الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مصر فى ظل تطبيق الشريعة

مصر فى ظل تطبيق الشريعة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه صورة مستقبلية لبلدنا مصر في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية، وهي كائنة رغم كيد الكائدين، ومكر الماكرين؛ لأنها مراد الله وقضاؤه الشرعي والقدري.

هذه الصورة لا ندري بالتحديد وقت حدوثها وإن كنا نوقن بأنها آتية وليست لمصر فحسب، بل لسائر بلاد الإسلام.. إننا نصدق الله ونصدق رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذا حاولنا استخلاص هذه الصورة من نصوص الشرع؛ لنوجه رسالة للمنافقين الكارهين لحكم الله -عز وجل-: أن وفـِّروا جهودكم فأنتم مهزومون، وخير لكم أن تنصروا دين الله بدل أن تحاربوه؛ لأن النتيجة ليست في صالحكم: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف:8).

الصورة نستلهم ملامحها من آيات القرآن وأحاديث النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-، أما آيات القرآن الواعدة بالنصر والتمكين والغلبة لهذا الدين فكثيرة جدًا، نقتطف منها: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (النور:55)، وقال -سبحانه-: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) (المجادلة:21)، وقال: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات:171-173).

ومِن بستان السنة قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا) (رواه مسلم)، وقال: (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلامَ، وَذُلاً يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْر) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال أيضًا: (تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلافَةً عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني).

فماذا يقول أعداء الإسلام من المنافقين عن هذه الآيات وتلك الأحاديث؟!

خيار من اثنين: أن يؤمنوا بها ويصدقوا الله -عز وجل- ونبيه -صلى الله عليه وسلم-، والثاني: التكذيب والكفر عياذاً بالله. ولربما كان لديهم خيار ثالث -هم ما عليه الآن من النفاق-: إظهار الموافقة مع الطعن والتشنيع والصد عن سبيل الله.

وهل رأيت أيها القارئ الكريم أمة رُسم مستقبلها بهذا الوضوح وهذه التفاصيل؟! إنها إذن قضية محسومة، العاقبة للمتقين والعزة للإسلام.

والعجيب في الأمر أن ماضينا عاش في ظل الشريعة أنعم حياة وأكرمها، وبشهادة الأعداء والمستشرقين عن دولة الإسلام، وما حققته من موازين العدل وما نشرته من نور العلم وخصال الخير، وما كان من تعامل راق حتى مع الأعداء المحاربين، وهذا مثبت في مراجعهم فضلاً عن تواريخنا، وأنا لن أجتر الماضي وأكثر الحديث عنه.. مع العلم أن الذين طبقت عليهم الحدود التي يخوفون الناس بها هذه الأيام -لم يتجاوزوا عدد أصابع اليدين- في الرجم أو الجلد أو القطع في السرقة، بل أصابع اليد الواحدة! في حين أن الأمريكان -وهم صورة التمدن والتحضر عند الكثيرين، والمثال الآسر لديهم- حاولوا منع الخمر في أمريكا في 16 يناير 1919 فسودت 9 ملايين صفحة لهذا الغرض، وتكلفت الحملة 65 مليون دولار.

وكانت النتيجة ما يلي:

انتشار حانات شرب الخمر السرية فاستخدمت القوة فكانت محاكمات وسجن نصف مليون مواطن من سنة 1920 إلى 1933، وزاد عدد الوفيات بسبب انتشار الخمور الرديئة! فهلك 7500 شخصًا عام 1927 ومرض 11000 آخرين! وتضاعف عدد المجرمين ثلاثة أضعاف ما كان قبل المنع، فكان الحل أن قرر الكونجرس التراجع عن القرار ورفعه، وذلك في ديسمبر 1933!

لتقارن هذا كله بمراحل تحريم الخمر في شرع الله -عز وجل-.. ثلاث آيات فقط على فترات متقاربة، ثم لما نزل التحريم أراقوها في طرقات المدينة وقالوا: “انتهينا”!

هذه صورة واحدة فقط، وكما قلتُ: مقصدي الحديث عن المستقبل لا الماضي، لكني ذكرتها لأقول: ها نحن عشنا الماضي في ظلال الإسلام، وتطبيق الشريعة فكان ما كان من تقدم ورقي، ورفاهية، وأمان، ثم المستقبل -إن شاء الله- سيكون في ظل الإسلام أيضًا، وتطبيق الشريعة كما قرأتم في النصوص الآنفة الذكر.

فلم يُراد فصل الحاضر عن الماضي والمستقبل؟!

