السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إيران ما بين الجهاد الاقتصادي والانتحار

إيران ما بين الجهاد الاقتصادي والانتحار

حين تعقّد المشهد السياسي في إيران عشية الثورة 1978، حاول الشاه المريض آنذاك، استرضاء الشارع الإيراني الغاضب بتسمية شريف إمامي لرئاسة الوزراء، نظرا لتحدره من عائلة دينية، وللعلاقات التي تربطه ببعض رجال الدين الإيرانيين.

بادر إمامي إلى نقض قرارات الشاه السابقة التي أثارت ضده شيوخ الحوزة الدينية وتلامذتها، فأقفل دُور القمار، وألغى التقويم الإمبراطوري، وحل حزب النهضة الحاكم، وفتح الأبواب أمام مزاولة النشاط السياسي وتأسيس الأحزاب، ولكن تلك المحاولات فشلت، لأن حالة العصيان المدني، واستمرار الإضرابات، والصدام المسلح مع المتظاهرين، دفعت بالأغلبية الصامتة إلى الوقوف مع الثوار الشباب بعد أن تعطلت الحياة الاقتصادية والمعيشية.

حينها قال إمامي عبارته الشهيرة: «لقد بلغت حدة انعدام ثقة الشعب بنا، إلى درجة أننا لو قلنا لهم بأن الوقت نهار.. فلن يصدقونا».

يوم الأحد الماضي (27 نوفمبر/ تشرين الثاني)، أقر البرلمان الإيراني مشروعا يستهدف خفض العلاقات مع بريطانيا، بغرض تبرير طرد السفير البريطاني ردا على مشروع العقوبات المالية الجديدة، التي أقرتها المملكة المتحدة، وقد ردد أعضاء البرلمان بحماس «الموت لإنجلترا»، في الوقت الذي حظرت فيه بريطانيا التعاملات البنكية مع إيران، بما في ذلك البنك المركزي الإيراني.

يتوقع الخبراء أن يصاب الاقتصاد الإيراني بنكسة شديدة في حال أقر الاتحاد الأوروبي غدا، مشروعا يقضي بحظر استيراد النفط الإيراني. وإذا ما أضيفت هذه العقوبات إلى سلسلة العقوبات التي أصدرتها الولايات المتحدة، مع تلك المتوقع صدورها من مجلس الأمن، فإن البنك المركزي الإيراني الذي تصب فيه عائدات 2.2 مليون برميل يوميا، قد يجد نفسه أمام معضلة كبيرة تذكر بالأزمة الاقتصادية التي واجهتها إيران في صيف 1988، وكانت سببا غير مباشر في قبول وقف إطلاق النار مع العراق.

إعلان الإدارة الأميركية الأسبوع الماضي عن مشروع قرار إضافي يستهدف البنك المركزي الإيراني قد يدفع بالبنوك والشركات الدولية إلى وقف تعاملاتها مع إيران، مما سيعرض أرباب التجارة، وحتى المواطنين الإيرانيين العاديين بصفة مباشرة، إلى وقف الحوالات الخارجية، وتعطيل عمليات الاستيراد والتصدير اليومية. يقول روبرت ماكنلي من مجموعة «رابديان» للطاقة: «سوف يرغم المشروع المقترح سائر الدول على الاختيار ما بين التجارة مع الولايات المتحدة أو إيران». يجادل البعض بأن العقوبات على إيران ليست جديدة، وأن بوسع النظام الإيراني الالتفاف عليها، كما كان يصنع في السابق، وهم يشيرون إلى أن هناك دولا اعتادت على ظروف العقوبات الاقتصادية لسببين: أولهما، أن اقتصاد هذه الدول في جزء كبير منه تقليدي، ويركز على السوق المحلية والإنتاج الداخلي، ولهذا فإن فرص تضرره بقطع معاملاته مع بعض الدول الغربية، لا تؤثر كثيرا. فهناك أسواق أخرى قادرة على تعويض النقص في لمعدات وقطع الغيار.

ثانيا: أن هذه الدول قد طورت مع الوقت آليات وطرقا تستطيع من خلالها الالتفاف على تلك العقوبات، بحيث إن أقصى ضرر ممكن أن يطالها هو التأخير والتعثر في بعض القطاعات، حتى تتمكن من تجاوز الأزمة.

هناك أمثلة كثيرة في هذا الشأن، فعندما حظرت بريطانيا على طائرات الخطوط الإيرانية التزود بالوقود من مطار هيثرو، لجأت الخطوط الجوية الإيرانية إلى حيلة، بأن عقدت صفقة مع شركة «انفراتيل» النيوزيلندية المالكة لمطار مانستون في مقاطعة كينت الإنجليزية، حيث تضطر الطائرة إلى التوقف للتزود بالوقود من مانستون قبل العودة إلى طهران.

كما تواصل إيران إنشاء شركات اسمية في دول آسيوية وعربية وأوروبية، وتجد المئات من الشركات الغربية المستعدة للعب دور المحلل لصادراتها ووارداتها من الغرب. وعلى الرغم من ذلك كله، فإن الأزمة الراهنة تبدو أكثر خطورة من سابقاتها، فالمصرف الإيراني المركزي كان على الدوام بعيدا عن التجاذبات السياسية للنظام الإيراني، وكانت طهران تحرص دائما على عدم توريط شركة النفط الإيرانية أو البنك المركزي الإيراني في أي من نشاطاتها الخارجية، بوصفهما شرياني التغذية الرئيسيين للاقتصاد الإيراني، ولهذا فإن استهدافهما بالعقوبات قد تعتبره إيران اعتداء مباشرا على سيادتها كدولة، ورغبة في تعطيل الاقتصاد الإيراني حتى تتقبل الضغوط الغربية عليها.

