الخميس , 8 ديسمبر 2016

الغثائية الثقافية

في كل مجتمع ينقسم الأفراد إلى شرائح متباينة في ثقافتها وتفكيرها وميولها واتجاهاتها وهذا جزء من تكوين المجتمع الذي لا ينفك عنه، حيث يتفاوت الناس في مداركهم وقدراتهم تبعاً لاعتبارات عديدة ليس هذا مجال ذكرها·

وإذا كان في المجتمع طوائف تسعى إلى رقيه وعزته وتفوقه في مجالات شتّى، فإن هناك طوائف قد تسعى لغير ذلك بقصد أو بغير قصد، فتجد من يمارس نشر الثقافة الغثائية أو يدعو إليها، بل قد يسعى البعض إلى تحسين هذه الثقافة بشتّى الطرق وربما يعرف بذلك والأسوأ من ذلك أن يفتخر به·

إن من المؤسف أن هناك طائفة انهمكت في الهزل فكراً وسلوكاً ولم تفرق بين المزاح المشروع والمذموم فأغرقت في متابعة الهزل والسخرية في وسائل عدة من الأشرطة المسموعة والمرئية ورسائل الجوال والإنترنت ووسائل الإعلام وقد يستحسن طائفة من الناس ذلك بدعوى الترفيه عن النفس وقتل الوقت وهؤلاء لا يقتلون الوقت كما يزعمون، بل يقتلون روح الأمة حيث هي اليوم في ذيل ركب الأمم في مجال القوة المادية والأخذ بأسباب الصناعة·

إن الترفيه المنضبط والمزاح المشروع في وقته المناسب معين على الجد والنشاط وطارد للملل والسآمة والكسل، ولكن الذي يعاب هنا هو أن يستغرق المزاح حياة الفرد والمجتمع كلها، ويطغى الترفيه على كل وقت وحال فيلحق بالأمة الضرر·
إن غرس روح الجد والتفكير الصحيح واجب العلماء والدعاة والمربين والمسؤولية على وسائل الإعلام ومؤسسات التعليم كبيرة جداً، في صياغة عقول الناشئة، وصناعة الجد في حياة الناس·

وإن من المؤسف أيضاً أن عدد المجلات والصحف الرصينة التي تحترم القراء وتدرك مسؤوليتها في كل كلمة تحويها المطبوعة قد لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، وقل مثل ذلك في القنوات الفضائية والبرامج التلفزيونية، وقل مثل ذلك في الكتب والمؤلفات التي تملأ رفوف الأسواق والمكتبات، كثير منها لا يبني المجد ولا يصنع الرجال، وما أحوج هذا الأمر إلى العناية الفائقة من المختصين والباحثين تمحيصاً ودراسة ووقوفاً على المشكلة والحلول المناسبة لها·

فكم نحن بحاجة إلى دراسات علمية فاحصة تقف على واقع المعرفة الثقافية ومصادر التلقي ولا سيما في صفوف الناشئة الذين هم بحاجة إلى التوجيه والتسديد فخواؤهم الفكري يجعلهم فريسة التضليل والتجهيل وضحية الاختطاف الفكري·

وإن هذا الكم الهائل من مصادر المعرفة التي اخترقت الحجب والحواجز ودخلت كل بيت بحاجة إلى ضبط ومتابعة على المستوى الفردي والمؤسسي· وقد يكون من المهم تكثيف البرامج التوعوية في ذلك، إذ كثير من الناشئة يقبلون على التلقي من مصادر مختلفة دون ضابط أو اعتبار· وإن السعي إلى توفير البدائل المناسبة أمر في غاية الأهمية وهو ما ينبغي أن تكون له الأولوية في الدعم المادي والمعنوي على مستوى الأفراد والمؤسسات، والله الموفق·

* قسم الدعوة بجامعة الإمام·

-- أ·د· عبدالله بن إبراهيم اللحيدان*

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*