الإثنين , 5 ديسمبر 2016

الفتنة المقنعة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعدُ:
فإن الجاهلية التي حلت بواقع المسلمين، وتغلغلت في شتى مناحي حياتهم، وصنعت معظم تقاليدهم وعاداتهم، قد دخلت بلاد الإسلام وهي مقنَّعة متخفية تحت أثواب براقة خُدع بها من لا فقه لهم في دينهم، ولا علم ولا بصيرة، فظنوها من الدين الذي يصلح لكل زمان ومكان، واحتجوا بأنه يسر لا عسر فيه، وأنه مرن يتسع لكل جديد ومتطور، والحق الواضح الذي لا لبس فيه أن الدين يسر عندما نأخذه من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لا من أفواه المخدوعين والمنافقين الذين تربوا على موائد الشرق والغرب، إنه يسر عندما نعيشه بصفائه وكماله كما عاشه صدر الأمة الأول جهادًا وتضحية وشجاعة ومروءة وعفافًا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

لقد تعرض جسد الأمة لكثير من الطعنات المسمومة الحاقدة من أعداء الله ورسوله الموتورين الحاقدين، ولكنهم فشلوا جميعًا في تحقيق ما أرادوه وكتب الله عليهم الخزي والعار وخرجوا من بلاد المسلمين يجرون أذيال الخيبة والهزيمة والنكسة، والتاريخ شاهد على أن أرض المسلمين كانت على الدوام مقبرة للغزاة والطامعين: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36].

وما دام الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وما دام الصراع دائمًا بين الحق والباطل لحكمة الله البالغة، فأعداء الأمة لا يدبّ إلى قلوبهم اليأس، وكانوا أشبه بالنار المستعرة تحت الرماد، فأعملوا عقولهم المدمرة وأفكارهم الهدامة في النيل من هذا الدين وأهله، فدخلوا على المسلمين بأسلحة غير معهودة ولا معلومة، وتنطوي على خبث ومكر ودهاء، ولا يكون هذا إلا من فعل الشيطان الرجيم الذي يوحي إلى أوليائه ليكيدوا لأهل الإيمان ويناصبوهم العداء ويقفوا حجر عثرة في طريق السالكين إلى الله، ويضلوا من أراد طريق الجنة وابتغى رضوان الله.

ولكن الجسد إذا كان صحيحًا ومعافى من كل مرض وعلة فإنه يصمد أمام المصائب والنوائب ويتصدى لعاديات الزمان ومفاجئات القدر، وأما إذا كان هزيلاً ضعيفًا كان من اليسير على الوباء أن يفتك به ويقضي عليه لأنه لا يجد مقاومة تذكر، فيتمكن من الجسد ويقعد به عن الحركة والحياة.

والأمة لا تزال بعافية في دينها ما دامت معتصمة بحبل الله المتين، فإذا قطعت هذا الحبل بالمعصية والإعراض تاهت في الأرض ولم تستقر على قرار، وأصبحت كالطير مكسور الجناح الذي يسقط على الأرض فيصبح عرضة لكل جائع ومفترس كالقصعة التي يتداعى عليها أكلتها، ولكن ما هي تلك العلل التي تسري في عروق الأمة الآن وتجعلها ضعيفة الأوصال مفككة الأركان، تُرى هل وراء ذلك حب الدنيا وكراهية الموت؟ أم شهوات الأرض وحظوظ النفس؟ وهل وراء ذلك الكسل والجهل والانشغال عن طلب العلم الذي فرضه الله ورفع مكانة أهله؟

أم أن وراء ذلك ضعف اليقين وفقدان الثقة في قدرة الله عز وجل؟

وهل وراء ذلك ولاة ظلمة عاثوا في الأرض فسادًا وأحلوا قومهم دار البوار وباعوا دينهم بعرض من الدنيا، وأذلوا شعوبهم وأذاقوهم سوء العذاب، وفرطوا في أرض الإسلام، ووالوا أعداء الله ورسوله ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وعبدوا الدنيا من دون الله، وانشغلوا بأنفسهم عن حقوق رعيتهم، ونقضوا مواثيق الله، وفرطوا في الأمانة وخانوا الأمة؟

أم أن وراء ذلك شباب قد نصب نفسه حاكمًا على خلق الله، وجعل كل همه هو إخراج الناس من الملة ووصفهم بالكفر أو بالشرك نتيجة لتطويع النصوص تبعًا لأغراضٍ منبعُها الهوى والانتصار للرأي؟

وهل وراء ذلك البيئة الفاسدة التي ضاع منها الحق وندر فيها المروءة والخير وعم فيها الفساد والانحلال، وخيم عليها حب الجاه والسلطان والتفاخر بالمال والمنصب والوظيفة؟ أم أن وراء ذلك كثرة الاتجاهات والمسميات واتهام كل فريق للآخر بما فيه وما ليس فيه لإظهار الرفعة وعلو المنزلة والانتقاص من شأن الآخرين؟

وهل وراء ذلك زلات العلماء وهم قادة الأمة في أمور غاية في الخطورة حتى انعدمت الثقة بينهم وبين عامة الناس من سواد المسلمين ومجموع الأمة؟ أم وراء ذلك أيدٍ خفية تشعل نار الفتن وتقود الأمة إلى الخراب والدمار وهي تعمل من وراء الستار؟!

ربما كانت هذه بعض العلل والعوائق التي تحول بين الأمة وبين مسيرتها المباركة نحو تحقيق العدل وإشاعة الخير في ربوع الأرض، فما أحوجنا إلى دواء ناجع لنقضي على تلك العوائق التي تقف دون الانطلاقة الكبرى لأمة الإسلام حتى تأخذ بزمام الأمور إلى بر الأمان وتقف من العالم كله موقف الأستاذ من التلميذ كما كانت على الدوام في مكان الصدارة والقدوة، وتلك إرادة الله فيها، وهذا قدره لها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ما أحوجنا إلى هذا الدواء ليسطع بريق الأمل بوجود المخرج مما نحن فيه، فلا يأس من الفرج بعد الكرب، ولا من وجود اليسر بعد العسر، فالله الذي يحيي الأرض بعد موتها ويخرج منها من كل زوج بهيج قادر على أن يحيي القلوب الموات لتنبض بالحق وتورق بالخير وتثمر بالبر، والله تعالى علمنا قدرته التي تتخطى حجاب الأسباب حتى تجلت مظاهر قدرته في مجيء الولد من العجوز العقيم، فالأمل يحدو أرواح المؤمنين في زوال الران الذي تراكم على الصدور لتسعد الدنيا كلها بحياة طاهرة من الفساد نقية من الفجور، ولله الأمر من قبل ومن بعد، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه.
والحمد لله رب العالمين.

المصدر : مجلة التوحيد www.altawhed.com

-- : مجلة التوحيد :صلاح عبد المعبود

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*