الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الثورة السورية .. بين المنظومة والنظام

الثورة السورية .. بين المنظومة والنظام

بشار يفكك منظومة والده!

ارتكزت السياسة الداخلية في سورية إبان الفترة: 1970-2000 على ترسيخ دور المؤسسات الأمنية والعسكرية في الحياة العامة والإدارة المحلية، مما منح الرئيس السابق حافظ أسد مجالاً كافياً لإدارة سياسة خارجية مثلت محور استقرار نظامه ومورداً أساسياً لخزينته.

فقد أقام حافظ أسد علاقة تعاون عسكري مع الاتحاد السوفيتي-سابقاً- حصل بموجبها على نحو 12 مليار دولار من قيمة المعدات العسكرية،كما نجح في المحافظة على علاقات ودية مع دول الخليج العربي، في الوقت الذي وقف طوال الحرب العراقية-الإيرانية مع طهران نظير الحصول على مكاسب اقتصادية، وفي المقابل أمّنت المشاركة السورية في حرب تحرير الكويت عام 1991، للنظام إيرادات سخية.

ونتيجة لبراعة حافظ أسد في إدارة الأزمات الإقليمية؛ فقد بلغت نسبة المساعدات الخارجية 60 بالمائة من مجموع إيرادات سوريا طوال فترة الثمانينيات والتسعينيات.[1]

إلا أن بشار، الذي ورث السلطة عن والده، لم يرث منه الحنكة السياسية؛ فسرعان ما خسر الملف اللبناني برمته، واضطر إلى سحب قواته من لبنان، وأدى سوء إدارته إلى انشقاق نائبه عبد الحليم خدام، ومقتل وزير داخليته غازي كنعان، وتصفية عدد من ضباطه الأمنيين في ظروف غامضة خلال الفترة: 2005-2007.

وبدا واضحاً أن الرئيس الجديد لم يتمكن من فهم التحولات الإقليمية التي طرأت في مطلع الألفية الثالثة، ومن أبرزها: تراجع شعبية إيران إثر انكشاف سياستها الطائفية والشعوبية تحت أستار المقاومة، إضافة إلى ظهور الدور التركي، ورغبة حكومة “العدالة والتنمية” في ممارسة دور إقليمي أكثر فاعلية من ذي قبل.

فقد مثلت سياسة الانخراط ضمن المنظومة الإيرانية دعماً لنزعات طهران العدائية التي ضاقت الدول العربية بها ذرعاً، خاصة وأن خلايا “حزب الله” المدعومة من قبل سوريا قد استهدفت هذه الدول في أمنها واستقرارها.

وبالإضافة إلى استعداء الدول العربية ضد سوريا؛ أخذ بشار يفقد جميع التوازنات التي ورثها عن والده؛ حيث تعرضت السياسة الخارجية السورية في الفترة: (2000-2011)، لعدة نكسات من أبرزها:فقدان السيطرة على القضية الفلسطينية عقب اتفاق أوسلو، ونشاط المعارضة الكردية ضده بعد تسليم أوجلان، والتوتر مع الحدود العراقية إثر الغزو الأمريكي، وإرغام القوات السورية على مغادرة لبنان بعد مقتل الحريري، وتعميق عزلة سوريا عن محيطها العربي نتيجة الإمعان في دعم مشروع التوسع الفارسي، وإفلاس النظام بسبب توقف المساعدات.

الامتعاض الروسي!

ولدى اندلاع الثورة السورية رمى الروس بثقلهم خلف النظام السوري لمنع فرص التدخل الخارجي، وبادروا إلى استخدام حق النقض لمنع قرار ضد سوريا بمجلس الأمن في 5 أكتوبر 2011، في محاولة لتجنب تكرار المشهد الليبي من قبل حلف الناتو، خاصة وأن موسكو تعتبر سوريا أحد أهم مناطق نفوذها، وتمثل قاعدتها البحرية في طرطوس نقطة ارتكاز لها في البحر المتوسط منذ أحداث جورجيا عام 2008.

