الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المراهقة السياسية إلى متى؟!

المراهقة السياسية إلى متى؟!

لقد أصبح من الضروري اليوم تجاوز مرحلة النيات الحسنة، والقلوب الطيبة، والنفوس الراضية حتى لو تم تغيير هوية المنطقة، وسلب خيراتها، وانتهاك حرماتها، فاليوم تكشفت الكثير من الحقائق، وسقط الكثير من الأقنعة، وليس هناك مجال للمداهنة أو الضحك على الذقون، فالجميع في هذا الوطن ينشد دولة القانون والمؤسسات، والجميع يريدها دولة مدنية لا دينية، فالجروح المفتوحة اليوم لا تحتمل خياراً آخر.

فإما القانون وإما الصدام والاحتراب، خاصة بعد ظهور مليشيات التطرف والتشدد في الشوارع لتمارس سياسية تعطيل مصالح الناس، فما يشهده الوطن هذه الأيام من اغلاق للشوارع بالسلاسل والحديد، وسكب الشحوم والزيوت في الشوارع العامة «الهاي وي»، وإشعال الحرائق في الإطارات والأخشاب، ورمي القمامة والقاذورات أمام دور العبادة لأمر لا يمكن السكوت عنه أو القفز عليه، ولا يمكن تصويره بأنه أعمال «جهالو» ولعب شباب، فجميعها تسعى لتغيير هوية أبناء هذا الوطن وتحويله من مجتمع التسامح والتعايش إلى مجتمع العنف والتخريب والتدمير!.

المواطن الغيور على دينه وأمته ووطنه يرى أن حجم الإساءة التي يقوم بها بعض الشباب والناشئة للوطن لا يمكن أن تكون عفوية أو محض الصدفة، وأنه ليس هناك من محرك لها، فتلك الأعمال التي تتلحف بشعار السلمية، كذباً وزوراً ادعوا، ما هي إلا برنامج صغير في مخطط لتغيير هوية المنطقة الأقليمية!، حتى ولو أغض الطرف عنها علماء الدين وخطباء المنابر وقادة الفكر والرأي الذين تسهويهم ثقافة الصمت والسكوت والاختباء.

فما ذنب المواطن الذي لا ينتمي لأي طائفة أو حزب أو فئة؟ وما ذنب من لا يؤمن بالعنف وسيلة لتحقيق الغايات الكبرى؟ ولماذا يدفع الثمن باهظاً في صراع سياسي قد كشفت الأحداث بأنه مدفوع الأجر سلفاً؟! المؤسف له حقاً أن دعاة التعددية السياسية بتلاوينها وأطيافها، دينية وديمقراطية وقومية ونسوية، تلتزم الصمت وهي تسمع الأصوات الأحادية التي تسعى لفرض هيمنتها على الشارع، الجماعات التي تدعي التعددية والديمقراطية واحترام حقوق الاخرين وهي في حقيقتها تلبس لباس الأحادية وفرض الأمر الواقع.

الصدمة الكبرى التي تحز في نفس كل مواطن أن الخارجين على القانون وهم يرمون النار ويسكبون الزيت ويغلقون الشوارع والطرقات يصرخون «سلمية..سلمية»، في استغفال لأنفسهم وضحك على ذقونهم، فمن الذي قلب المفاهيم وشوه الحقائق؟ فشتان بين تعطيل مصالح الناس والسلمية التي يدعون!.

إذا عرفنا أن تلك الوسائل هي عنفية في وعيها وسلوكها يتساءل الفرد منا عن الغاية من استخدام العنف لتعكير صفو الأمن في القرى وبعض المدن، ونشر الرعب والخوف في تلك المناطق بسبب ما يصفه البعض بأنه صبيانية!، لا يمكن الكذب على أنفسنا فتلك الممارسات الهدف منها أن تدخل في ثقافة جديدة وتحت شعار «إما معنا أو ضدنا».

الشعار الذي أثبتت الأيام فشله، وتم التوقف عنه حينما بدأت العداءات البشرية للولايات المتحدة الأمريكية، فلا يمكن تطبيق هذا الشعار في أي مجتمع، فلمذا نجد اليوم مليشيات الشوارع تتمسك بهذا الشعار في ظل حراك مجتمعي تعددي كبير، فما يتم ممارسته في الشارع إنما من تيار يسعى إلى أن يكون معارضاً في كل الحالات، فلا سقف لمطالبه، ولا نهاية لممارساته، والحقيقة أن الكثير من الدول قد عانت من الفكر المتطرف، فمصر العروبة قد عانت كثيراً من جماعات التطرف ودفعت الكثير من أجل معالجته في المجتمع المصري، والشقيقة السعودية كذلك عانت من الجماعات المتطرفة التي أقلقت أمنها واستقرارها، فما يحدث في المنطقة اليوم له شواهد من التاريخ.

فالخليفة الراشد عثمان بن عفان (رضي الله عنه) قد خرج عليه البعض لاسقاط نظامه وموته أو ترحيله!، حتى تمت محاصرته أكثر من أربعين يوماً فكانت التصفية الجسدية حينما سال دمه على المصحف الشريف!، وهذا الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) حينما خرجت عليه فرقة الخوارج مطالبة بإسقاط نظامه أو موته، حتى قتل وهو خارج من صلاة الفجر على يد عبدالرحمن بن ملجم، جميعها صور تاريخية كانت بسبب تلك الجماعات المتطرفة التي لم تحترم الشهر الحرام، ولا الدم الحرام، ولا حقوق الإنسان، والمؤسف له حقاً أن تلك الأعمال تجري تحت مرأى ومسمع مع علماء الدين وحملة الشريعة الذين حملهم الله أمانة هذه الأمة «لتكونوا شهداء على الناس».

من هنا فإن الدعوة اليوم إلى الجميع بالعودة إلى بناء دولة القانون والمؤسسات بكل هدوء وروية، واحترام القانون والنظام، لا شك أن هناك من سيقف في طريق التغيير والإصلاح، ولكن الأمانة تحتم أن نسير قدماً لتأكيد الوعي الإنساني والرقي من خلال مبادرات الحوار الوطن، وليس عيباً أن نقيم حواراً وراء حوار، ولكن لا ندع المراهقة السياسية هي التي تحكم وتقود الشارع.

 

-- الأيام :صلاح الجودر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*