الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إيران و«الإخوان».. والمنزل الخشن!

إيران و«الإخوان».. والمنزل الخشن!

إيهدد الشبح الإيراني، جنرال قاسم سليماني، العالم كله، ويخص منه أميركا، بأن إيران ستصبح إيرانات في منطقة الشرق الأوسط، وأن مصر ستصبح إيرانا أخرى، شاء من شاء وأبى من أبى.

قائد فيلق القدس، ومهندس الشبكات الإيرانية الإرهابية في العالم، ومعلم السيد نصر الله في لبنان، والسيد مقتدى في العراق، لا يتكلم عبثا، ولكنه أيضا يمارس، في هذا الظهور النادر له، نوعا من أنواع الحرب النفسية ضد خصوم إيران، وهم بالمناسبة ليسوا أميركا فقط، كما يدعي سليماني، بل غالبية الدول العربية، ولكن خفاش الاستخبارات الإيرانية قرر أن ينظر بعين واحدة لأسباب دعائية.

إيران مستنفرة، وهي تريد «حلب» هذه الثورات العربية في المحلب الإيراني فقط، ففي بداية انهيار «الدولة» في مصر لصالح ما سمي، وما زال يسمى، بالثورة المصرية، هلل مرشد إيران، علي خامنئي، لما سماه بثورة الصحوة الإسلامية، وقرر أن يرى في هذه الثورات عودة لروح الخميني، مؤسس جمهورية ولاية الفقيه الإسلامية، وهكذا عزف كل قادة إيران من العسكر والمدنيين، وأتباعهم في لبنان مثل حسن نصر الله، على ذات النغمة.

لكن هذه المعزوفة أصابها النشاز حين وصلت أمواج الثورة إلى سوريا بشار الأسد، وقرر خامنئي وأتباع معسكره النظر، كالأعور، بعين واحدة، والتحدث بلسانين، فما جرى في تونس ومصر وليبيا واليمن هي ثورات خمينية صحوية، نسخ أخرى من إيران، أو إيرانات جديدة، كما يقول سليماني، بينما ما جرى ويجري في سوريا هو مؤامرة من الشيطان الأكبر والشياطين الصغرى!

كانت الثورة الشعبية السورية هي المسمار الأعمق في اللوح الإيراني الدعائي، كانت هي المربكة لكل أتباع خطاب الممانعة والمقاومة، الذي كان «شغالا» طيلة السنوات القريبة الماضية، وتم تبسيط كل الصراعات والتعقيدات في المنطقة من زاوية هذا الصراع «المفتعل»، فعبر ثنائية: الاعتدال والممانعة، أو القوى التابعة للمشروع الأميركي والمشروع الوطني الإسلامي..

كان يتم تسويغ وتسويق المصالح الإيرانية ومصالح نظام الأسد في المنطقة، والويل كل الويل لمن يختلف أو ينتقد هذا المعسكر، الويل له من إعلام «الجزيرة» و«القدس» وهيكل وميكروفونات الإخوان المسلمين، الظاهرة منها والباطنة!الآن سقط القناع عن القناع، كما قال درويش، وها نحن نرى الصامت القاتل، قاسم سليماني، يفضح المستور، ويكشف المغطى، ويصرح بأن إيران تريد من هذه الثورات العربية أن تكون «إيرانات» أخرى، إيرانات بكل ما تحمل الكلمة من معنى، أو بعبارة أخرى تريد منها أن تكون على غرار التابع الأليف «الحاج» أبو إسراء، نوري المالكي في العراق، الذي سخر قدرات الدولة العراقية لإنقاذ الحليف الطائفي والسياسي بشار الأسد.

وها هي الأخبار تقول إن ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية رفضت بيع أجهزة اتصالات متطورة، تتيح تتبع الهواتف الجوالة، والتجسس عليها واستخدامها، لصالح نظام بغداد، خوفا من تمرير هذه الأجهزة إلى نظام القمع الأسدي، وأن يكون نظام المالكي مجرد «جسر» شرعي تمرر منه كل الوسائل الكافلة لتفوق القمع والقهر الذي يمارسه بشار وماهر في السوريين، قبل ذلك كانت الاتهامات طالت حكومة المالكي بتمرير أجهزة تجسس على الإنترنت، فائقة التقنية، لصالح نظام بشار الأسد.

باختصار، تحول مركز الثقل الإيراني إلى بغداد، وأصبحت بغداد، في ظل حكومة المالكي، هي سوريا الجديدة، التي تعول عليها طهران، ولذلك عين المرشد خامنئي أحد مراجع التقليد التابعين له، وهو آية الله شاهرودي، ليشرف على العراق، عقائديا ونسجا للخطاب الديني السياسي الشيعي، وهو بدوره يؤيد نوري المالكي، الحليف الشاطر والمنشد المخلص في روضة الإمام.