ونتيجة لاستخدامها حق النقض؛ فقد واجهت روسيا سخطاً أوروبياً وأمريكياً، وإحراجاً دولياً بسبب ترجيح مصلحتها الاستراتيجية على أي اعتبار إنساني أو أخلاقي، مما اضطر موسكو لتبرير موقفها برفض التدخل الخارجي، ورغبتها في عدم خسارة سوريا لصالح حلف الناتو الذي سيحكم طوقه على مناطق ليست ببعيدة عن أراضيها، خاصة بعد نشر منظومته الصاروخية في تركيا.[2]

ولكن الروس لم يكونوا حلفاء موثوقين لأصدقائهم العرب؛ فقد عارضت موسكو الغزو الأمريكي للعراق، ومن ثم الحملة العسكرية للناتو ضد نظام القذافي، ولكنها ما لبثت أن غيرت مواقفها مقابل الحصول على مميزات اقتصادية واستراتيجية من الغرب.

وفي الوقت نفسه تسبب النظام السوري بإحراج كبير لنظام ميدفيديف الذي أبدى امتعاضه من سوء إدارة بشار للأزمة، وإفراطه في استخدام العنف دون أي رؤية سياسية أو أمنية واضحة، وعجزه عن الوفاء بالتزاماته بإخماد الثورة وإنهاء حملة القمع بسرعة ترفع عن موسكو الحرج أمام المجتمع الدولي.

ومع تفشي ظاهرة الانشقاقات العسكرية وتصاعد وتيرة العنف؛ تبنى النظام السوري سياسة إقليمية خارجة عن الحصافة السياسية وفهم حساسيات الحلفاء؛ إذ أخذ الإعلام الرسمي يهدد بتأزيم الأوضاع الإقليمية، وكان لوليد المعلم (وحسون!) السبق في التلويح بتفجير الأوضاع في المنطقة، وهو أمر يضر بمصالح موسكو التي تريد استخدام الورقة السورية كوسيلة للمحافظة على التوازنات الإقليمية وليس للإخلال بها.

ونتيجة لذلك فقد بادر الروس إلى التوضيح بأن الفيتو لم يكن يقصد به منح النظام رخصة مجانية لممارسة القتل، بل كان القصد منه منع فرص التدخل الخارجي.

وللتأكيد على تباين موقفهم من سياسة دمشق؛ رد الروس على تهديد المعلم (معاقبة من يعترف بالمجلس الوطني) باستقبال بعض أعضاء المجلس في 10 أكتوبر 2011، ومن ثم تصريح الرئيس الروسي بأن على الأسد الرحيل إذا كان غير قادر على تطبيق الإصلاحات الضرورية في بلاده.

التحولات الإيرانية

سارعت طهران منذ الأيام الأولى لاندلاع الثورة السورية إلى دعم نظام أسد؛ فأوفدت اللواء محمد رضا زاهدي لإدارة مركز إيراني يهدف إلى تدريب الأمن السوري على قمع المحتجين.[3]

وفي الوقت نفسه عمدت طهران إلى تحريك خلاياها لزعزعة الأمن في كل من: البحرين والكويت والسعودية، كما دفعت بعناصر تابعة لها لتنظيم مظاهرات أمام سفارات السعودية والبحرين في الأردن والقاهرة وطهران في وقت واحد، وذلك بهدف لفت الانتباه وتخفيف الضغط عن النظام السوري.[4]

إلا أن الإيرانيين فوجئوا بضعف أداء النظام السوري الذي أخذ أقطابه يهددون باستخدام الشبكة الإيرانية لزعزعة أمن دول الخليج العربي، دون أن يدركوا بأن إيران قد هبت لنجدتهم بغية المحافظة على شبكة نفوذها، وحرصاً على استمرار توازنات القوى الإقليمية وليس بهدف الإخلال بها، وأصبح من الواضح لملالي طهران أن النظام لسوري قد أصبح مصدر تهديد مباشر لهم بسبب انعدام الفطنة السياسية لدى بشار والمحيطين به.

وتؤكد المصادر أن طهران قد فوجئت بقوة رد الفعل الإقليمي والدولي في أعقاب أحداث العوامية وإعلان محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير، حيث بادر الرئيس الفرنسي ساركوزي بتحذير إيران من احتمال تعرضها لضربة استباقية، وظهر قلق موسكو من خلال المناورات العسكرية التي قامت بها القوات الروسية مع القوات المسلحة لكل من: كازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان تحسباً لاندلاع مواجهات في سواحل بحر قزوين، وهدفت المناورات إلى تدريب جيوش هذه الدول على حماية المنشآت النفطية لديهم في حال تعرضها لقصف جوي أو استهدافها بصواريخ موجهة، وقد حضر الرئيس الروسي جزءاً منها للتأكيد على أهميتها.

