السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » نظام التعليم وتجاهل الواقع الحي

نظام التعليم وتجاهل الواقع الحي

في مقال سابق أشرنا إلى أن «نظام التعليم» مغلق، ولذا فهو غير قادر على استثمار العلوم والمناهج الحديثة في إنتاج جيل مبدع. كانت الإشارة إليه في ذلك المقال سريعة ومن حق القارئ علي أن أسوغ لمثل هذا الحكم الذي قد لا يرضي البعض. فهل نظام التعليم عندنا مغلق حقا؟! للجواب لابد من أن نعرف ما معنى أن يكون النظام مغلقا وما معنى أن يكون ــ بالمقابل مفتوحا.

سأقدم الآن لمحة بسيطة والباقي سنتعرف عليه عند الدخول في التفاصيل. يمكن القول إن النظام المغلق هو كل ما لا يقبل التجديد ولا الجديد، والذي يخضع لمبادئ ومقولات مسبقة تنتمي لايديولوجية معينة لها حضور سلطوي في المجتمع ككل. هذا يعني أنه نظام غير مستقل وغير حر. أما النظام التعليمي المفتوح فهو بخلاف ذلك؛ يتمتع كافة أفراده بنصيب وافر من الحرية الفكرية والنقدية، كما أنه مستقل بحيث لا يخضع لجهة واحدة تبث أفكارها الايديولوجية عبر التعليم بحيث يكون أشبه بمنبر لها وليس معملا لإنتاج العقول المبدعة!.

فهل نظامنا التعليمي مستقل وحر لكي نقول إنه مفتوح ومرن؟ في الواقع إن أبرز ملاحظة يدركها الصغير قبل الكبير هي أنه نظام لا يمثل كافة تشكيلات المجتمع المختلفة، بل يعكس ايديولوجية شريحة صغيرة من المجتمع، هذه الشريحة كما قلت تتخذ من التعليم منبرا ووسيلة لتعميم أفكارها وقيمها على بقية فئات المجتمع ومناطق البلاد، وهذا أدى بالتالي إلى سلبية أخرى وهي أن نظام التعليم عندنا منفصل تماما عن واقع الناس الحي والمعاش. واختزال الأفكار في فكر واحد هو من أخطر الآفات الحضارية التي يمكن أن يتعرض لها بلد ما. ففي هذا هدر كبير للطاقات الإبداعية لبقية الشرائح..

من السلبيات التي تضرب التعليم في صميمه رفض التجديد. فإذا كان المجتمع العام بدأ يتقبل التجديد وإن كان بشكل بطيء فإن التعليم لايزال راكدا بل إنه يتراجع للوراء أكثر. وهذا يؤكد مرة أخرى الانفصام بين التعليم والواقع. صحيح أن ثمة تجديدا يحدث ولكنه شكلي، إضافة رسومات وصور وأولوان زاهية ولكن الفكر ذاته مازال هو هو ذلك الفكر المنفصم عن الواقع والمتجاهل لتنوع المجتمع السعودي وتنوع أفكاره وتراثه.

ورفض التجديد مرتبط بسلبية أخرى وهي تعطيل الفكر النقدي والإبداعي؛ فالمعلومات التي تكتظ بها المناهج تقدم على أنها حقائق نهائية ومطلقة، ولا يحق للطالب أن ينتقدها أو يشارك في مناقشة جادة لإنتاج الحقائق ذاتها. فالتفاعل والنقاش الحر يؤدي إلى إنتاج حقائق معينة تقال على مشكلات حية ومعاشة. ولكن الطالب أبدا غير مشارك وغير فاعل، والمطلوب منه فقط هو تلقي المعلومات وحفظها.

دعونا نأخذ أمثلة واقعية على انغلاق نظام التعليم وارتهانه لفئة معينة تحاول جهدها من أجل احتكار الوعي وإقصاء المختلف. لدينا ــ على سبيل المثال ــ عشرات الشعراء والروائيين والقصاص والكتاب، ولكن هؤلاء غائبون تماما عن نظام التعليم.

وبدلا من ذلك يتم استحضار أدب ينتمي لبلدان مختلفة من مصر وسوريا ونحوهما. من الغريب جدا أن يغيب أدباء سعوديون مبدعون عن المناهج، كمحمد الثبيتي ويوسف المحيميد وعبده خال ومحمد العلي وغيرهم. باختصار أغلب إن لم يكن كل جهود الأدباء والمفكرين والمبدعين منفية تماما! أليس هذا دليلا على انغلاق نظام التعليم واستلابه؟! هناك أيضا الشعراء الشعبيون ( أو من يسمون بشعراء النبط).

أعتقد أن تجاهلهم يعد مشكلة كبيرة، فمجتمعنا ليس المجتمع الأموي أو العباسي الذي كان يتكلم اللغة الفصحى (إن صح هذا)، بل هو مجتمع حديث يتكلم أبناؤه اللهجة العامية ويبثون فيها مشاعرهم وأفكارهم عن طريق القصص والحكايات أو الشعر. إن شاعرا كأحمد الناصر الشايع أو سعد بن جدلان أو سلطان الهاجري لا يقلون إبداعا عن البحتري وأبي الطيب المتنبي وأحمد شوقي وعمر أبو ريشة، فلماذا يغيب إبداعهم عن التعليم؟

وهذا الكلام أيضا ينطبق على بقية فحول الشعر الشعبي بدوا وحضرا. أعرف أن الكثيرين لا يتفقون معي هنا، ولكن أليست اللغة العامية هي لغتنا الحية؟ أليست هي الواقع الذي نعيشه؟ لماذا إذن لا يعكس التعليم هذا الواقع؟ كما أعرف أن الكثيرين سوف يستحضرون الصراع القديم الذي نشب في مطلع عصر النهضة بين الفصحى والعامية، ولكنه كان صراعا حادا على طريقة ( إما / أو ). رأيي أنه ينبغي أن يحضر الأدبان وتحضر اللغتان؛ فيكون هناك الأدب الكلاسيكي ويكون الأدب الحديث أو المعاصر.

أيضا من الأمثلة غياب التاريخ المحلي. فكتب التاريخ تمتلئ فقط بالتاريخ السياسي منذ العصر الجاهلي حتى العصر السعودي. ولكن هناك التاريخ القريب للمجتمع ذاته. مثلا.. الطالب لا يعرف شيئا عن تاريخ وتراث منطقة الأحساء أو الجنوب أو تبوك وغيرها. لا أقصد الجغرافيا والمناطق الإدارية بل أعني عادات الناس وتراثهم وأكلاتهم وأزياءهم وأشعارهم في الماضي والحاضر. فأنا يهمني كثيرا أن أعرف كل هذا بدلا من تاريخ دول لا تربطنا معها أية علاقة..

وأين تاريخ الحضر والبدو؟ أين أخبار الفرسان الذين كانت لهم صولات وجولات في بوادي الحجاز ونجد والشمال؟. إن عصر الانفتاح المعلوماتي والتقني يجب أن يدفع صناع التربية والتعليم إلى إعادة النظر في نظام التعليم وتداركه؛ فليس هناك ما هو أشد من التناقض الذي يعيشه الطالب والناجم من تضارب ما يتلقاه في المدارس مع الواقع الحي الذي يعيشه في المنزل والملعب والشارع وكل مكان خارج المدرسة.

-- عكاظ:شايع بن هذال الوقيان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*