السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » انتحار المزارعين الهنود

انتحار المزارعين الهنود

في منتصف عام 1995، قام الصحافي بي سيناث بزيارة لولاية «ماهراسترا» الهندية بعد أن سمع بشيوع حالات انتحار بين المزارعين الفقراء المثقلين بالديون، بعد أن تسببت الفيضانات في تلف المحاصيل الزراعية. كانت التقارير الصحافية الأولية غير مكترثة بتلك الأخبار، لأن وفاة المعدمين والفقراء مبكرا أمر شائع بسبب تفشي الأمراض، وانعدام الرعاية الصحية. بيد أن الصحافي سيناث كان أمام مفاجأة كبيرة، فبعد إجرائه عددا من المقابلات ومراجعة السجلات البلدية، تبين أن حالات الانتحار بين المزارعين تجاوزت أرقام الوفيات الطبيعية لذلك الشهر، واستمر الرقم في الارتفاع إلى الحد الذي تجاوز فيه 10 آلاف حالة بحلول عام 1996.

نشر سيناث سلسلة تحقيقات صحافية في جريدة «ذا هندو» محاولا تسليط الضوء على الكارثة، وفي البداية كان رد فعل الحكومات الإقليمية هو الرفض لما جاء في هذه التحقيقات، متهمة الصحافة بالتهويل، ولكن بمرور الوقت استمرت أعداد المزارعين الفقراء الذي يلجأون للانتحار في الارتفاع. في آخر تقرير نشرته الحكومة الهندية تحت عنوان «الوفيات العرضية وحالات الانتحار في الهند»، بدا أن حالات الانتحار بين المزارعين الهنود كانت من بين الأعلى العام الماضي، نظرا للأزمة الاقتصادية العالمية، بحيث بلغت 16 ألف حالة.

أما العدد الكلي للمزارعين المنتحرين ما بين عامي 1995 ـ 2011، فقد تجاوز ربع مليون إنسان، أي حالة انتحار كل 32 دقيقة، مما دفع عددا من الباحثين للقول بأنها «أكبر موجة انتحار – موثقة – شهدها العالم». تتعدد الفرضيات بشأن الأسباب التي دفعت كل تلك الأعداد من المزارعين إلى الانتحار، فبعض خبراء التنمية يشيرون إلى أن الجفاف الذي ضرب الهند بين 1965 ـ 1966 قد دفع الحكومة الهندية لاستيراد حبوب معدلة وراثيا ـ تحت إشراف المؤسسات الدولية ـ قادرة على مقاومة موجات الجفاف والفيضانات المتعاقبة، ولكن بمرور عقود من الاعتماد الكلي على تلك التقنيات الزراعية، ولجوء المزارعين إلى شراء حبوب وأسمدة ومبيدات مستوردة وباهظة الثمن طمعا في زراعة محاصيل ـ نقدية كما يقال ـ كالقطن، قد دفع بالكثيرين إلى الاستدانة، وحين يفشل المشروع يلجأ المزارع إلى الانتحار لكي يجنب عائلته دفع الغرامة.

طبعا هناك آراء أخرى، ولكن التفسيرات الأكثر جدلا كانت تلك التي تصدر من الناشطين اليساريين ومناهضي العولمة الذين يدعون أن شروط منظمة التجارة، وانفتاح الهند على الأسواق العالمية والخصخصة، قادت كلها إلى زيادة الفقر وتخريب المحاصيل، ويستشهدون على ذلك بعزوف قرابة الثمانية ملايين هندي عن مهنة الزراعة للأسباب المذكورة. طبعا، التفسيرات اليسارية والمناهضة للعولمة مؤدلجة، ومنحازة في الغالب إلى جوار من تعتبره الضعيف والمغلوب على أمره، ويكفي أن يراجع المرء بيانات وسجلات المنظمات الدولية، وأرقام النمو في بعض الدول النامية ليدرك أن نسبة الطبقة الوسطى (أي أولئك الذين يزيد دخلهم عن 10 دولارات في اليوم) قد زادت عما كان عليه قبل عقود.

يشير الباحث هومي خراس إلى أن الدولتين الفقيرتين الصين والهند – بمعايير الستينات من القرن الماضي – هما اليوم من أكبر الاقتصاديات نموا، حيث إن الصين تجاوزت هذا العام اليابان كثاني أكبر اقتصاد في العالم. خلال العقد الماضي زادت نسبة الطبقة الوسطى في الصين إلى 12%، فيما صعد ما يقارب 8% من الهنود إلى مصاف الطبقة الوسطى بالمعايير الهندية (الطبقة الوسطى الناشئة في البلدان النامية: 2010).

ألا يسترعي انتباهك أن أول حالة أشعلت شرارة الانتفاضات في المنطقة العربية كانت لبائع خضراوات معدم ومدين، وغير قادر على إعالة أسرته الفقيرة لمصادرة عربته من قبل الشرطة؟! لقد أقدم محمد البوعزيزي على الانتحار بحرق جسده أمام مقر ولاية سيدي بوزيد، وهي ولاية ريفية تعاني من الفقر وقلة الموارد الطبيعية.