أما في الخليج العربي؛ فقد أجريت في الفترة: 6-16 أكتوبر2011؛ مناورات جوية مشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي في قاعدة الملك فهد الجوية بالطائف، وعقدت في الفترة نفسها مناورات تدريب بحري مشترك لدول المجلس، بمشاركة قطع من الأسلحة البحرية التابعة للقوات البحرية لهذه الدول، وفي هذه الأثناء عقد اجتماع استثنائي لرؤساء أركان دول مجلس التعاون في أبو ظبي، واختتم في 19 أكتوبر 2011 بتصريح مسؤول عسكري إماراتي رفيع أن: “بعض القوى الإقليمية والجماعات التابعة لها كانت وراء الأحداث المؤسفة التي وقعت في دول الخليج العربي”.[5]

ولكن المناورات الأكثر خطورة من حيث الحجم والدلالة تمثلت في التدريبات التي تجريها القوات الأمريكية في منطقة الخليج العربي في الوقت الحالي، وتضم 41 مقاتلة عملاقة من اللواء الثاني والعشرين، ويخوضها مقاتلون بكامل جهوزيتهم القتالية، كما تشترك فيها 7 سفن حربية، وقوات برية بالذخيرة الحية.[6]

وأمام ذلك التصعيد العسكري غير المسبوق؛ وجد الإيرانيون أنفسهم مضطرين للتهدئة تفادياً لردود أفعال قد يكون لها أسوأ الأثر على نظام طهران الذي يواجه أزمة اقتصادية خطيرة جراء التضخم المالي، ويعاني من خفض حجم الاستثمار في القطاع الإنتاجي، وارتفاع نسبة البطالة، وانخفاض إنتاج النفط وإيرادات تصديره، مما أدى إلى تخفيض الإنفاق الإيراني لـ: “حزب الله” بنسبة أربعين بالمائة، بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.[7]

وقد شهد الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر تدهوراً ملحوظاً في العلاقات بين طهران ودمشق، وظهرت بوادر الأزمة لدى إلغاء وزير الخارجية الإيراني صالحي زيارته التي كانت مقررة إلى دمشق في 25 أكتوبر 2011 دون ذكر الأسباب، وكان رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي أكبر ولايتي قد عقد اجتماعاً مع المرشد الأعلى علي خامنئي لمناقشة تأثير الأوضاع في سوريا على إيران، واتفق الطرفان على أن نظام بشار أسد مقدم على انهيار يصعب تفاديه، وتقرر في ذلك الاجتماع إعادة صياغة الاستراتيجية الإيرانية تجاه سوريا، حيث أكد خامنئي على ضرورة فصل “حزب الله” عن سيطرة سوريا، وذلك من خلال تقديم الدعم للحزب عبر قنوات أخرى، كما تردد الحديث عن إمكانية دعم طهران لمشروع تشكيل حكم ائتلافي بديل تتوافق عليه الأطراف الإقليمية ويتعهد بدوره بالمحافظة على المصالح الإيرانية.

ولتأكيد تحول الموقف الإيراني؛ ذكرت مصادر أمريكية أن مكتب أحمدي نجاد اتصل بقناة (CNN) وأصر على إجراء لقاء معه، وبعد تشاور مدراء القناة مع البيت الأبيض تم إيفاد مراسلها “فريد زكريا” إلى طهران في 22 أكتوبر 2011 لسماع ما يرغب نجاد بقوله، وكانت المفاجأة هي أن نجاد كان واضحاً في الإعلان عن تغير مزاج طهران تجاه دمشق عندما قال: “ليس لأحد، ليس لأحد، ليس لأحد الحق في أن يقتل الآخرين، لا الحكومة ولا معارضيها”، ثم أردف قائلاً: “نرى أن على الحكومات أن تستمع إلى مطالب واحتياجات شعوبها، وأن تحقق أمنهم وتحفظ حقوقهم، وهذا يشمل كلاً من ليبيا وسوريا”، مضيفاً: “سنقوم ببذل جهود لتشجيع الحكومة السورية والأطراف الأخرى للوصول إلى اتفاق، ونعتقد بأنه يجب أن لا يكون هناك تدخل من الخارج”.

