الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المشاؤون إلى الفلاسفة.. المشاؤون إلى الصلاة

المشاؤون إلى الفلاسفة.. المشاؤون إلى الصلاة

السعي لإرجاع الاعتبار للصلاة الحقيقية التي تعمر حياة الإنسان بالإيمان، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر والبغي، وتكون رادعة له عن الظلم والخيانة، ومقيمة لأخلاقه الإيجابية في الحياة، جزء من الهم الذي لا بد أن تعتني به كل الجهات التوعوية والتربوية

في عالم مضطرب، تجتاح الأسئلة الكثيرة عقول الجيل الجديد.. يتلفت الشباب ذات اليمين وذات الشمال نحو من عنده القدرة على حل أسئلته الوجودية، أسئلة طاغية عاتية لا تتحملها العقول الغضة الطرية، فإن كان “القلق المعرفي” قد أرق فلاسفة وأئمة كبارا حتى تاهت بهم الطرق الكثيرة، وتلفتوا ذات اليمين وذات الشمال يقلبون الطرف في مقررات العقول والكون ليصلوا إلى مرحلة الطمأنينه والراحة من القلق الذي يغمر حياتهم فيشقيها، فإن هذا أمر يحيل حياة الشاب اليافع إلى جحيم لا يطاق، وخاصة حين يفقد الشاب الثقة في كل من حوله، ويرى أنه في لعبة كبيرة يقودها أناس يحاولون تضليله في أن يصل إلى طريق الحق والحقيقة، فيبدأ في رحلة بحث مضنية، ويرى في عالم الفلسفة وإشكالياته الجواب عن تلك الأسئلة التي تحاصر حياته في الصباح والمساء.

إن عظمة الإسلام كانت في تبسيط هذه المعضلات الكبيرة والجواب عليها بأقصر طريق، ذلك أن الوحي السماوي ينقل كلام من خلق الخلق وأجرى الكون وقدرالمقادير، وهذا الاطمئنان إلى الوحي ينقل إلى الاطمئنان في المشاعر والحياة، من خلال الاتصال بين السماء والأرض، بين الخالق والمخلوق، من خلال الصلة الربانية التي تخلق تلك الطمأنينه حين يمشي الإنسان إلى “المسجد” لإعلان تلك الصلة بينه وبين من برأه وخلقه، حين يقوم من لذائذه من نومه وفراشه الوثير، في ظلمات الليل ليتصل بالسماء ثم يمشي إلى مكان الصلة الذي يجمع العباد للاتصال بخالقهم: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنورالتام يوم القيامة)، ولأن هذا المشي يختلف عن المشي إلى الفلاسفة، فأتباع أرسطو كانوا يسيرون خلفه وهو يمشي إلى محفله ودرسه، يلقي عليهم قواعد المنطق، فيزدادون بعده حيرة واضطرابا، يطوفون المعاهد للجواب عن أسئلة الوجود، فلا يزدادون إلا لهاثا، أو كأنهم الظمآن الذي يرى السراب فيجري خلفه دون أن يدرك قطرة ماء ، بينما تشرق نفس المؤمن حين يقف أمام خالقه في صلاة وعبادة، فيشعر أن السماء قد اتصلت بالأرض، وأن كل إشكالاته الفلسفية، وسؤالاته المنطقية قد حلت أمام عينيه، لأن مشاعره،وقلبه،وإيمانه كلها تنطق بلسان الفيلسوف ليعلن أن هذا من عند الله، وأن البشر مهما بلغت أفكارهم، وتنوعت أطروحاتهم يبقون يعالجون جانباً ويقصرون في جانب، ولكن خطاب القرآن، وصلة الصلاة تعالج العقل والوجدان والمنطق، فيتحدث القلب ويصدق العقل، وترق النفوس، وتصفو العقول، شريطة أن يتم هذا بجو من اليقين الذي يبدد الشك والظلمات التي تنزل على القلب فترديه.

لقد كانت حكمة الله في شرعية الصلاة أن جعلها خمساً مقسمة على أوقات تأتي على اليوم بكامله، حتى لا تتيح للإنسان أن يغفل عن الحقيقة الوجودية الكبرى، سرالخلق وغايته، وحكمته وعلته، فإن كان المشاؤون الفلاسفة يحاولون جاهدين الوصول إلى الطمأنينة والراحة، فإن أسئلتهم ظلت تفرخ أسئلة لا تنتهي، بينما خطاب القرآن قد حسم الأسئلة منذ البداية، وقدم للإنسان الجواب الشافي، ورسم له الطريق في الاتصال بالأول الذي لم يكن قبله شي، وحينئد تتجلى للإنسان حقيقة الخلق والخليقة، وهذا بلا شك ينقل حياة الإنسان من ” العبثية ” التي تفرزها أفكار الحداثة وما بعد الحداثة والمادية المعاصرة، وأطروحات العدمية التي تجعل الكمال في حياة الإنسان أن يرجع إلى البهيمية ورفض الحكمة والفناء، فتتقوض حياة الإنسان وتتفكك، وتفرغ الحياة من معناها الحقيقي، ليكون العدم والوجود وجهان لعملة واحدة، فيصبح الطرح العدمي مهددا لحياة الإنسان، ومفرغاً لها من معناها الحقيقي، وسالخاً الحياة من كل قيمة أخلاقية وإنسانية، نافياً الهدف من العمارة والسعي والبذل، منقلباً على نتاج البشرية بمعول القلق المعرفي والاضطراب الوجودي .

إن السعي لإرجاع الاعتبار للصلاة الحقيقية التي تعمر حياة الإنسان بالإيمان، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر والبغي، وتكون رادعة له عن الظلم والخيانة، ومقيمة لأخلاقه الإيجابية في الحياة، هو جزء من الهم الذي لابد أن تعتني به كل الجهات التوعوية والتربوية في الواقع، حين تغرس في الناس قيمة الصلاة وكونها الركن الأعظم في الإسلام بعد الشهادتين، وتربية الأبناء على أن الصلاة برنامج يومي لا يجوز لهم أن يتخلوا عنه مهما كانت الظروف، وتعزيز الوازع الداخلي الدافع للصلاة بلا مؤثر من سوط أو عصا غليظة، هو الذي يخفف من غلواء الفتن والشبهات الفكرية التي تردى في حمأتها الكثير من الشباب الذين بدؤوا يتشربون أفكار الإلحاد والعدمية، في غفلة عن الرقيب، وضعف في الطرح التربوي الذي يبني للناس جيلا هشاً في عقله ومعارفه وعلومه، تاركاً الشباب يغوصون في بحار الأفكار بلا مركب متين .

إن (الصلاة نور) يقع في القلب فيقويه في مقاومة خطوب الزمان والمكان، وهي علامة الإيمان والتصديق، وهي التي تغسل الأدران التي تعلق بالإنسان الخطاء، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شي؟ قالوا: لا يا رسول الله، فقال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا). وقال عليه الصلاة والسلام: (ما من مؤمن تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها إلا كانت كفارة لما قبلها مالم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله) رواه مسلم من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه.

 

-- الوطن أونلاين:بدر بن سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*