ولعلي ألتقط هذه الصورة التفصيلية التي تسكب اليقين في القلوب للمستقبل المرتقب، والذي سيكون في ظل شريعة الله أيضًا، فأقول: أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه بعد هلاك يأجوج ومأجوج: (يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنْ الإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنْ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنْ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنْ النَّاسِ) (رواه مسلم). (بَيْتُ مَدَرٍ): طين صلب. (كَالزَّلَفَةِ): كالمرآة. (وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ): اللبن. (حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنْ الإِبِلِ): الناقة الحلوب. (الْفَخِذَ مِنْ النَّاسِ): الجماعة من الأقارب.

وفي حديث آخر عن تفاصيل تكون في زمن عيسى -عليه السلام- يقول -صلى الله عليه وسلم-: (وَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، ثُمَّ تَقَعُ الأَمَنَةُ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى تَرْتَعَ الأُسُودُ مَعَ الإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ، لا تَضُرُّهُمْ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وروى مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلاً فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلاصُ فَلا يُسْعَى عَلَيْهَا وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ) (رواه مسلم). (الْقِلاصُ): الناقة الشابة.

ويقول أيضًا -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلاً فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) (متفق عليه).

ويزيدنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- توضيحًا وتفصيلاً لهذا الواقع فيقول: (فَيَكُونُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلاً، وَإِمَامًا مُقْسِطًا، يَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَذْبَحُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَتْرُكُ الصَّدَقَةَ، فَلاَ يُسْعَى عَلَى شَاةٍ، وَلاَ بَعِيرٍ، وَتُرْفَعُ الشَّحْنَاءُ، وَالتَّبَاغُضُ، وَتُنْزَعُ حُمَةُ كُلِّ ذَاتِ حُمَةٍ، حَتَّى يُدْخِلَ الْوَلِيدُ يَدَهُ فِي فِي الْحَيَّةِ فَلاَ تَضُرَّهُ، وَتُفِرَّ الْوَلِيدَةُ الأَسَدَ فَلاَ يَضُرُّهَا، وَيَكُونَ الذِّئْبُ فِي الْغَنَمِ كَأَنَّهُ كَلْبُهَا، وَتُمْلأُ الأَرْضُ مِنَ السِّلْمِ كَمَا يُمْلأُ الإِنَاءُ مِنَ الْمَاءِ، وَتَكُونُ الْكَلِمَةُ وَاحِدَةً، فَلاَ يُعْبَدُ إِلاَّ اللَّهُ، وَتَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَتُسْلَبُ قُرَيْشٌ مُلْكَهَا، وَتَكُونُ الأَرْضُ كَفَاثُورِ الْفِضَّةِ، تُنْبِتُ نَبَاتَهَا بِعَهْدِ آدَمَ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى الْقِطْفِ مِنَ الْعِنَبِ فَيُشْبِعَهُمْ، وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى الرُّمَّانَةِ فَتُشْبِعَهُمْ، وَيَكُونَ الثَّوْرُ بِكَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَالِ، وَتَكُونَ الْفَرَسُ بِالدُّرَيْهِمَاتِ.. ) (رواه ابن ماجه وابن خزيمة والحاكم، وصححه الألباني).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (طُوبَى لِعَيْشٍ بَعْدَ المَسِيحِ يُؤْذَنُ لِلسَّمَاءِ فِي الْقَطْرِ وَيُؤْذَنُ لِلأَرْضِ فِي النَّبَاتِ حَتَّى لَوْ بَذَرْتَ حَبَّكَ عَلَى الصَّفَا لَنَبَتَ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الأَسَدِ فَلاَ يَضُرُّهُ وَيَطَأُ عَلَى الحَيَّةِ فَلاَ تَضُرُّهُ، وَلاَ تَشَاحَّ وَلاَ تَحَاسُدَ وَلاَ تَبَاغُضَ) (رواه أبو بكر الأنباري وأبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين، وصححه الألباني).

لعلك أخي القارئ تطلعت مثلي لهذا الزمان الجميل.. وهذه الحياة الطيبة، ولربما تمنى البعض أن يكون من أهله!

وقبل أن نسترسل.. أقول لك: لم حصل لهؤلاء لناس كل هذا.. ؟ ما السبب؟!

دعنا نتساءل: مَن الذي يقول للأرض أنبتي ثمرتك وردي بركتك؟! مَن الذي يأمر السماء بالإمطار؟! مَن الذي يبارك في الطعام والشراب والثمار فيكفي القليل منها الجمع الكثير؟! مَن الذي يضع الأمن في الأرض ليس بين الناس فحسب، بل بين كائنات ومخلوقات طبعت على الشراسة والاعتداء؟! من غيَّر طبعها؟! من الذي يرفع الشحناء والتباغض من القلوب؟!

إنه الله -سبحانه جل شأنه- الذي يقول للشيء كن فيكون.

ولكن هل مِن سبب؟ نعم؛ لأن هناك سُننًا لا تحابي ولا تجامل أحدًا، مَن أخذ بها فحري أن ينال ثواب الدنيا والآخرة.