وقد تسببت هذه المقابلة في فتور العلاقة بين دمشق وطهران، وترسخ ذلك الفتور عقب زيارة وزير الخارجية الإيراني صالحي إلى الرياض للتعزية بوفاة ولي العهد السعودي، حيث حرص صالحي في أثناء زيارته على لقاء مسؤولين سعوديين بهدف توصيل رسائل إيجابية وتهدئة الأوضاع، واختتم صالحي زيارته القصيرة بمقابلة أجراها مع صحيفة الشرق الأوسط أكد فيها رغبة طهران في تقوية العلاقة بين البلدين، وزيادة التنسيق بينهما في القضايا الإقليمية.

ملامح المبادرة الإقليمية

يمكن رسم ملامح السياسة التي تدفع كل من روسيا والصين وإيران باتجاهها في المبادئ التالية:

1- منع فرص تدخل الناتو في الشأن السوري لما يمثله ذلك من إخلال في التوازنات الإستراتيجية في المنطقة.

2- تشجيع القوى الإقليمية، وبالأخص منها الدول العربية، للتقدم بمبادرات تنهي حملة القمع التي يرتكبها النظام.

3- التوصل إلى حلول تضمن المحافظة على الأوضاع القائمة، ولا تؤثر سلباً على مصالح كل من بكين موسكو وطهران في المنطقة.

وقد لجأت القوى الثلاث إلى تنسيق مواقفها خلال الأيام الماضية، بسبب عجز نظام أسد عن ضبط الأوضاع الأمنية في سوريا من جهة، وتصاعد وتيرة الثورة السورية من جهة أخرى، ولم تخف هذه الدول قلقها من حملة التصعيد التي تتزعمها تركيا عبر إجراء مناورات عسكرية لتدريب مقاتلي الفرقة 39 للانتشار على الحدود الجنوبية في حالات الطوارئ، وقرار القيادة العسكرية أخذ زمام المبادرة جراء استغلال حزب العمال الكردستاني حالة الفوضى في المناطق الحدودية مع سوريا لشن هجمات على الجيش التركي، مما أدى إلى مقتل 27 جندي تركي، وتوعد رئيس الجمهورية عبد الله غل برد مزلزل، في حين أكد أردوغان أن: “المشكلة في سورية شأن تركي داخلي، لأنه يؤثر على أمننا بصورة مباشرة”. وقد دفعت هذه التطورات وزير الخارجية الإيراني صالحي لزيارة أنقرة وتأكيده على تعاون بلاده من أجل احتواء الأزمة.

وفي إشارة لتحول مواقف الدولة العبرية؛ نشر الباحث في الشأن السوري إيال زيسر مقالة هامة تحدث فيها عن وقوع تحولات كبيرة في مسار الثورة السورية، مؤكداً أن استمرار النظام السوري بات يهدد أمن إسرائيل، وذكر زيسر في بحثه (الذي لاقى اهتماماً كبيراً في تل أبيب) أن بشار أسد حاكم ضعيف لا يستطيع أن يبرم معاهدة سلام حقيقية مع إسرائيل، كما أن استمراره في دعم حماس و”حزب الله”، واعتماد الإيرانيين عليه في تنفيذ سياستهم العدائية في المنطقة يشكلان خطورة على أمن إسرائيل التي يجب أن لا تنخدع بهدوء جبهة الجولان، وأن تبحث جادة في بحث بدائلها إزاء الوضع المتدهور في سوريا، خاصة وأن أي بديل يخلف حكم آل أسد سيكون ضعيفاً ولن يشكل خطورة تذكر على أمن إسرائيل في السنوات القادمة، باستثناء بعض التوتر الذي يمكن أن تشهده الحدود ولكنه لن يرقى إلى تهديد كيان الدولة العبرية.[8]

