الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » بين اليونان وإيطاليا

بين اليونان وإيطاليا

الديون كانت تتراكم يوماً بعد يوم على حكومات كثير من الدول، وكان كل رئيس حكومة يقذف بها إلى من سيأتي بعده، وظلت الشعوب جاهلة أو متجاهلة عما ستجرهم إليه، وما سيدفعونه نظير ذلك.

عندما أضحت اليونان عاجزة عن دفع ديونها المستحقة والتي لم تزد في الفترة الراهنة عن ثمانية مليارات دولار، كان عليها أن تمد يدها إلى الدول الأوروبية الأخرى التي ترتبط معها بعملة موحدة؛ لأن انفصالها عن اليورو يعني تفكك تلك المجموعة المتحدة حول هذه العملة التي كانت الآمال معلقة عليها.

ولم يكن الأوروبيون، وخصوصاً ألمانيا وفرنسا، مستعدين للمساعدة دون خطط واضحة تقدمها اليونان، وما كان بوسع الحكومة اليونانية قبول شروط الدول الأوروبية دون الخوف من هبة الشارع الذي ستجير المشاكل إليه، وستحمل على كاهله، وسيدفعها مرغماً حاضراً أو مستقبلاً، وإلا ستكون العواقب أكثر ألماً.

وعندما هب الشعب اليوناني وسار في شوارع أثينا كانت الحكومة والبرلمان صامدين لأن الخيار واحد: إما القبول بالواقع، أو انتظار ما هو أسوأ؛ ولذا فقد لجأ رئيس الحكومة اليونانية إلى تبرئة ذمته، فقرر القيام باستفتاء شعبي، يجعله في حل مما أجبر عليه، وما كان ذلك ممكناً لأن الدول الأوروبية ليس لديها الاستعداد لتحمل نتائج استفتاء قد لا تتناسب نتائجه مع توجهاتها، ولهذا فقد سارع رئيس الحكومة اليونانية بالعدول عن الاستفتاء مرغماً، وبهذا كتب نهاية لوجوده السياسي في الوقت الحاضر.

وإيطاليا تصارع صراعاً مستميتاً في هذا المجال ووضعها أكبر ضرراً على مجموعة اليورو، فهي ثالث اقتصاديات اليورو بعد ألمانيا وفرنسا، ولقد عزمت على استدانة نحو 300 مليار دولار هذا العام مما يعني زيادة في نفقات خدمة الدين بمقدار 17 مليار دولار؛ ولذا فسقوط دولة مثل إيطاليا في شرك الدين يعني مشكلة كبيرة على أوروبا.

ولكن مهما كانت الآمال، ومهما كانت الحكومات فالنتيجة واحدة، تراكم للديون سيدفع قيمتها الدائنون من بنوك وأفراد، والبنوك ليست سوى مخزن أموال الأفراد؛ مما يعني أن عدداً لا بأس به سيخسر جزءاً من ثروته نظير المساهمة في التخلص الجزئي من الديون؛ ولهذا فإن الخطة الأوروبية المقدمة تشمل شطب نصف الديون المستحقة على اليونان وربما إيطاليا، وتقديم قروض جديدة، مع شروط تقشف عالية قد لا تقبلها الشعوب التي حملت على عاتقها وزر أخطاء حكوماتها.

وستستمر الأزمة في التفاقم طالما أن الشعوب ليس لديها الاستعداد للتخلص من سلوكياتها المتمثلة في التهرب من الضرائب، وعدم الجدية في العمل، وتداخل المصالح الشخصية والعلاقات العائلية مع الأنظمة الاقتصادية، وهكذا ستكون الأزمة مفتوحة لفترة طويلة ذكرت المستشارة الألمانية أنها ستستمر لنحو عشر سنوات.

إن الشعب الألماني الذي يدفع الكثير من الضرائب لن يكون مستعداً في المستقبل، وبعد أن يفقد صبره، أن يستمر في دعم حكومات وشعوب أخرى ظلت غير قادرة على إصلاح ذاتها، ولولا تلك العملة المشتركة لكان وضع تلك الدول أسوأ حالاً، ولكانت ألمانيا أكثر تحرراً من تحمل أخطاء غيرها، لكن الفأس وقعت في الرأس، ولا بد من حلول للبحث عن منجاة، وفق معايير محددة.

في ظل هذا الوضع سيكون المستثمر العادي في حيرة من أمره؛ فالأسواق قد تصيبها مشاكل الديون بآفتها، والسندات أصبحت غير مأمونة العواقب، والنقد عوائده تكون معدومة، وهكذا سيظل جزء من رؤوس الأموال في جانب الطريق في انتظار ما ستؤول إليه الأمور، لعل العاقبة تكون حميدة.

والمشكلة الأخرى التي قد تواجه العالم هي لجوء الدول إلى طبع المزيد من النقود؛ مما يتسبب في مزيد من التضخم فتضعف القوة الشرائية للأفراد، وقد يقود ذلك إلى مشاكل سياسية واقتصادية، الله هو العالم بها.

 

-- صحيفة الجزيرة:د.محمد بن عبد الرحمن البشر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*