الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » في عصر العولمة يتأرجح الشباب بين الأصالة والمعاصرة!

في عصر العولمة يتأرجح الشباب بين الأصالة والمعاصرة!

إن العولمة مرحلة لا بد أن تليها مرحلة، وأخشى أن تكون هذه المرحلة هي ما يمثل الآثار السلبية للعولمة، والتي نخافها جميعاً أن تهدد ثقافتنا وهويتنا، فتسود الثقافة الغربية الغريبة عن ثقافتنا وهويتنا وتراثنا، لسهولة انتشارها حالياً بفعل التطور التكنولوجي الهائل الذي يشهده العالم.

ويمكن تقسيم الشباب تبعاً لتأثرهم بوسائل العولمة التكنولوجية إلى ثلاث فئات:

أولها الشباب المتمكن أهله اقتصادياً، والقادر على توفير فرص تعلم جيدة له، وأجهزة تكنولوجية يتدرب عليها ويعمل من خلالها، فهو يجيد استخدامها بمهارة فائقة، مما يسهل له توفير فرص عمل مختلفة.

ولا يتأثر هؤلاء الشباب بما تبثه هذه الأجهزة بما فيها القنوات الفضائية والإنترنيت من أفكار وأحداث، وذلك لاقتراب نمط حياتهم منها. ويمكنني أن أطلق عليهم مفهوم «العرب الغربيين» أو «Western Arab»، لظهور ازدواجية القيم الشرقية والغربية على سلوكياتهم، مثل نوعية سياراتهم، وموسيقاهم، والأفلام التي يشاهدونها، وعلاقاتهم بالجنس الآخر، وبوالديهم وأسرهم من حيث استقلاليتهم عنها في الكثير من الأمور.

وقد يؤدي هذا بهم إلى الانعزال الاجتماعي الاختياري، وقد يضعف هذا ولاءهم لأوطانهم فيؤدي إلى ازدواج الجنسية، والذي قد يؤدي بدوره إلى الهجرة، ولكم أن تتخيل مخاطر ذلك ثقافياً ودينياً!

وغالباً لا تبدي هذه الفئة من الشباب أية اهتمامات سياسية، فلا تهزها الأحداث السياسية، ولا تعنيها، وعلى الرغم من ذلك فقد أظهرت المواقف الأخيرة أن لدى هؤلاء حساً وطنياً وقومياً عند الاستماع إلى آرائهم في ما يحدث في العراق واليمن ومصر، وتظاهراتهم إزاءها.

وأما الفئة الثانية من الشباب فيبدو أنها أقل استقلالية عن أسرها، بمعنى أنها أكثر التزاماً بعائلاتها والتصاقاً، وتشمل الشباب القادر أهله على تعليمه في الريف والحضر، ولكنها محدودة العطاء، ولا تزود أبناءها بمهارات إضافية تساعدهم في الولوج إلى سوق العمل.

ويبرز أثر العولمة وشيوع قيمها في أن هذه الفئة تقلد الأولى في سلوكياتها أولاً، وما تشاهده على القنوات الفضائية ثانياً، ويساهم ذلك في زعزعة بعض عوامل ثقافتهم، وولوج عناصر من ثقافات أخرى، مثل الزواج العرفي، وارتياد النوادي الرياضية والانخراط في العمل للفتيات، وذلك في أوقات فراغها لتؤمن معيشة أفضل لها ولأبنائها، أو لتتابع دراستها.

وأما تأثر هؤلاء الشباب بالإنترنت فهو قليل، لأن استخدامها يشكل عبئاً مالياً عليهم. وبين هذا وذاك، بين الأصالة والمعاصرة، يتأرجح الشباب، ويحاول إيجاد التوازن بين قيم الأجداد وتراثهم، وبين القيم الوافدة والتراث، ويبدو ذلك في بعض مظاهر السلوك، كملابس بعض الفتيات حالياً ممن يرتدين موديلات مختلفة وألوان جذابة للعباءات.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الحس الوطني لدى هذه الفئة عال، فالتصاقه بهموم أمته ووطنه واضح جلي في ما يظهره من تعاطف بأشكال مختلفة كالتعبير عن آرائهم بمظاهرات مع ما يحدث من قتل وتشريد لأبناء الأمة العربية وأطفالها ونسائها، وقد يعزى ذلك إلى أن غالبية هؤلاء الشباب من الفئة الوسطى التي لا فائض مدي لديها، وهي تعيش حالة الكفاف، دون الفقر، وتتمسك بثقافتها وتعمل على نشرها مما قد يحدث لدى أبنائها بعض التوتر والصراع للبحث عن الهوية.

ويبقى شباب هذه الفئة القوة الفاعلة في منظمات المجتمعات العربية المختلفة مثل منظمات حقوق الإنسان والجمعيات المختلفة، وهم الأهم في المحافظة على التراث الثقافي.
وثلاث هذه التقسيمات للشباب هي الأكثر فقراً، والخارجة من المناطق الفقيرة وتمثل شباباً غير متعلم، أو بدرجة تعلم متدنية، كالتوجيهي أو أقل. واحتكاك هؤلاء بالتكنولوجيا قليل جداً بسبب عدم تمكنهم مادياً، فتطلعاتهم وآمالهم مستحيلة، وطموحهم وقدراتهم عاجزة، يسرقون الثقافة الدخيلة عبر الإعلام المرئي أو المسموع، إذا أتيحت لهم الفرصة لذلك.

وهم أكثر فئة الشباب بحكم شعورهم بالنقص، والدونية، والحرمان – إذا جاز لنا التعبير- ممارسة لأشكال العنف المختلفة بما فيها عمليات السرقة، والانحراف، بكافة أشكاله، بما فيها تناول المخدرات، والأفلام الإباحية المخلة بالآداب.

إن المتمعن في ما ورد، يدرك خطورة ما يمكن أن تحدثه العولمة، سيما وأن متلقيها هم أعلى النسب في المجتمع، وهم القابلون للتغيير، والقادرون على إحداثه، وهم فئة الشباب، أمل الغد، ومستقبله وطموحه.

وما ينسحب على الشباب من تأثر بمكونات الثقافة المحلية العربية والوافدة ينسحب على قطاعي الطفولة والكهولة في المجتمع الواحد.

وعليه، فإنني أرى ضرورة التأقلم مع العولمة والتمشي معها، وفي الوقت نفسه اتخاذ الإجراء اللازم لمنع انسحاق الذات فيها وانجرافها معها مع الحفاظ على أسس ديانتنا السمحة، وثقافتنا المحلية الغالية.

والهوية التي يعتز بها المجتمع التي تخصه ويفتخر بها. إن طموحاتنا وأهدافنا التي نسعى لتحقيقها كبيرة وتحتاج إلى تضافر جهد كل واحد منا، وجميعنا مدعوون لدعم ورعاية الشباب واكتشاف طاقاتهم وإمكاناتهم لأنهم الأولى بالرعاية والدعم. وثمة مسؤولية أيضاً تقع على كاهلهم لإظهار قدرتهم على المنافسة والتميز ومعرفة إبداعاتهم التي سترسم ملامح المستقبل للوطن ولأجياله القادمة.

-- صحيفة الجزيرة : وفاء بنت ناصر العجمي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*