النظام السوري يقود حلفاءه إلى الهاوية

بعد سبعة أشهر من التخبط الرسمي في مواجهة مطالب الإصلاح، والإفراط في استخدام القوة العسكرية ضد الشعب؛ بدأ النظام السوري يتجرع مرارة تخبطه؛ فعلى الصعيد الاقتصادي شهدت البلاد توقف حركة النقل والتبادل التجاري مع الدول المجاورة، وسجل قطاع السياحة خسائر قدرت بنحو 5 ملايين جنيه إسترليني، في حين فقدت الليرة السورية 15 بالمائة من قيمتها مقابل الدولار، وتراجعت نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي في البلاد بنسبة 6 بالمائة، واختفى الدولار من الأسواق، وارتفع سعره بنسبة 10 بالمائة في السوق السوداء، في حين شهد الاقتصاد السوري انكماشاً بنسبة 2 بالمائة في الأشهر الماضية، وأدى عزوف الشركات الخليجية والأجنبية عن الاستثمار في سوريا إلى هدر فرص استثمارية بقيمة 27.3 مليار دولار.

في هذه الأثناء انخفض إنتاج النفط بنسبة خمسين بالمائة، إذ تؤكد أرقام المؤسسة العامة للنفط أن سوريا أنتجت خلال النصف الأول من السنة الجارية 70 مليون برميل نفط، مقابل نحو 141 مليون برميل في الفترة نفسها من العام الماضي، ومع سريان مفعول المقاطعة الأوروبية ستفقد البلاد نحو 2,5 مليار دولار سنوياً، ولن تجدي سياسة البحث عن مشترين جدد، إذ إن عملية الانتقال إلى سوق جديدة تتطلب وقتاً لا يملكه النظام في ظل مصاريف باهظة للحرب الشاملة التي يشنها النظام ضد شعبه.

أما على الصعيد الميداني، فقد شهد النصف الثاني من شهر أكتوبر 2011؛ انهيارات جديدة في المؤسسة العسكرية، حيث ترددت أنباء عن اختفاء ثلاث ضباط برتبة لواء، أحدهم في جهاز الاستخبارات، وتؤكد المصادر أن عدد المنشقين من الجيش السوري يزيد عن عشرة آلاف، في حين تتسع دائرة المواجهات بين القوات الموالية للنظام وفرق “الجيش السوري الحر”، والتي تستخدم فيها الطائرات المقاتلة والمدرعات والرشاشات الثقيلة، وتؤكد صحيفة نيويورك تايمز أن الحكومة التركية توفر الحماية للجيش السوري الحر الذي تنشط فرقه داخل سوريا، وتقوم بعمليات نوعية، وتذكر الصحيفة أن الجيش الحر يستخدم الأسلحة التي كانت بحوزته عندما أعلن انشقاقه، وبأن عددهم لا يقل عن عشرة آلاف، وتؤكد مصادر مطلعة أن الجيش الحر يستخدم أسلحة (آر بي جي) المضادة للدروع، والرشاشات الروسية (الكلاشنكوف) والقنابل اليدوية، وقد قام جنوده بعمليات نوعية تم التكتم عليها في المناطق الشمالية، وفي هذه الأثناء بدأ عدد من شباب منطقة حمص ودير الزور يتطوعون في كوادر الجيش الحر بهدف الدفاع عن أنفسهم وأهليهم من بطش الشبيحة وعناصر الأمن.

وفي المقابل تسود حالة من الهلع في المناطق التي عرفت بولائها للنظام، حيث يعمد السكان إلى نشر المتاريس ونقاط التفتيش، ويشترون الأسلحة التي يتم تهريبها من البلدان المجاورة، فقد ذكر الباحث بيتر هارلينج من مجموعة الأزمات الدولية أن تجارة السلاح بدأت تزدهر في سوريا وخاصة في أوساط الموالين للنظام بسبب تخوفهم من الأوضاع، وكذلك من قبل المعارضين الذين يشترون الأسلحة الخفيفة لحماية أنفسهم من عصابات النظام، وأغلب الأسلحة التي يتم تداولها في السوق السوداء هي أسلحة قديمة من بقايا الحرب الأهلية بلبنان، ويؤكد هارلينغ أن قرى “علوية” قد تسلحت بشكل واسع خوفاً من عمليات ثأر محتملة.

وفي ترسيخ حالة الهلع السائدة في أروقة النظام، أكدت وكالات الأنباء قيام مجموعة كتائب هندسة من الجيش السوري خلال اليومين الماضيين بزراعة الألغام على الحدود مع كل من: الأردن (شمال نهر اليرموك) ولبنان (بالقرب من قرى كنايسه والحنيدر، وهيت وبويت) وتركيا (إدلب وجبل الزاوية)، بهدف وقف تهريب الأسلحة وتسلل المعارضين.

