الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ضرب إيران: ما مدى جدية التهديدات؟

ضرب إيران: ما مدى جدية التهديدات؟

قبل أيام تبنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قراراً يدين إيران التي يشتبه بسعيها الى امتلاك سلاح نووي.

القرار الذي جاء بغالبية 32 صوتاً مقابل اعتراض عضوين وامتناع عضو واحد، أعرب عن «قلق كبير ومتزايد» حيال برنامج طهران النووي، ولكن من دون أن يحدد لها مهلة لتوضيح النقاط العالقة التي وردت في تقرير الوكالة الذرية الذي سلمه أخيراً المدير العام للوكالة يوكيا أمانو.

وفي رد يمثل إشارة أخرى على تدهور العلاقة بين الوكالة وإيران قال مسؤول إيراني رداً على القرار إن إيران «لن تشارك في محادثات نادرة تستضيفها الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسبوع المقبل لدول في الشرق الأوسط لبحث جهود تخليص العالم من الأسلحة النووية».

ويأتي القرار في أعقاب أنباء سربتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية حول أن الولايات المتحدة وإسرائيل تستعدان لإجراء تمرين عسكري «سيكون الأكبر في تاريخ الجانبين»، دون أن يتم تحديد موعده. ناهيك عن تهديدات صريحة من الجانبين بتوجيه ضربة استباقية الى إيران، يقول محللون عسكريون إن من شأنها تحويل المنطقة الى كرة من النار.

إذن، ما مدى جدية هذه التهديدات؟

بخلاف حكومة أوباما، فإن الإسرائيليين يبدون أكثر جدية واستعداداً للذهاب شوطاً أبعد باتجاه توجيه الضربة. ففي أكثر من محفل ردد بنيامين نتنياهو أنّ حصول إيران على القنبلة «سيكون بمثابة محرقة ثانية لليهود، الأمر الذي سيؤدي إلى القضاء على الدولة العبريّة». فيما حذر الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز من تزايد احتمالات شن هجوم على إيران تنفذه إسرائيل أو دول أخرى.

من جهة أخرى يقول الإعلام الإسرائيلي إن نتنياهو متورط في قضايا فساد ورشا وسيكون عرضة للتحقيق في غضون الأيام المقبلة، وما قضية الاتهامات لنتنياهو إلا من أجل دفعه لضرب إيران والتخلص من ملف الفساد.

ينظر الإسرائيليون الى نظام طهران بعين من الريبة والحنق، ويعدونه بمثابة خطر يتعاظم احتماله بعد الحصول على قنبلة نووية، لا سيما بعد تصريحات نجاد الداعية الى «إزالة إسرائيل من الوجود»، وسخريته اللاذعة من المحرقة.

وهو أمر بذل المرشد الأعلى علي خامنئي الرجل الأقوى في إيران جهوداً حثيثة لوضعه في سياقه الصحيح حين صرح مراراً وتكراراً أن هدف إيران ليس التدمير العسكري للدولة اليهودية ولا للشعب اليهودي بل إلحاق الهزيمة بالعقيدة الصهيونية وحل إسرائيل عبر «استفتاء شعبي»!!.

بالنسبة الى الداخل الإسرائيلي يؤيد 41% من الإسرائيليين فكرة توجيه ضربة استباقية للمنشآت النووية الإيرانية بحسب استطلاع للرأي العام أجرته صحيفة هآرتس، لا سيما بعد أن قدر محلل الشؤون الإستراتيجيّة في الصحيفة نفسها، يوسي ميلمان، أعداد القتلى في حال سقوط قنبلة نووية على تل أبيب بأنه سيصل في الجولة الأولى إلى 80 ألفاً، وسيموت بعدهم 870 ألفاً آخرين، لأنّهم لن يجدوا من يعالجهم من الإصابات. وهو أمر يشكل كابوساً مرعباً لكل الداخل الإسرائيلي.

وفي الآونة الأخيرة هدفت إسرائيل في مناوراتها العسكرية من غزة الى رومانيا وتحليق طائراتها العسكرية الى أمرين: تخويف إيران من ضربة محتملة ينفذها الطيران الحربي الإسرائيلي، وجر الولايات المتحدة الى حرب مع عدوها الإستراتيجي في المنطقة.