أيضا، تأتي هذه العقوبات كأخبار سيئة مقارنة بما حققته الحكومة الإيرانية من سلسلة إصلاحات بنيوية في المؤسسات الاقتصادية، التي حظيت بتقريظ حتى من صندوق النقد الدولي.

لقد نادى المرشد الأعلى السيد علي خامنئي في (مارس/ آذار) الماضي خلال عيد النيروز، بأن تكون بداية العام الفارسي «عام الجهاد الاقتصادي»، ولأجل ذلك تمكنت حكومة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد خلال العامين الماضيين من خفض النفقات الحكومية، عبر إعادة هيكلة بعض برامج الدعم للسلع الغذائية ووقود الديزل، وتحويل تلك الأموال مباشرة بشكل إعانات اجتماعية للفقراء، ولكن على الرغم من ذلك تبقى طهران بلدا غير قادر على النمو الاقتصادي بسبب نظامها الداخلي والعقوبات الدولية، وحيث تكلفة برامج الدعم الحكومي تساوي أو تفوق حجم العائدات من البترول («الإيكونومست» 23 يونيو/ حزيران).

أضف إلى ذلك نسبة بطالة تتجاوز 16 في المائة، وعجزا كليا عن زيادة الإنتاج على الرغم من كل الدعايات الحكومية المروجة للاكتفاء الذاتي والتصنيع المحلي. لقد انخفض دخل الفرد الإيراني بمقدار 30 في المائة عما كان عليه زمن الشاه، والاقتصاد الصناعي – بما في ذلك التصنيع الحربي – الذي تدعيه إيران لا يتجاوز إعادة التجميع، أو عرض تعديلات صناعية على تكنولوجيا مضى عليها قرابة الثلاثة عقود.

حتى الصواريخ التي تعلن إيران عن تطوير مداها تنتمي إلى حقبة الحرب الباردة، وتفتقر إلى الدقة والتوجيه بالأقمار الصناعية، وإلى توافر نظام استطلاع متقدم وأجهزة اعتراض صاروخي دفاعية.

هل يعني هذا التقليل من التهديدات الإيرانية؟ لا، فتقرير الوكالة الدولية للطاقة الأخير يثبت نية النظام الإيراني تطوير – أو حتى شراء – أسلحة نووية. أما محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن فتعزز فكرة أن النظام الإيراني لن يتورع عن القيام بأي أعمال من شأنها زعزعة الاستقرار في المنطقة، ولهذا فإن التركيز على المفاصل الاقتصادية للنظام الإيراني، من شأنها أن تجبر إيران على التراجع عن مسارها التخريبي، والقبول بالإشراف الدولي على مشروعها النووي. لا بد أن نتذكر أن إيران بعد حرب العراق واجهت أزمات اقتصادية حادة، وكان النظام يختار في كل مرة أن ينحني للعاصفة، ويتقبل التغيير بدل الانتحار.

لقد قام بذلك، كما أشرنا آنفا في 1988، فقبل شروط وقف إطلاق النار التي كان يرفضها منذ 1984، وسعى بشكل محموم إبان عهد الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني إلى انفتاح اقتصادي على أوروبا والخليج أنقذ إيران من العجز الاقتصادي بعد الحرب، ثم في 1996 حينما أثر الانخفاض الحاد في أسعار النفط على معدلات البطالة بين الشباب، حتى بلغت 28 في المائة، لجأ النظام بعد انتفاضة الطلبة الجامعيين إلى قبول نتائج الانتخابات التي جاءت بتيار محمد خاتمي والإصلاحيين من داخل النظام إلى الحكم. في «السيرة الذاتية لجعفر شريف إمامي»، يروي حبيب لاجوردي (1999) عن إمامي، أن قراره بقبول تشكيل الحكومة في 1978 كان صعبا، لأن الإصلاحات الاقتصادية التي قام بها سلفه جمشيد آموزكار (1977 – 1988)، قد أصابت الاقتصاد الإيراني بالركود.

يرى إمامي أن أسباب الثورة كانت متعددة، ولكن العامل الحاسم في سقوط نظام الشاه بتلك الوتيرة المتسارعة، كان في الانهيار المالي والشلل الاقتصادي اللذين ضربا البلد جراء إضراب عمال النفط، وتوقف كبرى المؤسسات الخدمية عن العمل، حتى الجيش وجد نفسه منهكا وغير قادر على ضبط الأوضاع الاقتصادية مع تراجع معنوياته، وتوقف المبادلات الاقتصادية في سائر البلاد.

النظام الإيراني الحالي يعتقد أن قدرته على التحمل تفوق قدرة الشاه، ولكن تردي الأوضاع الاقتصادية في إيران قد يدفع إلى ثورة جديدة قد تفوق ما شهده بعد انتخابات 2009، وحينها قد لا ينفع النظام اللجوء إلى الحرب أو إغلاق المضايق، فذلك انتحار اقتصادي. يقول كريم ساجدبور من مؤسسة «كارنيغي»: «هناك فرق بين نوازع القتل والانتحار (homicide v.s. suicide)، وقد تعودنا أن النظام الإيراني قد يقبل على القتل، ولكنه ليس انتحاريا، بل يحرص على البقاء».

-- الشرق الأوسط:- عادل الطريفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*