. عمل رئيسا للمجموعة الاستشارية للحكومة البريطانية الخاصة بالمشاريع المشتركة بين القطاع الخاص والعام، وعضوا في المجلس الاستشاري الخاص بقطاع الخدمات المالية البريطاني، ومن المؤسسين لمجموعة العمل الحكومية الخاصة بالتمويل الإسلامي البريطاني.

-- *جريدة الشرق الاوسط:سير جون ديفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*