ولعل في الأحاديث إشارة إلى شيء منها، مثل: الحكم العادل المقسط، وتحكيم شرع الله -عز وجل-، والعمل بطاعته -سبحانه-، بل ورد ذلك صريحًا -أعني تحكيم الشريعة- في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ) (متفق عليه). قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ -أحد الرواة-: “تَدْرِي مَا أَمَّكُمْ مِنْكُمْ.. ؟ فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-“.

وهذا ما كان في ماضي أمتنا فكان لها من الأمن والرخاء والخير والبركات ما كان، لكننا الآن لما غيرنا وتغيرنا غير الله ما بنا، وهو القائل: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11).

قال ابن كثير -رحمه الله-: “روى ابن أبي حاتم عن إبراهيم قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله إلا حوَّل الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون. ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)”.

وقال في تفسير: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (الأنفال:53-54): “يخبر -تعالى- عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه -تعالى- لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه. (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: كصنعه بآل فرعون وأمثالهم حين كذبوا بآياته، أهلكهم بسبب ذنوبهم، وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك، بل كانوا هم الظالمين”.

وهل أظلم ممن يشرك مع الله -عز وجل-؟! إن الشرك ليس فقط في عبادة الأوثان والأصنام، بل هناك شرك في الحكم أخبر الله عنه بقوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.. ) (الشورى:21)، فمن توحيد العبد لله في ربوبيته أن يعتقد أنه وحده الذي له حق التشريع، ثم يفرده -سبحانه- بالتحاكم إلى شرعه، وترك التحاكم إلى الطاغوت؛ ولذا نهى الله -سبحانه- عن هذا النوع مِن الشرك بقوله -تعالى-: (وَلا تُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) (الكهف:26)، على قراءة ابن عامر، وهي قراءة متواترة، فليس لأحد سواه أن يقول هذا حلال، وهذا حرام، ونحو ذلك..

وأخبر عن المؤمنين أنهم: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور:51).

وقال -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة:41).

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: “نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله -عز وجل- (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون. (وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا): أعداء الإسلام وأهله. وهؤلاء كلهم: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) أي: يستجيبون له، منفعلون عنه. (سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) أي: يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد. وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام، وينهونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك، من أعدائك (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) أي: يتأولونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.

(يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) قيل: نزلت في أقوام من اليهود، قتلوا قتيلاً وقالوا: تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن أفتانا بالدية فخذوا ما قال، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه.

والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، من الأمر برجم مَن أُحصن منهم، فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين. فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم؛ فلا تتبعوه في ذلك.

وقد وردت الأحاديث بذلك، فقال مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه قال: “إِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟). فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ، فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. قَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَرُجِمَا، فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ”. وأخرجاه، وهذا لفظ البخاري.

وفي لفظ له: “أُتِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْ الْيَهُودِ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لِلْيَهُودِ: (مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا؟). قَالُوا: نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا. قَالَ: (فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). فَجَاءُوا فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ: يَا أَعْوَرُ اقْرَأْ فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. قَالَ: (ارْفَعْ يَدَكَ). فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا فَرَأَيْتُهُ يُجَانِئُ عَلَيْهَا الْحِجَارَةَ” (انتهى من تفسير ابن كثير).

ثم وإن كنا وجهنا هذه الكلمات للمتشككين والمنافقين والكارهين لشرع الله، لكنها رسالة أيضًا لكل مسلم ولمن انتسب للصحوة المباركة خاصة أن أفيقوا من سباتكم، وارفعوا رؤوسكم، وكفانا نومًا وكسلاً فالدعوة الآن في أمس الحاجة إلى الفعالين لا القوالين. ليسأل كل منا نفسه: ماذا يقدم والأدوار كثيرة لا يوجد من يقوم بها؟ هل تبحث لنفسك عن دور أو أدوار لخدمة هذا الدين؟

هل اجتنبت المعاصي نجاة لنفسك ولأمتك؟ هل نصرت إخوانك المضطهدين بصورة من صور النصرة؟

هل حسنت خلقك؟ هل استقام سلوكك؟

إن لم يكن لك شيء مما سبق فلماذا تعيش؟ لكي تأكل وتشرب؟! هل شغلتنا أموالنا وأهلونا؟ هل نعيش للشهوات؟! هل نسيت أنك ملتزم؟! هل نسيت أنك مسلم؟!

أين البرهان على ذلك من الإصلاح بعد الصلاح؟

إنها وقفة محاسبة ومراجعة.. وإلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنفال:27).

هل يطيق أحدنا أن يسمى خائنًا، ولأعظم أمانة.. أمانة الدين؟!

ها أنتم تدعون لنصرة دين الله -عز وجل-.. فهل مِن مشمر؟!

(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (محمد:38).

اللهم استعملنا ولا تستبدلنا.

-- كتبه/ إيهاب الشريف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*