ورغم أن الحادثة تحولت لاحتجاجات شعبية أسقطت النظام التونسي لأسباب سياسية، فإن العامل الاقتصادي في الانتفاضات الجارية لا يمكن إغفاله. لقد نجحت الاحتجاجات في إسقاط أنظمة ديكتاتورية كليبيا القذافي، ولكن الثمن الإنساني كان باهظا. إنه من المقلق جدا أن الأوضاع الاقتصادية التي مهدت للأحداث في السنوات الثلاث الأخيرة ستصبح أكثر سوءا بنهاية عام من القلاقل والفوضى.

لقد هلل المبشرون بالـ«الربيع العربي» بالحريات المستعادة ونهاية الأنظمة الاستبدادية، ولكن بيئة الفوضى التي أعقبت إسقاط الأنظمة قد بددت – بشكل غير مسبوق – ثروات واقتصاديات بعض الدول العربية بطريقة قد تهدد مستقبل النمو الاقتصادي فيها لعقود قادمة. لقد خسرت اقتصاديات دول «الربيع العربي» ما يقارب 56 مليار دولار حسب بيانات صندوق النقد الدولي.

مصر التي لا تزال تشهد مواجهات دامية بين المتظاهرين والأمن في التحرير تواجه أكبر أزمة اقتصادية منذ الثمانينات، فقد زاد عجز الموازنة بمقدار 10%، وتراجع الاحتياطي الخارجي من 36 مليار دولار قبل «الثورة» إلى 22 مليار دولار حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، بينما بلغ الدين الخارجي ما يقارب 35 مليار دولار.

أما قطاعات الاقتصاد الأساسية كالسياحة، والاستثمار الأجنبي، وتصدير الغاز فقد تضررت بشكل كبير بحيث باتت تهدد استقرار العملة المصرية، وفرص مصر في الحصول على قروض أو مساعدات خارجية، تماما كما هي الحالة في قضية انتحار المزارعين الهنود، فإن المبشرين بـ«الربيع العربي» من المؤدلجين اليساريين والإسلاميين، ومعادي الأنظمة (anti – institutionalists) قد اختصروا أسباب الانتفاضات الشعبية العربية في ثنائيتي الاستبداد – الفساد، ولم يتوقفوا ولو للحظة لكي يفكروا في الأبعاد الاقتصادية التي أدت للأزمة، أو للنتائج الكارثية التي تترتب على استمرار الاحتجاجات الشعبية في الشوارع.

طبعا، يمكن تفهم الحالة الليبية أو السورية، لأن الصراع انقلب إلى حرب أهلية في الأولى أو انقسام طائفي في الثانية، ولكن لا يجد المرء مبررا لاستمرار المظاهرات الصدامية في مصر – مثلا – لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات التي من المفترض فيها أن تستعيد البلاد عافيتها، وتتحول نحو الاستقرار السياسي، والتركيز على إصلاح الاقتصاد والأحوال المعيشية المتردية.

يحاول المنافحون عن «الثورات العربية» الدفاع عن حالة الفوضى بدعوى أنها مرحلة انتقالية ضرورية لتخليص الدولة من العهد القديم، وهم في ذلك يرفعون شعارات مثالية – حالمة عن الغد الذي يعقب العصيان المدني والعنف الثوري – المسمى ثورة! – . لكن هؤلاء ينسون – أو يتناسون – أهمية الاستقرار المدني، وتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين إرضاء لنزقهم الثوري، وغرورهم الذاتي، والمغانم التي سيربحونها متى ما احتلوا مقاعد السياسيين الذين سبقوهم.

خذ على سبيل المثال الحجة التي يكررها المدافعون عن «الربيع العربي» في مصر، حيث يعزون كل مشكلات البلاد إلى الرئيس السابق مبارك وأركان نظامه، بل وإلى مشروع الإصلاح الاقتصادي الذي أنتج «الفساد» تحت ذريعة «الخصخصة» – كما يقولون – ولكن على هؤلاء أن يتذكروا أن تلك البرامج، لا سيما بين عامي 2005 – 2010 قد قادت إلى نمو قياسي بلغ 6% كل عام، قارن ذلك بـ0% بعد عام على الثورة. تقول الباحثة ميشيل دن من مؤسسة كارنيغي: «إن فكرة اختفاء الطبقة الوسطى – في مصر – خرافة.

في الواقع، نمت الطبقة الوسطى المصرية كنسبة مئوية من مجموع السكان لعقود، ففي الخمسينات كانت النسبة لا تتعدى 20% تقريبا، وقد ارتفعت إلى ما يقارب 50% بحلول التسعينات.

كما انخفضت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر بشكل مطرد حتى عام 2008». لقد انتحر البوعزيزي لذات الأسباب التي انتحر لأجلها المزارعون الهنود، ولكن أدعياء «الثورات العربية» لا يكترثون إلا لأجنداتهم السياسية والآيديولوجية الخاصة، وإلا لما جعلوا بلادهم تغرق في الفوضى.

-- الشرق الأوسط : عادل الطريفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*