لكن، وعلى الرغم من تهديداتها هي الأخرى، إلا أن للولايات المتحدة حسابات معقدة تبتعد بها عن شن هذه الحرب فيما يبدو. فهي تسعى الى تحسين الوضع الاقتصادي للبلاد (سحبت جيشها من العراق مع الإبقاء على القواعد العسكرية) ولن تنجر الى نزيف اقتصادي جديد، إضافة الى أجندات خارجية أخرى تبدو أهم على سلم أولويات حكومة أوباما تتمثل في إيقاف الزحف الروسي الصيني على مناطق النفوذ الأمريكي.

في المقابل، لا يمكن إغفال رعاية الولايات المتحدة للمصالح الإسرائيلية. وحتى لو كانت تهديدات نجاد فارغة المحتوى فإن مصلحة إسرائيل فوق كل اعتبار ويجب حمايتها مهما كانت التكاليف.

يدعم ذلك تأثير اللوبي اليهودي في القرار الأمريكي، لا سيما مع اقتراب الانتخابات الأمريكية. إن أوباما الآن في مسيس الحاجة، وأكثر من أي وقت مضى، الى دعم اليهود ومالهم إذا ما كان راغباً في تولي رئاسة البيت الأبيض مرة أخرى.

وعلى الرغم من كل المعطيات السابقة، دع عنك إحالة إيران الى مجلس الأمن وتشديد العقوبات والتهديدات العسكرية الجدية الأمريكية إلا أن المقاربة الإيرانية للمسألة النووية تميزت بالتحدي والعناد أكثر من أي وقت مضى.

وبحسب خامنئي فإنها إستراتيجية صارمة: «لا يمكن نيل الحقوق بالتوسل فإذا ما رجوت وتراجعت وأظهرت قدراً من المرونة ستزيد القوى المستكبرة من حدة تهديداتها».

يأتي ذلك في ظل اعتبار روسيا، حليف إيران الأقوى، أن القيام بعمل عسكري ضد إيران سيكون «خطأ جسيما ينذر بعواقب لا يمكن التنبؤ بها». فيما قال الرئيس الفرنسي ساركوزي عن احتمال توجيه ضربة استباقية: «هذا كثير جداً. الأمور لا تجري هكذا. علينا البدء بالحوار أولاً، وإذا لم يحقق الحوار شيئاً نفرض عقوبات، وإذا لم تجد العقوبات نفرض عقوبات أخرى. لا يمكن للأسرة الدولية أن تحل كل المشكلات باستخدام السلاح». وبالفعل فإن استخدام السلاح في هذا التوقيت وفي ظل ظروف المنطقة التي تشهد تعقيدات بالغة الخطورة، مع عدم إغفال تأثير هذه الضربة على توريد وأسعار النفط يبدو أمراً جنونياً.

في الحديث عن أزمة الملف النووي الإيراني واحتمالية توجيه ضربة استباقية، لا يبدو أن الوسائل الديبلوماسية لحل الأزمة قد استنفدت بعد. فتعاون روسيا شأن أساسي، إذ تتكل طهران على أن روسيا قد توافق في النهاية على طموحات إيران النووية. من ثم تحذو الصين حذو روسيا، ما سيخلق تردداً في عزيمة الاتحاد الأوروبي بسبب غياب التأييد الروسي والصيني.

لكن إذا ما تمت مواجهة إيران بجبهة موحدة تضم روسيا والصين فهي سوف تعيد على الأرجح احتساب المقاربة الإيرانية. ويبدو أمراً لا يمت الى الحكمة استئناف المفاوضات دون إجماع قوي للدول الخمس حول النتيجة المقبولة.

إن الأهم للخروج من نفق هذه الأزمة يكمن في أن تحاول الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والهند التوصل الى إجماع حول اعتماد مقاربة مشتركة. فعندما كان الأمر يتعلق بالعراق كانت الولايات المتحدة تكتفي بقرارات قوية مع تحالف ضعيف. إما حين يتعلق الأمر بإيران فإن القرارات المعتدلة عامل أساسي لتحقيق تحالف دولي قوي، إذ تملك إيران مهارة عالية في إيجاد واستغلال الثغرات لدى المجتمع الدولي، كما لدى وكالة الطاقة الذرية.

-- صحيفة الجزيرة:أحمد ضيف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*