وتأتي هذه الإجراءات في ظل تردد الحديث عن إصابة بشار بحالة من الاكتئاب لدى رؤية مشاهد مقتل القذافي، حيث تغير سلوكه، وبدأ يشعر بالخوف من زيادة عدد المنشقين، ومقتل عدد من ضباط جيشه في عمليات نوعية لا يعلن عنها.

وكان بشار قد بدا في آخر مقابلة له على التلفاز السوري مثل نيرون: يتحدث بصوت خافت، ويعزف على أنغام التعديلات المصطلحية في الدستور بينما تحترق بلاده، إلا أن تأكيد رئيس الأركان القطري اللواء حمد بن علي العطية في 27 أكتوبر 2011 لأول مرة مشاركة المئات من القوات القطرية في العمليات على الأرض مع الثوار الليبيين، قد أثار مخاوف بشار، الذي أفزعه كذلك تصريح الإدارة الأمريكية أنها تبحث في وسائل حماية المدنيين في سوريا.

جدير بالذكر أن الحديث عن الحظر الجوي وحماية المدنيين كان بداية التدخل العسكري لحلف الناتو بليبيا في شهر مارس الماضي.

ما الهدف من مبادرة جامعة الدول العربية؟

في 16 أكتوبر 2011؛ أعلنت جامعة الدول العربية عن مبادرة أثارت جدلاً كبيراً حول جدوى التقدم بشروط لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع، إضافة إلى ما صاحبها من تكتم وغموض.

ونظراً لأهمية هذه المبادرة، وما يمكن أن يتمخض عنها، فإنه يمكن توضيح أهم ملامحها فيما يأتي:

1- تحدث بيان الجامعة عن: “إمهال” النظام السوري فترة 15 يوماً لفتح حوار مع المعارضة في مقر الجامعة بالقاهرة، ودعا دمشق إلى: “وقف كافة أعمال العنف والاقتتال ورفع كل المظاهر العسكرية، وبدء الحوار بين الحكومة السورية وأطراف المعارضة لتنفيذ الإصلاحات السياسية التي تلبي طموحات الشعب السوري”.

ولا شك أن الحديث عن “مهلة” زمنية يقتضي وجود إجراءات أخرى في حال انقضاء المهلة دون تحقق الشروط، كما أن دعوة النظام السوري إلى وقف أعمال العنف وسحب قواته في ظل تصاعد وتيرة الانشقاقات العسكرية، وزيادة زخم التظاهرات هو بمثابة انتحار لا يمكن للنظام أن يوافق عليه.

2- في استمرار لسياسة التخبط؛ بادر نظام أسد إلى رفض هذه المبادرة، وجند إعلامه الرسمي لمهاجمتها، ولكنه ما لبث أن وافق عليها تحت ضغط “الأصدقاء”، والتقى بشار على مضض بالوفد الذي ترأسه رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري حمد بن جاسم وضم وزراء خارجية كل من مصر والسودان والجزائر وسلطنة عمان، وبعد ذلك صرح رئيس الوفد أن اللقاء كان: “ودياً وصريحاً”، وتم الاتفاق على عقد لقاء ثان يوم 30 أكتوبر 2011.

3- يغيب عن محاولات تقييم هذه المبادرة ما صاحبها من ديبلوماسية إقليمية مكثفة، حيث تمت زيارات غير معلنة لطهران، وأجرى مسؤولون إيرانيون لقاءات مع نظرائهم في كل من تركيا والمملكة العربية السعودية، وعقدت شخصيات من المجلس الوطني لقاءات مغلقة مع بعض القادة العرب، ومن ثم أعلنت كل من: الصين وموسكو وباريس دعمهم للمبادرة العربية، في ظل سكوت إيراني يوحي بالرضا.

4- أما على الأرض فلم يكن الوضع “ودياً” على الإطلاق، حيث صعّد النظام وتيرة العنف، وحصدت آلته العسكرية أرواح المئات من الشعب السوري استقبالاً للوفد العربي، مما دفع بالجامعة لمخاطبة النظام السوري يوم السبت 29 أكتوبر 2011، معبرة عن امتعاضها من استمرار تدهور الأوضاع، ومعربة عن تطلعها إلى تحقيق نتائج جدية من الزيارة المزمعة لوفدها في أقل من 24 ساعة.

