الجمعة , 9 ديسمبر 2016

العالم.. ورشة كبيرة

شاهدت البارحة برنامجا وثائقيا عن طائرة بوينغ 787 وطريقة تجميعها في مصانع إيفيريت بولاية واشنطن.

وأقول “تجميع” (وليس تصنيع) لأن الطائرة الجديدة تصنع من قبل 920 شركة أجنبية لا تمت لأمريكا بصلة.. فالمحركات النفاثة تصنع في رولز رويس البريطانية، والأجنحة في مصانع ميتسوبيشي وكواساكي اليابانية، ومقصورة الركاب الوسطى تأتي من ايطاليا، وأبواب البضائع من السويد، والأطراف المتحركة من كوريا، والعجلات من انجلترا، وأبواب الركاب من فرنسا، والتوصيلات الإلكترونية من تايوان، والدفة من كندا، وأخيرا تأتي المقاعد من تركيا.. لدرجة تتساءل في النهاية: ماذا صنعت أمريكا نفسها!!؟

وهذه الطائرة (التي تعد الأحدث في سلسلة بوينغ) مجرد مثال على صناعات كثيرة أصبحت تشترك في صنعها دول عديدة.. فسيارات تويوتا مثلا أصبحت تصنع في الصين واندونيسيا وتايلند والدول المستهلكة نفسها.. وتلفونات نوكيا لم تعد تصنع في فنلندا (حيث أغلق آخر مصنع في بلدة نوكيا عام 2009) وأصبحت تنتج في الصين وكوريا والهند.. أما جهاز الآيفون (مالئ الدنيا وشاغل الناس) فيصنع أساسا في جنوب الصين وليس لآبل فيه سوى حقوق الملكية والعلامة التجارية.. وحين غمرت الفيضانات مؤخرا مصانع قطع الغيار (في تايلند) توقفت هوندا عن انتاج السيارات (في ماليزيا).. ورغم أن شركة آبل (الأمريكية) تقاضي سامسونج (الكورية) بتهمة تقليد منتجاتها، ترتبط معها بعقد صنع ميكروفونات الآيفون وشاشات الآيباد (من خلال شركة هون هاي التايوانية)!!

وكل هذه الأمثلة تؤكد بأن العالم لم يعد فقط “قرية صغيرة” بل و”ورشة كبيرة” تتعاضد لصنع منتج واحد.. وهذا التعاضد يهدف لتحقيق منتج أكثر جودة – وفي نفس الوقت أقل كلفة وأكثر ربحية.. فأمريكا مثلا ليست عاجزة عن انتاج عجلات ومقاعد البوينغ، ولكن المنافسة الشرسة – مع ايرباص الأوروبية – تحتم عليها خفض الكلفة وصنعها في الدول الأخرى.. أضف لهذا أن كثيرا من الصناعات أغلقت أبوابها في أمريكا (مثل المكثفات والموصلات والقطع الإلكترونية)، وأصبح لزاما عليها استيرادها من دول شرق آسيا – التي أصبحت عموما المزود الأساسي للصناعات الإلكترونية في الدول المتقدمة.

وحين تتأمل الوضع بمجمله تكتشف أن البشرية (أو على الأقل الجزء المتفوق منها) انتقل اليوم من عصر التصنيع والانتاج، إلى عصر المعرفة والملكية الفكرية.. فالقدرة على التصنيع لم تعد اليوم هي العامل الحاسم، بل الريادة التقنية وامتلاك الحقوق الفكرية.. فأمريكا مثلا لم تعد تصنع بنفسها البوينغ والآيفون – ولا حتى سندوتشات البرغر وبيتزاهت – ولكنها تملك حقوق تصنيعها وبيعها في أي دولة خارجية.. وفي المقابل تصنع الصين للعالم كل شيء (بما في ذلك المرسيدس والأقمار الصناعية) ولكنها لا تملك حقوق بيعها أو تصنيعها لغير الشركة الأم.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن 55% من تجارة أمريكا تعتمد هذه الأيام على تصدير المنتجات المعرفية (التي تتضمن حقوق الإبداع والتصنيع والملكية الفكرية وتأجير الماركات التجارية).. كما تشير إلى أن اقتصادات المعرفه تستأثر حاليا بنحو 17٪ من الناتج العالمي وتنمو سنويا بمعدل 10٪ وتشكل 50٪ من إنتاجية الاتحاد الأوروبي.. وحين تتأمل جيدا منتجات شركات مثل جوجل وميكروسوفت والفيسبوك تكتشف أنها شركات ناجحة (وثرية جدا) رغم أنها شركات معرفية لا تنتج بضائع مادية أو منتجات حقيقية ملموسة!!

وبيني وبينكم ليس أكثر ربحية من (صناعة المعرفة) وامتلاك الحقوق الفكرية.

فالفرق بين (التصنيع) و(والملكية الفكرية) هو الفرق بين 370 ريالا تجنيه المصانع الصينية من كل “آيفون” تصنعه، وبين 2000 ريال تجنيه شركة آبل الأمريكية لمجرد امتلاكها حقوق الابتكار والملكية!!

.. هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون!!؟

 

 

-- الرياض:فهد عامر الأحمدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*