إيران ترى أنها حققت نجاحا في تطويع العراق، واستخدامه، وهي تريد تكرار هذا النموذج في بقية الدول العربية التي تعاني من اضطرابات عميقة، ولذلك غضت الطرف عن مشروع «ربيع عراقي» ضد حكومة المالكي، بل ساندته، على الرغم من الفساد الفاضح والعجز الواضح لحكومة المالكي، كما أعلنت، بكل عري، انحيازها الكامل إلى نظام بشار الذي يشرب دماء الناس في سوريا، وفي نفس الوقت تتغنى إيران ببراءة وطهر ثورات الشعوب العربية ضد القهر والظلم!على ماذا تعول إيران في هذه الأماني، بإيرانات أخرى؟

هي تعول على فوز حزب النهضة في تونس، جماعة راشد الغنوشي، وتعول على فوز «الإخوان» في مصر، ومثلهم في اليمن ومعهم الحوثيون، والآن فوز حزب العدالة والتنمية في المغرب، وفي ليبيا تقدم الإسلاميين، بإخوانييهم وجهادييهم.هل التفاؤل الإيراني مشروع ومنطقي؟في جانب منه، نعم، فـ«إخوان» مصر، نسخة مهدي عاكف ومحمد بديع، ومعهم سليم العوا، هم أصدقاء لإيران بلا ريب، وشركاء في صياغة و«تعريب» الخطاب الإيراني الخميني في المنطقة طيلة العقد الماضي، ولا داعي لتكرير تصريحات عاكف والعوا، على سبيل المثال لا الحصر، في هذا الإطار.

كذلك كان خطاب الغنوشي في ما يخص قراءة السياسات الإقليمية، قريبا من نفس الخطاب الإيراني، بصرف النظر عن انفتاح جماعة النهضة في ما يخص «فقهيات» المرأة والديمقراطية والمدنية، فهذا بحث آخر.

لكن في جانب آخر، قد يقال إن هذا التلاقي والتقارب كان حينما كان الإسلاميون في مصر وتونس خارج خيمة السلطة، فأرادوا الاتقاء بخيمة «دولة» إيران، على الرغم من تكلفة هذا الاتقاء من الناحية الانضباطية السنية (محتوى العقائد السنية)، وعلى الرغم من صرفهم لكثير من الجهد في الدفاع عن أنفسهم العمالة لإيران، لكن الآن هم في حل من دفع هذه التكاليف، بعدما دخلوا خيمة السلطة نفسها، واعترف بهم الغرب اعترافا شرعيا، وشرعت لهم أبواب العالم، بينما نظام الملالي في طهران ما زال يعاني من «النبذ» الدولي والإقليمي، وعلى هذا فموقع الإسلاميين اليوم في دولهم أقوى من موقف الخمينيين في إيران، لناحية الشرعية الدولية والإقليمية!

ثم هل يمكن تطبيق وصفة واحدة لكيفية التعامل من قبل الإسلاميين الذين يحصدون الكثير من السلطة في دولهم، مع إيران؟ هل يمكن أن نطابق بين إسلاميي ليبيا «الإخوان منهم والسلفيين» الذين تلقوا العون والدعم الكبير من قطر والإمارات ودول الناتو، لدحر القذافي، والوصول للحكم، بإسلاميي مصر الذين كانوا إلى فترة قريبة أصدقاء حميمين لنظام طهران؟

ناهيك عن أن نقارن إسلاميي سوريا، أعداء بشار الأسد، بغيرهم في ما يخص العلاقة مع إيران.ربما تنقلب الآية، وتصبح إيران هي من يتودد إلى «الإخوان» والإسلاميين في الدول التي يصلون فيها لسلطة الحكم.. بعد أن كانوا هم من يتودد إليها. بل ربما ينشأ صراع شرس بينهم وبين ملالي طهران بسبب أنهم ينطلقون من نفس المناخ الفكري، وسبب الصراع يكون: من هو الأحق بقيادة المجتمعات العربية؟

وهنا ربما يجد الإسلاميون العرب السنة أنفسهم في حاجة إلى ترسيخ مبدأ الانفصال عن إيران، المحرجة طائفيا وقوميا، من يدري؟

وربما كانت مشاحنة أحد عرابي الأصولية السياسية السنية، وهو يوسف القرضاوي، قبل قليل من موسم الربيع العربي، لإيران ونشرها التشيع، أحد المقدمات أو «البروفات» المصغرة لما يمكن أن يجري مستقبلا.

بكل حال، نحن نعيش في ظروف متقلبة، وحتى الجزم بأن الحزب الفلاني أو التيار الفلاني سيتفرد بالحكم دون منغصات، أو أن زلازل العالم العربي قد انتهت، هو أمر مبكر جدا.. ولذلك ربما كانت إيران تريد استباق الأمور، من خلال تذكير أصدقاء الأمس من الإسلاميين بواجب اليوم عليهم تجاه إيران.

ربما تريد تذكير الإسلاميين ببيت من الشعر العربي القديم يقول:إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروامن كان يألفهم في المنزل الخشن

m.althaidy@asharqalawsat.com

-- الشرق الأوسط:- مشاري الذايدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*