ويمكن القول أن هذه المبادرة تعتبر أول محاولة تتوافق عليها القوى الرئيسة بهدف احتواء أزمة التصعيد الإقليمي التي يهدد النظام بإشعالها.

وبالإضافة إلى ذلك فإن جميع هذه القوى ترغب في رفع الحرج عن نفسها بسبب صمت البعض وتأييد الآخرين للنظام السوري الذي نجح في إحراج مؤيديه ومعارضيه على حد سواء.

وفي الوقت نفسه جاءت هذه المبادرة لتعكس إجماعاً إقليمياً بفشل المعالجة الأمنية وغياب الرؤية السياسية لدى بشار والفريق المحيط به، وحرصهم على التحرك بهدف احتواء حالة الفوضى التي يمكن أن تندلع في حالة استمرار العنف الرسمي وفقدان القيادة العسكرية السيطرة على جنودها، وسيكون لذلك عواقب وخيمة تنعكس على أمن الدول المجاورة.

كما أن وقوف المنظومة الإيرانية لصالح النظام السوري، وما نتج عن ذلك من استعار المنافسة الإقليمية أخذ ينذر القوى الكبرى باحتمال اندلاع حرب شاملة يصعب السيطرة عليها، مما دفع بكل من فرنسا والصين وروسيا إلى دعم هذه المبادرة لتهدئة الأوضاع والبحث عن البدائل التي يمكن أن تتوافق عليها جميع الأطراف، إلا أن هذه القوى لا تملك رؤية واضحة لما يمكن أن يؤول إليه المشهد السوري في ظل عجز النظام وفقدانه جميع مقومات الاستمرار، ويؤكد خطاب الجامعة العربية قبيل الزيارة الثانية لوفده يوم الأحد هيمنة الترقب والقلق، وتلاشي الرؤية السياسية في دوامة المخططات الإقليمية والمبادرات.

لكن الصورة على أرض سوريا كانت واضحة منذ الأيام الأولى للثورة؛ حيث أحرقت الأعلام الإيرانية والرايات الصفراء التابعة لهافي رسالة مفادها أن الشعب السوري مستعد لمواجهة المنظومة الإيرانية حتى يحقق هدفه في إسقاط النظام.

[1]بموجب اتفاقية أبرمت بين دمشق وطهران عام 1982 التزمت إيران بمنح هبة سنوية من النفط الخام بقيمة 200 مليون دولار، إضافة إلى تقديم كميات أخرى بقيمة مخفضة، وبلغت قروض إيران لسوريا نحو 5 مليارات دولار، كما التزمت دول الخليج لسوريا بدفع مبلغ 500 مليون دولار سنوياً طوال فترة التسعينيات، وتعهدت بمنح سوريا مبلغ ملياري دولار وفق إعلان دمشق في شهر مارس 1991.
+++++++
[2]فرانس 24، 5 أكتوبر 2011

[3]بادرت إيران بتقديم المشورة والتوجيه لأجهزة الاستخبارات السورية، وزودت عناصرها ببنادق القنص، وأنظمة (NSN) لقطع خدمات الإنترنت ومراقبة شبكات التواصل الاجتماعي والتعرف على هويات المعارضين، وبحلول شهر سبتمبر 2011؛ بلغت قيمة المعدات التي قدمتها طهران لدعم النظام السوري نحو 6 مليارات دولار، لمزيد من التفاصيل انظر:

Michael Segall (2011) ‘How Iran is helping Assad Suppress Syria’s “Arab Spring”‘, Jerusalem Centre for Public Affairs, vol. 11, No 9, 20th July 2011.

[4]وكالة الأنباء الفرنسية 9 أكتوبر 2011.

[5]صحيفة الشرق الأوسط، 20/10/2011.

[6]Debkafile, October 17, 2011.

[7]Middle East Online, 21st October, 2011

[8]EyalZisser (2011) ‘The Syrian Uprising: Implications for Israel’, Jerusalem Centre for Public Affairs, vol. 11, no. 12

-- د . بشير زين العابدين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*